«كافكا لا يُريد أن يموت» للفرنسي لوران سيكسيك

«كافكا لا يُريد أن يموت» للفرنسي لوران سيكسيك

الحفاظ على ذاكرة كافكا ومُساءلة إرْثِه الأدبي

 

محمد الفحايم – كاتب ومترجم مغربي

 

تتكون النواة المركزية للبنية الروائية في رواية «كافكا لا يريد أن يموت»، للكاتب الفرنسي لوران سيكسيك، (2023م)، من ثلاث شخصيات رئيسة: روبِرت كلوبستوك، ودورا ديامنت، وأوتْلا. ومن خلالها تنسج الحبكةُ فنطل على عالَم كافكا، الذي يتجاذبه قطبان: الوجود المأساوي الذي يَسِمُه الصراعُ المريرُ مع داء السل الفتاك من جهة، ومُجابهة سُلطة الأب القاهرة من جهة أخرى. أما القطب الثاني فهو نِشْدان الخلاص من هذا الوجود القاسي عبر العُزلة والكتابة. وطَلبًا للتدرج في التحليل، سنعمل على استكناه العناصر الدلالية في كل صوت على حدة من هذه الأصوات الثلاثة المكونة للنص الروائي، وتبيان صلتها بفرانز كافكا.

صوت روبِرت كلوبستوك

تُستهَل الروايةُ بمرض روبِرت كلوبستوك، الطالب الشاب الذي يدرس الطب، والشغوف بالأدب. أصابه داءُ السل، فقصد مصحة ماتلياري الشهيرة لعلاج مُصابه. يحمل في حقيبته كُتُبَ الطب ودروسه، وروايات دوستويفسكي. «كان يحلم دائمًا بأن يكون كاتبًا». (كل الاقتباسات بين قوسين هي من الرواية، ومن ترجمتنا)، وكان مشغولًا بهاجس الكتابة وأسئلتها وهو في العشرين من عمره. في هذه المصحة سيلتقي كافكا، الذي كان يُعالَج فيها، وسيُغير هذا اللقاءُ مجرى حياته كل التغيير. «حَمِدَ روبِرت القدَرَ الذي جعله يُلاقي مثل هذا الرجل، في هذا المكان اليَباب».

كان كافكا يمنحه قصصَه، يقرؤُها فيُؤخَذُ بسحرها وطرافتها ويُعجَبُ بعمقها وحداثتها. يُناقشان وضعَهما الصحي، فكانت أحوالُ الشاب تتحسن، أما أحوالُ الكاتب فتسوءُ، ويتطارحان قضايا الأدب والكتابة. يكتشف روبِرت كلوبستوك أن كافكا نذر حياته للأدب وللكتابة بوصفها خلاصًا من جحيم الوجود. يُسِرُّ إليه كافكا: «الكتابة هي احتمالي الوحيد لكي أوجَد، ولهذا أحتاج إلى العُزلة. يحتاج المرءُ في المقام الأول إلى العُزلة، إلى كثير من العُزلة. بعد ذلك، فأنا أمقتُ كل شيء لا يمُت إلى الأدب بصلة… لا شيء يُرضيني سوى الكتابة».

غادر كافكا المصحة إلى براغ، فشعر الشاب بالضجر، و«كانت الرسائل وذكريات الشهور التي أنفقها برفقة الكاتب، وأَثَرُ فكره فيه، تُسعفُه على الصمود والاحتمال». وكان كافكا أيضًا مدينًا لهذا الطالب الشاب الذي أولاه رعايته وعنايته. يقول كافكا في رسالة له: «الآن فقط بمساعدة دورا وروبِرت، بدأتُ أشفى من كل هذا الوَهَن، فماذا سأكون من دونهما!» نشأت صداقة روبِرت كلوبستوك لكافكا في سياق المرض والموت، يقول كافكا في رسالة له: «لا يُفارِقُني روبِرت لحظة واحدة، ويهتم بي بكل ما أوتِي من قوة، بدلًا من أن يهتم بامتحاناته»؛ لذا كان روبِرت، بمعية دورا، هو الشخص الوحيد الشاهد على أيام كافكا الأخيرة.

وصية كافكا: بين ضرورة تنفيذها وواجب نقْضِها

من أقوى المشاهد في هذه الرواية لقاءُ روبِرت بماكس برود صديق كافكا، وخلافهما الحاد حول وصية كافكا لبرود بحرق كتبه الأدبية. كان الكاتب ماكس برود يُخالف وصيةَ كافكا محتجًّا بأن العالَمَ ينبغي أن يعرف كافكا، وأن يعرف آثارَه الأدبية وفكرَه. لكن روبِرت يرُد عليه قائلًا: «أشعُر أن خيانة وصيته هي خيانةٌ لذاكرته ولصداقته، إنها تعني قتلَه للمرة الثانية». يُعقب عليه برود بقوله: «وحَرْقُ أعماله الأدبية، ألا يعني قتلَه للمرة الثانية؟ أليس هذا تأكيدًا لانتصار الظلام على الحياة؟ (…) إن الأمر يتعلق حقًّا وفِعلًا بالحفاظ على إِرْث رجُل عبقري. أعتقد أن من الخير للإنسانية أن تُقْرَأَ كتاباتُ كافكا».

يُثير روبِرت في سجاله مع برود مسألةَ النقصان وعدم الاكتمال في آثار كافكا الأدبية، التي كانت سببًا رئيسًا في إحجامه عن نشرها، وحَمْلِ برود في وصيته له على إتلافها، ماعدا بعضًا منها. يقول: «لكن «أميركا» و«القلعة» عملان أدبيان منقوصان. فهل ستنشُرُ عملًا أدبيًّا غيرَ مُكتمِلٍ، قصةَ غيرَ مُنتهية؟ فيُجيبه ماكس برود: «لا يوجَد نص قد اكتمل على الإطلاق، وإكْمالُ الرواية ليس له أي معنى. الرواية لها عددٌ لا نهائي من النهايات المُحتملة. كل نهاية ناقصةٌ، وكل نهاية موهِمةٌ…».

خلاصة هذا السجال أن روبِرت كلوبستوك يدعو إلى احترام قرار كافكا، الذي كان يرى أن أعماله الأدبية المذكورة في الوصية ليست جديرة بالنشر. أما ماكس برود فيُصِرّ على مخالفة الوصية؛ لأنه كان يعتقد أن آثار كافكا الأدبية برمتها تُضاهي أعمالَ غوته، وكلايست، وفلوبير. وأن رواية «القلعة» تُضارع «الإلياذة».

ثمة مشهد آخر مُثيرٌ، لا يقل عُمقًا وإثارة عن مشهد الوصية، ويتعلق بالاجتماعِ الذي دعا إليه الكاتب روبِرت ويلتش، بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل كافكا (1934م). اجتماع سيُشارك فيه كُتابٌ، في طليعتهم الفيلسوف والتر بنيامين، وكان حُضور روبِرت كلوبستوك أمرًا ذا قيمة كبيرة، بوصفه آخرَ شخص رأى كافكا على قيد الحياة. كان طموحُ هذا اللقاءِ هو التعريف بكافكا، ومَنْحه المنزلةَ الرفيعةَ التي يستحقها في الأدب الألماني، بما أنه «كاتبٌ مُتنَبئٌ وصف في كُتُبه العالَم الرهيبَ الذي نعيش فيه اليوم». سعى هذا الاجتماع أيضًا إلى قراءة كافكا وتأويل أعماله، وحَض الناس على قراءته، وترجيع صداه، وتوسيع مداه».

أعلن روبِرت ويلتش في الافتتاح أن كافكا كان يرفض الاستسلام لقهْر العالَم ولفظاعته؛ لهذا آمَنَ بالكتابة سبيلًا وحيدًا للخلاص من الشرور كافة. كان هذا اللقاء محْفَلًا لصراع التآويل، وتعدد الرؤى التي انبرت لقراءة كافكا. خلاصة الورقة التي تقدم بها فالتر بنيامين هي أن أي تأويل لفكْر في مِثْل هذا الغِنى، ولِعَمَل أدبي لا ينضب معينُه، يُفْضي إلى الفشل. ينبغي لكل شارِح لأعمال كافكا أن يعُد نفسَه مثل «ك.» بطل رواية «القلعة»، أن يَعي حقيقةَ أنه قد لا يُدرك غايتَه أبدًا، وأنه لن يتأكد من صحة أي تأويل، غير أنه يسعى باستمرار، ويبحث عن دلالة العمل الأدبي، بالطريقة نفسِها التي يسعى بها «ك.» إلى العُثور على السبيل المُؤدي إلى «القلعة». أما ثيودور أدورنو فيرى أن عظمة كافكا وحداثته تكمنان في طبيعة كتابته ذاتها، وفي بساطة أسلوبه، ونأيه عن الزخرُف، وفي تقشف لُغته.

يقرأ التحليل النفسي كافكا من منظور الشعور بالذنب الذي كان يُلازم كافكا، ويفصل القول في علاقته بأبيه القائمة على القهر والسحق، فيرى فيه ابنًا خاضِعًا، وخطيبًا تعيسًا، ويتوقف عند وظيفته في مكتب التأمين التي كانت تخنقه، ويختتم بالشعور بالرعب الدائم الذي ينتاب القارئَ لأعماله الأدبية. وقرأ برتولد بريخت كافكا من منظور ماركسي، فرأى أن الموضوعة الوحيدة المهيمنة في كُتبه كافة هي «الحيرة»، حيرة الشخصية التي تُجابه كل المواقف وشتى الأوامر، وما هذه الحيرة إلا بداية لرفض الخضوع، إنها عماد التمرد القادم. وثمة من قرأ كافكا من زاوية السخرية الدائمة من الذات، التي أبْداها أبطالُ كافكا. ومن خلال الدعابة العجيبة، والضحك في وجه البربرية والوحشية. وقُرِئ أيضًا من منظور القابالا والأدب الحاخامي بوجه عام.

اختُتِم اللقاء بقراءة روبِرت كلوبستوك، الشاهدِ الأخير الذي خَبَر كافكا في أيامه الأخيرة. يرى كلوبستوك أن كافكا ليس كائنًا ضعيفًا، إنما هو كائنٌ شَكاكٌ. «والشك، بالطبع، هو أقوى أشكال الذكاء البشري». وأن الكتابة كانت وسيلة ينتقل بها كافكا من حالة شخص مُستكين إلى شخص حُر، ومن صوت واهِن مرعوب إلى صوت قوي واثِق، يُشيد عوالِمَ وإمبراطوريات في الكتابة أقوى وأعظم وأعرق من إمبراطوريات الإسكندر الأكبر، إنها إمبراطوريات العلم والمعرفة الإنسانية.

عشق روبِرت كتابات كافكا، فقرر أن يُترجم إلى لغته المجرية روايةَ «المُحاكمة»، التي عدها أعظم تحفة أدبية على الإطلاق. اشتغل جراحًا متمرنًا في النهار ومترجمًا متمرنًا في الليل. كان تصوره للترجمة يقوم على توخي الدقة في بناء الجملة، وتجنب سوء فهم الدلالة، والخشية من خيانة المؤلف؛ لذا كان يُترجم مثلما كان يُجري عمليات الجراحة. كان خوفُه من الخطأ الطبي يُعادِل خوفَه من سوء إدراك مقاصد النص.

مع صعود النازية سيُكرَه روبِرت على مغادرة ألمانيا، وسيلتقي في لندن في أثناء تأهبه لمغادرة القارة العجوز، نحو منفاه الأخير في أميركا، الكاتبَ شتيفان تسفايغ. يقول عن هذا اللقاء: «في العشرين من عمري، التقيتُ أعظمَ كاتبٍ في القرن. وفي الأربعين، التقيتُ الكاتبَ الأكثرَ شُهرةً. لقد رأيتُ قُطْبَي الإبداع». في أميركا سيرأس وحدة جراحة الصدر في مشفى بروكلين. وقد ذاعت شهرته بفضل أساليبه الجراحية المبتكرة.

صوت دورا ديامانت

دورا ديامانت هي المرأة الوحيدة التي قَبِل كافكا أن يعيش معها. التقاها قبل عام من رحيله. وهي أيضًا المرأة الأخيرة التي عاشت معه. وما عدا الأشهر التي أنفقتها بصحبة كافكا، ونَعِمَتْ فيها ببعض الدفْء العاطفي، بالرغم من ذاك الشتاء الرهيب الذي أمضياه في برلين، فإن قَدَرَها كان كافكاويًّا! غادر كافكا براغ ليُقيم مع دورا في برلين، التي بدا سعيدًا فيها برفقتها، يحْدِقُ به فيها بُؤسٌ مُدقِعٌ، وشتاءٌ قارس أجهز على صحته الخائرة. وكانت هذه المرأة الشابة تشهد صحةَ رفيقها تذْوي شيئًا فشيئًا، مثلما شهدت صفحات من مخطوطةٍ للكاتب تلتهمها النيران بعد أن ألقتها فيها بإيعاز منه.

كانت تتحدى الأطباءَ الذين عالجوا كافكا، وأجمعوا على وصف حالته بالميؤوسة. وعندما كانت ترعى كافكا في المصحة وتعتني به بصحبة روبِرت، صرخت في وجوههم جميعًا، قائلة: «إن كافكا عثَر على الحُب، إن كافكا لا يُريد أن يموت»!

طاردها الغستابو لأنها يهودية، وداهم منزلها في برلين فصادر حقيبة ملأى بمخطوطات كافكا، التي كانت تحتفظ بها، وترفض تسليمها لصديقه الكاتب ماكس برود، وبذلك ضاع إلى الأبد قسمٌ ثمينٌ من ذاكرة كافكا. ولاحقها جهاز الشرطة السوفييتية لأنها تروتسكية، وأبعدها الجنود الإنجليز خلف الأسلاك الشائكة في جزيرة ضائعة في بحر إيرلندا؛ لأنها ألمانية. كانت حياتها هُروبًا أبديًّا، وكانت تتأمل في هذا الهروب فترى أنها لو مكثت في برلين لاعتُقِلَت، ولو بقيت في بيدزين، مدينتِها الأولى في بلدها بولونيا، لأُحرِقَت حية مثل أسرتها، ولو ظلت في موسكو لأُرسِلَت إلى سيبيريا حيث الأعمالُ الشاقة والموتُ. في لندن، التي أنفقت فيها الأوقاتَ الأخيرة من الحرب، كانت دورا تعمل من أجل ذاكرة كافكا، فتُلاقي المُترجمين والباحثين، إلى أن ماتت في سن الرابعة والخمسين.

صوت أوتْلا

كان لكافكا ثلاث أخوات: فالي، وإيلي، وأوتْلا. وكانت أوتلا ذات الشخصية القوية والشرسة هي الأثيرة عنده، وهي أول من قرأ نص الرسالة الشهيرة الموجهة إلى الأب. تُحبه وتُخلص إليه، وتُدافع عنه وهي تجابه أباها متجرئةً عليه ومُناوئةً له، وتشجع شقيقَها على اتخاذ قراراته بالرغم من معارضة أبيه. كان الشوق يستبد بها خلال رحلات أخيها الاستشفائية، وكانت تتطلع لأخبار سارة تحملها رسائله. كان حبها له أعظمَ من كل ضروب الحب. كان دائمًا ثمة هاجس في قرارة نفسها، وهو أن فرانتس لا محالة هالكٌ. كانت نجيتَه، يُسِرُّ إليها بعلاقته المتوترة مع أبيه، وبتفاصيل مرضه، وبدقائق علاقاته العاطفية مع النساء اللائي عرفهن. وكانت دائمًا عونًا وثيقًا له، وسندًا مكينًا يلوذ بها في كل المُلِمّات. عندما يُجافي النوم عينيْها، كانت تعيد قراءة رسائل كافكا، لعل بصيصًا من الأمل ينبجس منها، فتطردَ أوجالَها ووساوسَها. وكانت تتمنى دائمًا أن يظل فرانتس على قيْد الحياة!

طفق الخطر يَحيقُ بها عندما عبرت القواتُ النازية الحدودَ تزحف على براغ، ولم تستطع أن تنجو من الخطر الداهم، بينما نجا ماكس برود من الخطر عندما عبر الحدود قبل أن يُغلقَها الألمانُ، وحمل معه جميع مخطوطات كافكا، التي وجد سبيلًا إليها. وبذلك نجَتْ آثارُ كافكا الأدبيةُ، ونَجَتْ ذاكرتُه. لما أُبعِد اليهود من براغ، قُبِضَ على أوتْلا في أغسطس 1942م، واحتُجِزَت في معسكر اعتقال، ثم لقيت حتفها بعد عام في معتقل أوشفيتز الرهيب.

شيد الكاتب لوران سيكسيك روايتَه هذه من خلال زمنين:

زمن ما قبل وفاة كافكا: ويرتبط بالقسم الأول من الرواية، الذي يسرد وقائع حياة كافكا القصيرة، التي وسمها المرضُ وشبحُ الموت الذي كان يحوم حولها باستمرار، ويُطارده من مشفى إلى آخر، وسلطةُ الأب القاهرةُ، وظروفُ العمل الخانقةُ في مكتب التأمين، التي كانت تحد من حريته وانعتاقه، ثم الخلاص من كل هذه الموانع بواسطة الكتابة والتخييل.

وزمن ما بعد وفاته: ويتعلق بالقسم الثاني من النص، يروي فيه مآلات عائلته وأقربائه المأساوية، ومصير كتاباته التي نجت من التلف والإحراق، فكان من حظ القارئ أن يقرأها، ويتعرف من خلالها إلى فكر أدبي خارق، وكتابة تخييلية فذة. من هنا تطغى ثيمة الموت في الرواية: موت كافكا المبكر، والموت الذي طغى بعد صعود النازية التي أقامت معسكرات اعتقال رهيبة، والستالينية التي زجت بالمعارضين لنهجها المتسلط في معسكرات الغولاغ.

إن قصْد الكاتب من هذا التشييد الزمني هو أن كافكا لا يموت؛ إذ استمر عمله الأدبي عبر الأجيالِ والحِقَبِ، مع ما لاقاه من كراهية واضطهاد، بفضل هذه الأصوات الثلاثة وما قدمته من شهادات عنه. فكل شخصية من هذه الشخصيات، التي ارتبطت مصايرها بكافكا، تكشف لنا عن الآصرة القوية التي تربطها بكافكا وهو يُكابد الداءَ، ويحتَضر بعد معاناة مريرة. كل صوت كان يحمل جزءًا من ذاكرة فرانتس، ويسعى إلى إذاعته والحفاظ عليه. هكذا يواصل كافكا حضورَه من خلال هذه الأصوات الثلاثة بوصفه: صديقًا (روبِرت كلوبستوك)، وعاشِقًا (دورا ديامانت)، وأخًا (أوتْلا)، وعبقريًّا في ابتكار أسلوب متفرد في الكتابة الأدبية.

سعى الكاتب في هذه الرواية إلى الكشف عن مختلف تجليات كافكا بواسطة ثلاث شخصيات أساسية في حياته. تروم كل واحدة منها إضاءةَ جانب من جوانب شخصية كافكا الإشكالية. صديقه الشاب روبِرت كلوبستوك يكشف عن علاقة كافكا بالأدب وبالمرض، أما دورا ديامانت، رفيقته وشريكته الأخيرة، فتكشف عن علاقته بالنساء، وهي علاقة كانت دائمًا معقدةً. أما أخته أوتلا فتُضيءُ علاقة كافكا بأبيه، وهي علاقة إشكالية قائمة على القهر والاستبداد. وقد تبدو هذه الرؤى الثلاث مختلفة، إلا أنها في آخر المطاف مُتكاملة؛ لأنها غوْصٌ في غياهب حياة كافكا الكالحة، وبَسْطٌ لمزيدٍ من الأضواء الكاشفة عليها. وستحمل هذه الشخصيات في دخيلة نفسها، طيلة حياتها، فكْرَ الكاتب، وصورتَه، وذكراه.

اختار المؤلفُ، لوران سيكسيك، في هذه السيرة الروائية صَوْغَ عملِه من خلال ثلاث شهادات تكشف عن جوانب حميمة من شخصية كافكا: إنسانًا مُتفردًا، وكاتبًا رُؤيويًّا، ومُفكرًا خلاقًا. تُتيح هذه الشهادات للقارئ أن يشكل صورًا أخرى جديدة عن كافكا، تُدْنيه من إدراك رُؤى كتابته الرهيبة ودلالاتها العميقة، وخصائص صَنعته الروائية الفذة، وأسرارها الجوهرية، وتُحيط باختلاف مشارب النقاد في شرحها وتأويلها. يتبدى كافكا في هذه السيرة الروائية، وبواسطة هذه الأصوات الثلاثة، صديقًا، وعاشقًا، وأخًا، وكاتبًا فذًّا استثنائيًّا.

صاغ الكاتب روايتَه في المجمل بلغة بسيطة، ودقيقة، متقشفة تبتعد من الانزياحات الأسلوبية، وتتجلى لنا هذه اللغة العارية من بلاغة الإمتاع عندما يصف داءَ السل، وإقامات كافكا المتكررة في المشافي، إلا أن اللغة في الفصول التي تتخذ من دورا ساردًا لها، توسلت بالبعد الشعري العميق، وبحرارة العاطفة، ودفء الوجدان، بحيث إن رُؤى الحُب والاشتياق نحت نحوًا عميقًا في الوجود، فلامست قرارةَ الخسارة والضياع، وقاربَت مهاوي العَدَم. امتزجت لغة دورا الشعريةُ بنشيد الأنشاد، وعارضته ساعية إلى بَزه.

إنها رواية تبدأ من قلب الظلام لتسير صوب الضوء. في هذا العمل الروائي المميز يسبر الكاتبُ أغوارَ آثار كافكا الأدبية، ويكشف للقارئ عن عبقرية كافكا الرؤيوية الفذة التي اجترحت فرادَتَها في مناخ تاريخي شهد الحربَ الكونيةَ الثانيةَ، وجرائمَ النازية، وفظاعات الستالينية. ويُزاوج فيه بين ما هو شخصي حميمي، وتراجيدي جماعي. ويُحرض القُراءَ على إعادة قراءته، واكتشاف ملامح جديدة فيه. إذا كان كافكا يُريد أن يموت، فإن الشخوص الثلاثة، ومعهم الكاتب لوران سيكسيك، لا يُريدونه أن يموت، يُريدون جميعًا أن يظل كافكا منارةً تُنير دروبَ الإنسانية الحالكة.

  • عن مجلة الفيصل

شاهد أيضاً

مرايا الأرواح… مغامرة فلسفيّة أمام الأسئلة الكبرى

مرايا الأرواح… مغامرة فلسفيّة أمام الأسئلة الكبرى رمزي ناري تأتي رواية «مرايا الأرواح» للكاتب الأردنيّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *