الرئيسية / مقالات / امتلاك الأسئلة

امتلاك الأسئلة


*عباس بيضون


التمييز السائد إلى درجة الفصل بين الوقائع التاريخية والوقائع الفنية لا يستند إلى أي مرجعية. إنه مجرد احتجاج على توظيف الفن في الدعوات السياسية والعقائدية، لكن الأمر لم يكن هكذا دائماً. 

انتجت حركة الزن شعر الهايكو كما غيرت في التصوير الذي كان موضوعه الدائم جبل فوجيما الأقدس. كذلك أثرت الاخناتونية في الفن المصري، لم تخرجه من وجاهيته لكنها اخرجته من مثاليته ونمطيته وردته إلى اهتمام واقعي بالوضع والنظرة والحركة. كذلك أثرت المسيحية بروحانيتها في الفن البيزنطي الذي خرج بتقشفه من الجمال الجسماني الظاهر في التماثيل الرومانية وقبلها اليونانية. 

كذلك جعل الفن الهولندي من الموضوع الديني منزليا وواقعياً. أما تاريخ الفن الإسلامي من شعر ومنمنمته وحكايته، فإنه لم يجد من يتقصّاه شأنه في ذلك شأن كل التاريخ الإسلامي شبه المفقود والمفتقر إلى البحوث التي توازن بين عناصره. 

مع ذلك لا نستطيع ان نتوقف عند الاحتجاج على الدعوات. لا بد أن بين التيارات السياسية والعقائدية والآثار الفنية أكثر من رابطة. غياب البحث التاريخي يجعلنا غير قادرين على أن نجزم في ما يمكن أن نسميه الفن البعثي والفن القومي مع أن هذا ليس مستحيلاً. 

لا شك ان نوعاً من الإنشاء والتصنيم اللفظي والرؤيا الجماهيرية يمكن أن يرد إلى هذا الفن. لا نستطيع على سبيل المثال ان لا نجد في الشعر التموزي والبناء الأسطوري للشعر في مرحلة ما، صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذه الرؤيا القومية. 

كما أننا لا نستطيع أن نفرز بسهولة جانبا من الشعر من المعارك السياسية والحراك السياسي. كما أننا بالطريقة نفسها نستطيع أن نجد مرجعاً في الظرف للرواية الرومنطيقية والشعر المهجري والفن التجريدي؛ فرغم أن جميعها مستلهم من التأثير الغربي، إلا أن الخيار لم يكن اعتباطيا بالتأكيد، ولا بد أنه كان يستجيب بدرجة ما لظرف ما ولأسئلته ولحراكه.

هل يمكننا بالدرجة نفسها أن نسأل اليوم عن فن إسلامي، عن شعر ورواية وتشكيل إسلامي، أم أن تطبع تراثنا الفني بالأثر الغربي يحول دون ذلك ويجعل من الفن الإسلامي، إذا وجد، هامشياً. لا نجزم في هذا الموضوع غير أننا لا نستغرب أن يكون هذا الفن، أو على الأقل نواته وارهاصاته الجينية، حائراً متنازعاً بين مرجعية تراثية ومسارات فنية خارجة على التراث، أو على الأقل تعيد ابتكاره. هل يمكن للمد الإسلامي أن لا يترك أي عاقبة فنية، أو أن يكون صميمياً في السياسة والمجتمع بينما هو هامشي فثوري في الثقافة والفن. هذه، بالطبع إذا كانت كذلك، مشكلة التيار الإسلامي ولم تعد إلى الآن، مشكلة في الثقافة والفن العربيين. 
لم يبد إلى الآن أن الحركة الإسلامية انتجت نماذجها وصورها وإنشاءها الخاص أو أنها قادرة على ذلك، أو هي على الأقل تعمل من أجله. لا نستطيع ان نوازن هكذا بين مركزيتها السياسية وطرفيتها الثقافية؛ فالبون، بالتأكيد، شاسع بين الاثنين. لكن من قال أن الفن والثقافة الحديثين هما حقا في المركز إلا بالقياس والنسبة إليهما. من يستطيع أن يتكلم عن مركزية مطلقة للفن والثقافة الحديثين. والسؤال هل إن الفن الحديث فن المجتمع وهل الثقافة الحديثة ثقافة المجتمع، وهل يتعديان مكانهما ويتسعان خارجه ويتمثلان، بدرجة ما ظرفهما. 
هل يكفينا ردهما إلى التأثر الغربي، أليس لهذا التأثر صيغة محلية وخاصة. هل نستطيع أن نعتبر الشعر الحديث مثلاً امتداداً للسيريالية وما تفرق منها وعقبها. هل نجد في الفن الحديث امتدادا للتجريد والتعبيرية والتعبيرية الحديثة وفن الإنشاءات والفيديو، لكن لماذا لا نجد مرحلة تكعيبية وازنة في هذا الفن، ولماذا نجد عزلة لفنون ما بعد الحداثة رغم انتشارها وحضورها عن مرجعياتها، وليست، في الأقل، امتدادات لها ولا تقاس عليها. لا بد أن روحاً محلية أو على الأقل رؤى محلية، لا بد أن ثمة نماذج محلية، لكن قد يكون الأمر مجرد قصور فحسب واستلهام لرؤى ونماذج خارج ثقافاتها، وبالتالي خارج فحواها الحقيقية وخارج ظرفها وخارج فلسفتها.
أسئلة ثقيلة ومربكة، الجواب عليها، إذا كان ممكنا، يتطلب درجة من البحث والموازاة والربط، قد لا نملك أدواتها وآلياتها. لكن الأسئلة دائماً هي نصف الجواب. وجودها وطرحها يشيران باستمرار إلى درجة من «المسكوت عنه»، يشيران إلى أنهما يأتيان من الغيب، وأن في أساسهما رؤى وصورا لا تزال تشير إلى نفسها.
—–
المصدر: السفير

شاهد أيضاً

بروميثيوس أم فاوست ؟؟

* لطفية الدليمي لاتكادُ تغيب عن بالي صورة الفيزيائي اللامع ( روبرت أوبنهايمر ) الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *