الرئيسية / خبر رئيسي / الجوال فوق بحر من الغمام لكاسبر ديفيد فريدريك

الجوال فوق بحر من الغمام لكاسبر ديفيد فريدريك

( ثقافات )

  • هشام روحانا

إن ما يجعل هذه اللوحة عملا فنيا رائعا هو تعدد مستويات التأويل الممكنة ومقدرتها الفذة على نقل الحالة الوجدانية من الشخصية القائمة في مركزها الى المشاهد الذي يقع في أسارها، رغم ان معالم الوجه وتعابيره تبقى مجهولة لانعدام التواصل البصري.

يظهر في مركز اللوحة رجل [ربما هو الفنان نفسه] (1) يقف على قمة صخرة عالية شديدة الانحدار. يرسل، وظهره الى المشاهد، نظره الى الأفق البعيد. تجتمع السحب بالضباب أمامه وتحت الصخرة الصلبة المعتمة التي يقف عليها. يمتد الأفق مفتوحا وتبرز وتستتر من بين ثنايا الضباب قمم الجبال وسلاسلها. إن الرجل الواقف في مركز اللوحة يشكل سوية مع الصخرة المعتمة التي يقف عليها هرما يكوّن فيه رأسه، تتلاعب الريح بخصلات شعره، قمته، بينما يشكل صدره مركزَ الصورة: “القلبُ هو مركزُ الكون”. (2)

تُعد هذه اللوحة واحدة من أهم الاعمال الفنية الرومانسية الأوروبية والألمانية تحديدا. نشأت الرومانسية كتيّار فني متعدد الأوجه في آواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، في رد فعل على قيم ومعاير عصر التنوير (المنطق، العقل، التوجه الواقعي والتجريبي والنظام) وعلى الثورة الصناعية المتزامنة بتأثيراتها المدمرة على البيئة الحيوية والمجال الطبيعي للإنسان وعلى الفرد ذاته. اتجهت أعداد متزايدة من الفنانين والشعراء والكتّاب نحو المشاعر والخيال والجليل/السامي (sublime). غدت الطبيعة البرية الجامحة والبكر، الموضوع المحبب. بهذا المعنى فإن الروامنسية تشكل حنينا الى المجتمعات ما قبل الرأسمالية ونقدا ثقافيا للرأسمالية.

منظورا اليها من هذه الزاوية، فإننا لسنا أمام مجرد لوحة لمجرد منظر طبيعي، بل أمام رواية سردية للبطل البيروني (3) وما الطبيعة هنا الا تعبيرا خارجيا لما هو داخلي وعميق. الجبال والغيوم جزء من روح البطل ووجدانه، كما أنه جزء منها. يتداخل الداخلي بالخارجي والقريب بالبعيد والمتناهي باللامتناهي.

يأخذ الفنان بيدنا الى هذا الموقع بإحداثياته المرسومة بصرامة المعادلة الرياضية، متجاهلا مشاهد أخاذة الجمال وأكثر صفاء ووضوحا كانت ولا بد على الطريق نحو هذه القمة التي ينتقيها بدقة المهندس، منتقلا بنا من معايشة تجربة الجميل، الحسية، الى معايشة تجربة الجليل، العقلية. ليتوقف هنا بالذات حيث تبرز العظمة الطاغية للطبيعة ليس فقط بجمالها بل واساسا بجلالها، باتساعها ولا محدودية أبعادها، بسحرها وأسرارها، حيث “أن الطبيعة جليلةٌ في تلك المظاهر من مظاهرها التي يحمل عيانها معها فكرة لانهائيتها” (4)، فتثير في الناظر لقصوره في تمثل لامحدوديتها وكليتها المطلقة، مشاعرَ الرهبة والضآلة، الرضا والألم. هنا يتوقف الجوال عن تجواله ليصمت اليومي بجلبته متّحدًا بالأبد. ويطغى على المشهد سؤال المصير (5). تتحد وجهة نظر المشاهد الواقف امام اللوحة بوجهة نظر الجوال. يتحد المشاهد والجوال ليصيرا مشمولين معا تحت نظر المصير وعينه التي لا تسهو.

في قراءة أخرى، الرجل في مركز اللوحة هو التعبير عن المفارقة المؤسِسة للذات الحديثة. الذات في مركز اللوحة هي وكيل المشاهد. وهي المقياس الذي من خلاله وبه نتمثل المشهد الطبيعي الممتد امامنا. يعلن وجود هذه الذات في مركز اللوحة عن مركزية الانسان في علاقته بالكون، ومعلنا عن ذاته ذاتا موحدة متماسكة يتوحد فيها الخارجي بالداخلي والبعيد بالقريب واللامتناهي بالمتناهي. لكن هذه الذات لا تستطيع أن تحدد ذاتها الا من خلال الانفصال، أي بإقامة ثنائية الذات والموضوع. والموضوع هنا هو الطبيعة. انفصال الذات عن الموضوع يمكنها ويمكننا من مشاهدته وإضفاء المعنى عليه، لكن هذا الموضوع يبقى مجهولا عصيا فلا يمكن التعرف عليه بكليّته. وهي بهذا المعنى تظلّ تراوح ما بين الذاتية لدى ديكارت التي تفكر (تشاهد) فتنوجد، وبين الذاتية لدى كانط التي لا تستطيع تملك موضوعها بذاته ولذاته ولا حتى من خلال توحدهما، فتبقى الذات العارفة دون بلوغ المعرفة الكليّة. يتمثل هذا في اللوحة من خلال كثافة الضباب وتكاثر الغيوم مما يحجب الرؤية الكاملة لأجزاء المشهد البعيد في كليته وحيازة مكوناته التفصيلية.

لكن الرجل الواقف بقامته المنتصبة على هذا المُرتفع المُطِل على الأفق المفتوح ومشهدُ الطبيعة العذراء المبسوطة أمامه، يجول مستعرضا الطبيعة المستكينة تحت ناظريه، وكأنه هو السيد وهي المسود. إن هذه الثنائية الشكلانية تكشف لنا عن ثنائية تناقض بنيوي داخلي على مستوى المضمون أيضا. فلسنا أمام مجرد حنين طفولي لعودة تناغم الذات الإنسانية مع الطبيعة الأم والالتحام بها. إننا امام المستكشف المالك يجول في مملكته الموعودة. نحن إذا أمام سيادة تتوهمها الذاتُّ على الطبيعة، في عصر البرجوازية المبكرة.

وكأننا بالرجل الواقف، يقف على خط اللا-عودة نحو هاويته، على الشق الفاغر فاه حاجزا ما بين الزمن الطبيعي وزمنٍ لم نتبينه بعد؛ ما بين زمنٍ كانت الإنسانية فيه جزء من الطبيعة، وزمن اغتربت فيه الذات نهائيا عن الطبيعة؛ صار الإنسان مقابل الطبيعة.

كان كارل ماركس قد تناول وجهة النظر الرومانسية في هذه الفقرة من الغروندريسة: “إنه لمن السخافة أن نصبو الى العودة نحو تكامل أصيل معتقدين أن التاريخ قد يتوقف هناك في خواء تام. إن وجهة النظر البرجوازية لم تتجاوز أبدا هذا التضاد القائم بينها وبين وجهة النظر الرومانسية، ولهذا فإن هذه الأخيرة سوف تبقى مصاحبة للبرجوازية مشكّلة تضادا شرعيا حتى نهايتها المباركة” (6). لكن هذا النقد الذي يوجهه ماركس للرومانسية لا ينفي ابدا انها قد شكلت الى جانب مصادر الماركسية الثلاثة أي الفلسفة الألمانية، الاقتصاد السياسي الانجليزي، والاشتراكية الفرنسية رافدا هاما إضافيا. وكما كنا قد ذكرنا سابقا فإن الحركة الرومانسية هي رد فعل مناهض للرأسمالية والثورة الصناعية ونتائجهما وأثارهما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. لم تقتصر الرومانسية على نقد مظالم محددة وعابرة كاستغلال أطفال العمال وافقارهم ونقد سياسات عدم تدخل الدولة والقوانين الصارمة المعادية للفقراء، كما يقرر مايكل لوي (7) بل شكلت أيضا موقفا جذريا وجوهريا مستمرا منذ نهايات القرن الثامن عشر حتى اوقاتنا المعاصرة.

يدين كل من ماركس وأنجلز للنقاد والادباء الرومانسيين فلقد تأثرت أعمالهما على سبيل المثال بكل من الاقتصادي الرومانسي سيسموندي والكتابات الاقتصادية للشعبويين الروس واشتراكية تشارلس فورييه الطوباوية الفرنسية وروايات تشارلز ديكنز وبلزاك. لقد اعتبر ماركس ديكنز واحدا من أعظم ” كتاب الرواية المعاصرين في إنجلترا، والذي قدم خلال كتاباته اوصافا بليغة للعالم وحقائق سياسية واجتماعية أكثر صدقا مما قد قدمه جميع الساسة ومحترفو الدعاية والأخلاق مجتمعين” (8). لقد تطوّرت الماركسية بوصفها النظرية العلمية للاشتراكية من خلال نقد التوجه المثالي والطوباوي للرومانسية، لكن هذا لا يعني انها لم تشترك معها نقدها للرأسمالية ولاغتراب الانسان عن الطبيعة، لكنها رأت في الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وللطبيعة والأرض وفي العمل المأجور، مصدر هذا الاغتراب ومصدر اغتراب العامل عن عمله. وفيما رأت الرومانسية في الماضي ما قبل الرأسمالي خلاصَ الإنسانية فإن الماركسية ترى في الغاء الملكية الخاصة وتحرير العمل من خلال الثورة الاشتراكية خلاص البروليتاريا والإنسانية بأسرها.

المصادر
——————————————————————
  1. هوية الشخصية في الصورة غير معروفة. هنالك تكهنات انها للفنان نفسه الذي كان دائما ما يزور هذه المنطقة من المانيا وكان قد رسم اسكتشات اولية عديدة في مسار اعداد لهذه اللوحة. رأي آخر يقول انها لضابط الماني قتل في الحرب، وكانت المانيا عندها قد خسرت الحرب ضد فرنسا بقيادة  نابوليون بونابرت، الامر الذي يعطي للوحة تداعيات قومية المانية جندتها النازية من اجل اعتبارها تعبيرا عن الوطنية الألمانية.
  2. https://www.artsy.net/article/artsy-editorial-unraveling-mysteries-caspar-david-friedrichs-wanderer
  3. البطل البيروني، إشارة الى جورج غوردون بايرون او اللورد بايرون شاعر إنجليزي من رواد الرومانسية واعلامها، ترك إنجلترا غاضبا على مجتمعها وزيفه متجولا في أوروبا متمردا وداعيا الى الثورة وتوفي في اليونان مصابا بالحمى بعد ان شارك في حربها ضد تركيا ومن اجل الاستقلال. تعد ملحمته الساخرة ” دون جوان ” من أهم الاعمال الرومانسية.
  4. إيمانويل كانط، نقد ملكة الحكم، ترجمة سعيد الغانمي، دار الجمل، 2009، ص 182.
  5. عندما نقف امام منظر طبيعي متسع الأطراف فإننا نشعر أحيانا بأن جماله يسيطر على ادراكنا. من وجهة نظر كانط وشوبنهاور فأن الجمال ليس هو مصدر هذا الشعور بل اللذة المختلطة بالقلق الوجودي.
  6.   Karl Marx, Grundrisse, Penguin Books in association with New Left Review, 1973, p 93.
  7. The Romantic and the Marxist Critique of Modern- Michael Lowy
  8. Marx in the New York Daily Tribune in August 1854 يظهر في المصدر السابق.
(الكرمل)
صورة المقال: الجوال فوق بحر من الغمام – لوحة زيتية للفنان الألماني كاسبر ديفيد فريدريك، عام 1818، متحف كونستال، هامبورغ، ألمانيا

شاهد أيضاً

حكاية رام الله والذاكرة

بقلم وعدسة: زياد جيوسي “الحلقة الثانية”     أقف في زاوية الشارع أستعيد في ذاكرتي دوار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *