الرئيسية / خبر رئيسي / رحلة مع أمين شنار وأويــس القرني

رحلة مع أمين شنار وأويــس القرني

*زياد أحمد سلامة

  لنسافر عبر التاريخ، لنعش في القرن الأول للهجرة، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسأل: ما بال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يكثر من السؤال عن حجيج اليمن؟ وعن رجل لا يكاد يعرفه قومه؟ عن رجل اسمه أويس القرني؟ فمن هو أويس القرني الذي يسأل عنه أيضاً علي بن أبي طالب؟ وما علاقته بأمين شنار؟!.

   أويس بن عامر القرْني المزني، تابعي من بلدة قرن في اليمن، عاش زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يلتق الرسولَ صلى الله عليه وسلم، ورغم شغفه وتشوقه للقاء الرسول عليه صلوات الله وسلاماته كان يعتني بأمه العجوز المريضة، ولعلّ انصرافه إلى القيام بواجبه الجليل هذا تجاهها، كان الحائلَ بينه وبين لقاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وعندما استأذنها في السّفر للقاء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلّم، والسّلام عليه، أذنت له، ولكن بشرطٍ: هو العودة المباشرة، سواءً وجد الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم أم لم يجده.  وهكذا كان! تجهّز أويَس للسّفر لِلُقْيا الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والسّلامِ عليه، وقصَدَه في منزله في المدينة المنورة، ولمّا لم يجده عاد أدراجه، دون التَّمَكن من مشاهدته.  ومع هذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكره بخير جعل الصحابة أمثال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب يترقبون قدومه من اليمن مع وفود الحجاج، يسألون الحجيج اليمانيين عنه، ويسألون عن علامات معينة وصفها لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: أشهل،[1] ذو صهوبة،[2]  بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، آدم شديد الأدمة،[3] ضارب بذقنه على صدره، رام ببصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلو القرآن، يبكي على نفسه، ذو طمرين،[4] لا يؤبه له، يتزر بإزار صوف، ورداء صوف،  مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء، لو أقسم على الله لأبره، ألا وإن تحت منكبه الايسر لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف فاشفع، فيشفعه الله في مثل عدد ربيعة ومضر. يا عمر و يا علي إذا رأيتماه، فاطلبا إليه يستغفر لكما، يغفر الله لكما “..قال النبىّ صلّى الله عليه وآله و سلّم: “خيرُ التّابعين أُوَيس”. كما قال في کرامته عند الله: “أبشروا برجلٍ من أمتي يقال له أُويس القرني .. فإنّه يشفع لمِثْل ربيعةَ ومُضر!، والتفت الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عمر بن الخطّاب الذي كان حاضراً يِستمع، وقال له: ” إن أدركتَه فأقرِئْه مني السّلام! “.وعملاً بهذه الوصيّة الشّريفة، طلب عمر بن الخطّاب أويساً القرنّي في الكوفة فما وجده.. ثم عاد وطلبه في موسم الحج، إذ وقف عمر بين جموع الحجيج صارخاً بأعلى صوته: ـ يا آل نجدٍ، قوموا !..فنهضوا.. فسألهم: هل بينكم أحد من قَرْن؟ فأجابوا: نعم. فأرسل إليهم عمر وسأَلهم عن أويس، فقالوا له: ـ إنه إنسان مجنون، يهوى العيش في القفر والأماكن الموحشة، يبكي عندما يضحك النّاس، ويضحك عندما يبكون. فقال لهم: وَدَدتُ لو رأيته. فأجابوه قائلين: إنه في الصحراء بالقرب من مرعى إبلِنا. فينهش عمر بن الخطّاب بصُحبة الإمام علّيٍ رضي الله عنه، يطلبان أويساً.. فوجدا بعد حين رجلاً يصلّي وقد لفَحَت وجهه أشعة الشّمس فصار شديد السُّمرة، ليس بالطّويل ولا القصير، كثّ الشّعر. وقيل لهما: إنه أُويس . وانتظراه حتّى انتهى من صلاته. فأقبلا عليه مسلّمَين عليه ..وعرّفهما بنفسه، وأراهما علامةً في جنبه الأيسر، بقعةً بيضاء كالدرهم، وثانيةً في راحة يده، بقعةً تُشبه البرص .أقرآه سلامَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.  وعاد حجيج (قَرْن) إلى بلدهم في اليمن، وقد عرفوا من أمر أويسٍ الكثير الذي کانوا يجهلونه !.لقد کان أويس بينهم شخصاً مغمورا، بل موضوعاً للسّخرية منه .إنه مجنون! أمّا الآن، فلا.. إنّه من أولياء الله الصّالحين. فيُقدّرونه، ويحترمونه؛ ويرى أويسٌ منهم ذلك، فيهرب إلى الكوفة

   نعود أدراجنا بضع سطورٍ خلت، لِنُمعِن النّظر والتأمّل في شخصيّة أويس، كما يراه أهل بلدته، وانطلاقاً من وصفهم له فَتَراه: إنساناً منسلخاً عن النّاس، لا يشارکهم حياتَهمُ الدّنيا، وقد جُنّ في الله حبّاً، وذاب إليه شوقاً. فهام على وجهه في الآفاق، وفي الأرض القَفْر، حيث لا بَشَرٌ ولا عمران، وبالتّالي، فلا حرص ولا أطماع! ويَعجب أويس من هؤلاء النّاس، قِصارِ النّظر، ضعيفي الإيمان: هؤلاء جماعةٌ منهم يبكون، وقد فقدوا عزيزاً لهم وحبيباً، ويقول أويس في نفسه: تُرى، ألَمْ يَسمع هؤلاء بقوله تعالى: “إنّ إلى ربَّكَ الرّجُعى” . وبقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائقةُ المَوْت. فيضحك من جهلهم. وهؤلاء جماعة ثانية ركنوا إلى الدّنيا وغرورِها، فخَدَعهم باطلها، وأصبحوا أسرى شِراكِها وحبائلها، فضَحِكوا كثيراً، ناسين أو متناسين أنّهم في دارِ غرورٍ وزوال، نعيمُها مُنغَّض وزائل، وصَفْوُها مَحال. فيبكي لهم، وعليهم، ويشفق عليهم ممّا يجدون !..يذكر الرُّواة لقاءً تمَّ بين أُويسٍ القرني وهَرم بن حيَّان[5]ـ من الطبقة الأولى من زهَّاد عصره ـ والملفت للنَّظر، أنَّ الله تبارك وتعالى لم يَقضِ بهذا اللقاء إلاّ بعد جهودٍ مُضْنيةٍ قام بها هرم بن حيّان ــ يقولون، بأنّ هرم بن حيّان قصد مدينة قرنٍ باليمن للقاء أويسٍ. ولمّا وصل وَجَده قد غادرها واشتدّ الأسى بهرم بن حيّان، حتّى كاد صدره ينفجر، ووَجَد مرارةً طعمُها کالعلقم! لقد أمضى أسابيعَ طوالاً مهاجراً، من أجل هذا اللقاء ..ورجع هرم إلى مَكَّة يطلبه فيها، فلعل أُوَيساً يجاور حَرَم الله.. وفي مكَّة، قيل له: إنّ أويساً قد يمّم وجهَه شَطْرَ الكوفة. ويبلع هرم ريقه، فلا يستطيع، لقد جفّ حَلْقُه، وملّ من كثرة السّفر، فقعد يستريح. ولا تطول استراحة هرمٍ. وها هو يستعدّ للسّفر إلى الكوفة، فلن يَثنيه عن عزمه مانع، أو يحول دون تنفيذ رغبته حائل !..ويصل الرّجل الكوفة بعد مَشقّات، يطلب أويساً فيها. إنّه ضالّته المنشودة، فلا يجده، وكأنّ الأرض قد انشقّت وابتلعته، وظلّ هذا الحال مدّة، وهو في أشدّ العذاب. وأخيراً، يغادر هرم الكوفة إلى البصرة، فلعلّ وعسى ..وفي الطريق، يشاهد هرمُ رجلاً يتوضّأ على شاطئ الفرات، ثمّ أخذ يمشّط لحيته. فلمّا اقترب هرمٌ منه، حيّاه، فردّ عليه الرّجل:ـ وعليك السلام، ورحمة الله وبركاته، يا هرم بن حيّان !..ويصيح هرم: وكيف عَرَفَت بأنني هرم؟!..فيجيبه: إن روحي هيَ التي عرفت روحك، فالأرواح جُنْد مجنَّدة. ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف ـ كما يقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم. ويعرف هرم بأنّه وقع على ضالّته المنشودة، وقد لقيَ صاحبَه بعد عناءٍ شديدٍ، وصبرٍ طويل.. فيُلقي بنفسه عليه مسلّماً، وكأنّه قد وقع على كنزٍ ثمين !.ويطلب هرم من صاحبه أن يَعِظه؛ فيبادر أويس: والله، إنّ خير الكلام وأصدقه وأحكَمَه، هو كلام الله. ثمّ تلا (من سورة الدّخان”بِسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ” وَمَا خَلَقنَا السَّماواتِ والأرضَ وَمَا بينَهُمَا لاَعِبين * مَا خَلَقنَاهُمَا إلاَّ بِالحَقِّ ولكِنَّ أكثَرَهُم لاَ َيَعلَمُون * إنَّ يَومَ الفَصلِ مِيقَاتُهُم أجمَعِين * يَومَ لاَ يُغنِي مَولىً عَن مولىً شيئاً وَلاَ هُم يُنصَرونَ * إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ إنّهُ هُوَ العزيزُ الرّحيم ) ثمّ شهق أويس شهقةً، قال عنها هرم:: لقد خِلتُ واللهِ أنّ فيها نَفْسَه (أي: حَسِبتُ أنّه مات) وأفاق بعد قليل، وأجال عينَيه في هرم، و أخذ ينصحه و يعظه: إنّ موعظة، تنطق بها هذه الآيات الشّريفة، لَجديرٌ بالنّاس أن يتركوا من أجلها الدّنيا وما فيها »..ويذكر أويسٌ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو أشرف الخلق أجمعين، وقد التحق بعالم الملكوت الأعلى، ومن قَبلِه خليلُ الله إبراهيم عليه السلام، وقبلَهما أبو البشر آدم عليه السلام. فالدّنيا ممرّ لا مقرّ، ودارُ زوالٍ وفناء، إلى دار خُلْدٍ وبقاء، فلا ركونَ إليها، ولا وثوق بها، ولا اغترار!… ويوصيه باتّباع الجماعة.. فيدُ الله مع الجماعة، ثمّ يردف متابعاً: اجعل الموتَ نُصْبَ عينَيك، ولا تنظُرنّ إلى صِغَر المعصية، بل إلى عظمةِ مَن عصيتَه! ».وهكذا كان أويس القرنيّ مثالاً فريداً للزهد والقناعة، في زمنٍ قلّ فيه الزّاهدون، وكثر فيه الطّامعون. ومناضلاً سلبياً، يفعل دون تبجّح، بل دون كلام، فمَن طلب الله هان عليه النّاس جميعاً، إنّه مثال قائم بذاته! … فتذكَّروا يا أُولي الألباب! (أي: ذوي العقول) ولكنّ أويساً رضي الله عنه، توّج هذه المواقف الفرديّة، والمجاهدات الذاتيّة، بموقفٍ إيجابي رائعٍ حاسمٍ وقد بان له الحقّ كالشّمس السّاطعة لا تَخفى على ذي عينَين…! فما إن اندلعت موقعة صفّين، حتّى أسرع أويس إلى الحقّ؛ متجلّياً بالإمام عليّ رضي الله عنه وأتْباعه، ينصره، لا بقلبه ولسانه فحسب، بل بيده أيضاً، وبكلّ ما آتاه الله من قوّة. ولنتأمّل هذا الموقفَ البطولي الشجاع، يرويه أحد أصحاب الإمام عليه السلام المقرّبين: عن الأصبغ بن نباتة، قال: كنّا مع عليّ رضي الله عنه بصفّين، فبايعه تسعةٌ وتسعون رجلاً. ثمّ قال: إين تمام المئة؟ لقد عَهِد إليّ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، أن يبايعني في هذا اليوم مئةُ رجل إذ جاء رجل عليه قِباء صوفٍ (يشبه المعطف)، متقلّداً بسيفين، فقال: ـ أُبسط يدَك أبايعْك، فقال الامام عليٌّ رضي الله عنه علامَ تُبايعني؟ فقال: على بذلِ مهجتي دونك! فبايعه. وكرّ أويس القرني على الخصوم، يضرب فيهم بالسّيفين .. وقد تحوّل ذلك الزَّاهد، إلى أسَدٍ هصورٍ يُحامي عن عرينه !..لقد غضب لله ولرسوله، وللإسلام، ولا يزال يقاتل، رضوان الله عليه، بين يدَيِ الإمام،  حتى خرّ صريعاً شهيداً. وهكذا تَوّج حياته الشّريفة بتاج السّعادة والشّهادة !..وحمله أصحابه، والدماء تنزف من أربعين جرحاً، بجسمه الشّريف الطّاهر. وتقدّم الإمام عليّ رضي الله عنه فصلي عليه، ولَحَده بيده الكريمة، وترحّم عليه وقد خَنَقته العبرة. وهكذا التحق سيدُ التّابعين، وأمير الزّهاد، وقدوة العُبّاد، أويس القرني، برَكْب الجهاد حتّى الشهادة “وَفَضَّل اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدينَ أَجْرَاً عظِيماً “.فاستشهد  في موقعة صفين سنة 37هـ ، فنظروا، فإذا عليه نيف وأربعون جراحة..رحم الله أويس بن عامر القرني.. [6]

 هذا هو أويس القرني، المثال الذي يبحث عنه أمين شنار، الذي يهرب من وهج الدنيا وزخرفها، يهرب من السمعة والشهرة وتعظيم النفس أمام الآخرين، فها هو عمر بن الخطاب يعرض على أويس شيئاً (زهيداً) من متاع الحياة الدنيا رآه بحاجة إليه، لكن أويساً يرفض بشدة ويُعْرض بقوه: قال عمر-رضي الله عنه-: مكانك-رحمك الله-حتى أدخل مكة فأتيك بنفقة من عطائي، وفضل كسوة من ثيابي، فإني أراك رث الحال، هذا المكان الميعاد بيني وبينك غداً. فقال: يا أمير المؤمنين، لا ميعاد بيني وبينك، ولا أعرفك بعد اليوم ولا تعرفني. ما أصنع بالنفقة؟ وما أصنع بالكسوة؟ أما ترى عليَّ إزارأ من صوف ورداءً من صوف؟ متى أراني أخلِفهما؟ أما ترى نعليَّ مخصوفتين[7]، متى تُراني أبليهما؟ ومعي أربعة دراهم أخذت من رعايتي متى تُراني آكلها؟ يا أمير المؤمنين: إن بين يدي عقبة لا يقطعها إلا كل مُخِفِّ [أي متخفف من الأحمال] مهزول، فأخف-يرحمك الله-يا أبا حفص، إن الدنيا غرارة غدارة، زائلة فانية، فمن أمسى وهمته فيها اليوم مد عنقه إلى غد، ومن مد عنقه إلى غد أعلق قلبه بالجُمعة، ومن أعلق قلبه بالجُمعة لم ييأس من الشهر، ويوشك أن يطلب السنة، وأجله أقرب إليه من أمله، ومن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غداً من مجاورة الجبار، وجرت من تحت منازله الثمار. فلما سمع عمر-رضي الله عنه-كلامه ضرب بدرته الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، ليتها عاقر لم تعالج حملها. ألا من يأخذها بما فيها ولها؟ فقال أويس: يا أمير المؤمنين! خذ أنت ها هنا حتى آخذ أنا ها هنا. ومضى أويس يسوق الإبل بين يديه، وعمر وعلي-رضي الله عنهما-ينظران إليه حتى غاب فلم يروه، وولى عمر وعلي-رضي الله عنهما-نحو مكة،[8] وقال له عمر أيضاً بعد أن علم أنه ذاهب إلى الكوفة: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: “أكون في غبراء الناس أحب إلي”، من هنا جاءت قصيدة أمين شنار“أويس”[9].

  في بداية القصيدة نرى أمين شنار واقفاً على أبواب مكة يسأل الحجيج عن أويس، تماماً كما رأينا عمر بن الخطاب يسأل عنه:

” وقفتُ بأبواب مكة أسأل عنكَ الحجيج

أفتش أفئدة الطائفين

أدس يديّ في صدور المصلين والعاكفين

أفيكمُ أويس؟

أفيكمُ أويس؟”

   وكما قال إبراهيم درويش، الناقد والكاتب الأدبي في جريدة القدس العربي عن هذه القصيدة:” وفكرة (دس اليد) فيها إشارة إلى الدرجة التي وصل فيها الشاعر باحثاً عن (أويسه) فهو بحث محموم” [10] ولكن الشاعر بعد أن لم يلق جواباً، ولم يعثر على أويس، لم يفقد اليأس، فليبحث عنه في كل مكان:

“وطوفت في الأرض أسأل عنكَ،

أناشد طير السماء ووحش الفلاة

وأستقرأ السحب المثقلات:

ألستِ حديثة عهد بربي؟”[11]

 هو يسأل كل شيء عن أويس، حتى السحب في الفضاء، ولما كانت هذه السحب نقية حديثة عهد بربها كما جاء في الحديث الشريف، فلا بد أن تَصْدُقَه القول، فيتابع:

” ألا تعرفين أويسا؟”

ولكن لا جواب، “فتهمي دموعاً وبؤسا.” فيذكرها بأوصاف أويس:

“أويس فتى من مزينة

وفي ظهره درهم من بياض مقيم

بقية داء قديم”

وهذه أوصاف ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يحدثهم عن أويس، وهذا الداء القديم الذي شُفي منه هو داء البرص، ثم يزيد الشاعر من ذكر أوصاف أويس:

” فقير، غريب، بأسماله يتغنى الصغار”

  فهو فقير لا يلتفتُ إليه أحد، وهذا ما كان يريده أويس الذي:” تزود بالجوع والصمت، ثم ارتحل” ولما ارتحل افتقده العارفون أمثال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وافتقده الباحثون عنه كأمين شنار، هؤلاء الذين صاروا يسألون: “إلى أين؟ من أين؟ فيم؟ متى؟ كيف؟ لا يعرفون …”

 ــ لماذا البحث عن أويس؟ لأن أويساً هو كل شيء، أمل منتظر:

” أويس يمامة

أتت من بعيد بعيد. فرفت بأرض الحرم

أويس غمامة

سرت ليلها في انتظار العِطاش إلى قطرة من بريق

ورشت عليهم سناها”

  أثناء بحثه عن أويس، عن مثاله، يتذكر ما يعيقه من أن يكون أويسا:

” تكبل رجليَّ أغلال عمري

فكيف ألاقي أويسا؟

وتطحن روحي نداءات قبري”

  أترى نداءات قبره؟! إن ما يشده إلى الدنيا؛ بالنسبة له… قبر، هو يخشى أن ما يشده إلى الدنيا سيمنع لقاءه بأويس ــ بمثاله ونموذجه الذي يسعى إليه، وسيتحول اللقاء إلى حالة مأساوية:

” إذا هبط النجم شوقاً إليَّا

فلن يستقر هنا في يديَّا

سوى حفنة من سواد

وإنْ طائر الشوق ألقى بجسميَ هذا المكبلْ

على شرفات الفضاء إليه،

فلن أستقر سوى حفنة من رماد. .”

  هنا تساوره نفسه أن ينسى أويساً، مثاله، ورحلته إلى عالم الفطرة النقية، ولكنه سرعان ما يطرد هذه الفكرة:

” أقر بعجزي وأنسى؟

عدمتُ حياتي إذا ما نسيت أويسا!”

  إنه قد تلبس بهذا الطريق، الطريق إلى أويس، ولا يملك عنه بديلا فقد ملك عليه فؤاده:

” عسيرٌ مرادك. .

وعز طريقك

أدري، ولكنني لست أملك غيره

هتافاته ملء روحي،

وأصداؤه ملء عمري،”

  ثم يقول لنفسه بأنه سيكف عن البحث عن أويس والسؤال عنه، ولكن لماذا هذا الكف المفاجئ عن مثاله ؟! السبب بسيط، لأن أويساً قد دخل قلبه وتشربه:

” كفى!

لن أناشد ركب الحجيج،

ولا السحب المثقلات

ولا الطير والوحش عنك،

فأنت بقلبي …

يمامة حب بقلبي

غمامة نور بقلبي

منحتك عمري

لتقتات من أضلعي

وتشرب من أدمعي “

فهل وجد أويسه؟

  أما الآخرون فما زالوا يستغيثون، حيارى، يضجون غرقى، لماذا؟ لأنهم لم يعثروا على أويس، ولم يبحثوا عنه ـ لا زالت الدنيا في قلوبهم، ولم يتجردوا منها بعد ـ لنسمع إليه يقول:

” وإن العباد حيارى

يضجون غرقى

فتغرق أصواتهم

يصيحون موتى

فتهوي صراخاتهم

تريد أويسا

أما لأويس ترى من معاد؟؟ “

   هكذا وجد أمين شنار أويسه، مثاله الذي يريد أن يتأسى به، بينما الآخرون لا زالوا يبحثون، ضائعين، نعود إلى الناقد إبراهيم درويش إذ يقول عن مجمل رمزية أويس:” أويس هو بمثابة النبوءة والصرخة القادمة لأن فيها معني الخلاص فإن الثري ظامئ يستغيث، وإن العباد حياري، يضجون غرقي فتغرق أصواتهم . . يصيحون موتى فهذي صرخاتهم، نريد أويساً، أما لأويس ترى من معاد؟، ثم يتابع درويش قائلاً: ولكن القصيدة التي تبدأ بتجليات البحث والسؤال عن أويس تتحول فيما بعد للبحث عن أزمة الشاعر أو مشكلة الإنسان، في مراوحته بين السماء والأرض، التراب والنور، وعندما يعيا الشاعر في العثور على معني حقيقي لأويس يلتفت لنفسه، حيث يصرخ قائلا:

كفي لن أناشد ركب الحجيج،

 ولا السحب المثقلات،

 ولا الطير ولا الوحش عنك،

فأنت بقلبي

غمامة حب بقلبي..

منحتك عمري

.. لتقتات من أضلعي..  

وتشرب من أدمعي،

وفي لحظة الاكتشاف تبدأ التجربة بالصعود، حيث تكبر اليمامة، وتكبر الغمامة اللتان تحنان إلى العش المستعاد، وعندها يترك الشاعر أغلال عمره وديدان قبره صاعداً للأعالي، فيما تظل الإنسانية تردد وتبحث في قلقها الوجودي:

” نريد أويساً، أما لأويس ترى من معاد“،

 وهي قصيدة فيها من كثافة التجربة الصوفية وقلق الشاعر الوجودي الباحث عن خلاصٍ في تجربة العارفين. وأويس هنا ليس تعبيراً فقط عن التجربة الروحية في صفائها وتجلياتها، بل عن الخلاص الإنساني، واختيار شنارٍ لأويس المزني له معناه، فأويس من الجيل الأول من الصوفيين الذي مثل فكرة الحب الصوفي والزهد الذي لم تلوثه بعد التجربة الفلسفية ولا الأفلاطونية الجديدة التي اتسمت بها تجارب الصوفيين الكبار حتى ابن عربي وما بعده”. [12]

” انظر: زياد أحمد سلامة؛ أمين شنار أستاذ الجيل (دراسة في فكره وأدبه) وزارة الثقافة ـ عمان ـ 2020، ص 269 ـ 280)

[1]  الأشهل: الشهلة في العين: أن يشوب سوادها زرقة، أو أن يكون سواد العين بين الحمرة والسواد (لسان العرب 11/373) .
[2] ذو صهوبة: لون حمرة في شعر الرأس واللحية، إذا كان في الظاهر حُمرة، وفي الباطن اسواد (لسان العرب 1/531) .
[3] الأدومة: الجلد، البشرة، أي أنه شديد سواد البشرة (لسان العرب ج12/ ص 11)
[4] الطِّمرُ: الثوب الخَلِق، والكساء البالي من غير صوف ـ على قول ابن الأعرابي ـ  والجمع أطمار، وفي الحديث الشريف: ” ربَّ ذي طِمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ” أي : ربَّ ذي خَلَقَين أطاع الله حتى لو سأل الله تعالى أجابه . (لسان العرب 4/ 503)
[5] هرم بن حيان العبدي ويقال الأزدي البصري أحد العابدين حدث عن عمر بن الخطاب وروى عنه الحسن البصري وغيره
[6] سير أعلام النبلاء 4/27، والأعلام لخير الدين الزركلي 2/32
[7] خصف: خصف النعل، ظاهر بعضها على بعض وخرزها، ومن الخصف: الضم والجمع (لسان العرب 9/71) وخصف على نفسه ثوباً: جمع بين طرفيه بعود أو بخيط (المعجم الوسيط 1/238) فالنعل المخصوف عند أويس إذاً هو نعل قد ضُمت أطرافه على بعضها
[8] حديث فضل أويس القرني، وأنه لو أقسم على الله لأبره، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر- رضي الله عنه- 🙁 إن استطعتَ أن يستغفر لك فافعل) ثابت في صحيح مسلم،  فى كتاب الفضائل؛ باب فضائل أويس القرنى ومسند أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى والحاكم النيسابوري في المستدرك عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن أبي شيبة وابن عساكر وأحمد بن حنبل في كتاب الزهد.
[9] أفكار؛ العدد 25 (12/1974) ص 100، وقد نُشرت القصيدة في كتاب ” قصائد ” من منشورات رابطة الكتاب الأردنيين ص 13 وكذلك نُشرت في كتاب ” مختارات من الشعر الأردني” الصادر عن دار البيرق عام 1982.
[10] القدس العربي: مقال بعنوان: (وجد “أويسه” وحمل مفتاح بيته ورحل بهدوء: امين شنار: إسلامي متصوف آمن بالحداثة الشعرية ومسؤولية المثقف عن الهزيمة) 28/9/2005 ص10
[11] هنا تناص مع الحديث النبوي الشريف: عن أنس رضي الله عنه قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر قال فحسر ثوبه أي كشف بعضه عن بدنه حتى أصابه من المطر وقال إنه حديث عهد بربه، رواه مسلم، وقوله “حديث عهد بربه” أي بإيجاد ربه إياه فالمطر رحمة وهي قريبة العهد بخلق الله لها فيتبرك بها وهو دليل على استحباب ذلك.
[12] القدس العربي: مقال بعنوان: وجد “أويسه” وحمل مفتاح بيته ورحل بهدوء: أمين شنار: إسلامي متصوف آمن بالحداثة الشعرية ومسؤولية المثقف عن الهزيمة (28/9/2005) ص10

شاهد أيضاً

“أسرى وحكايات” في فضاء عمان

تقرير: حسن عبّادي عقدت رابطة الكتاب الأردنيين مساء الاثنين 26.07.2021 في العاصمة الأردنية عمّان عبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *