الرئيسية / خبر رئيسي / “الظاهرة “الدينية” في الواجهة: حرية الإيمان و “تبعـيات” العَوْلَمة”

“الظاهرة “الدينية” في الواجهة: حرية الإيمان و “تبعـيات” العَوْلَمة”

*سعيدة تاقي

تبين الست سنوات الماضية أن الانتفاضات “المحاصرَة” أو الثورات “المزعومة” لم تحمل التغيير المأمول سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا و فكريا للواقع المعيش، لكنها تمكنت من وضع “الدين” بوصفه ممارسة سياسية في الواجهة، مما يستدعي التأمل إلى أكثر من مقترب للتحليل و النقد. فما الذي تقوله عودة “الديني” أو تَصدُّر الظاهرة “الدينية” للواجهة؟ أو.. ما الذي تخفيه؟

قلاع الثورة المحاصرة:
إن المسافات الممتدة بين ما رفعته الانتفاضات من شعارات التغيير و بين ما تحقق على مستوى الوقائع و الإنجازات يبلغ أحيانا حد الارتداد أو “الردة”. إنها العودة إلى الماضي من جديد، رغم أن المعتاد في الثورات أو الانتفاضات أو الأحداث الكبرى العظيمة أن تحدث القطيعة مع الماضي و تنصرف إلى تشييد جديد يفصل “الماقبل” عن “المابعد”. و عززت نتائج الانتخابات تلك العودة إلى الماضي بالاكتساح الإخواني السلفي و الأصولي، مما كشف تراجع شعبية الأحزاب الحداثية أو التقدمية، و سهولة استدعاء المخزون الاحتياطي الذي يشكله الفقر و الأمية و الجهـل لصـالح تحـالف الديـن و السـياسة أو التـدين السياسي، مثلما يرى هاشم صالح، المفكر و الكاتب السوري المقيم في فرنسا، في كتابه “الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ”. و يمكن هنا أن نتساءل مع صالح: “لماذا كانت الثورة الفرنسية مضادة لرجال الدين، و لماذا كانت الثورات العربية خاضعة لهم، بل وسلمتهم قيادها من خلال انتخابات حرة؟”. فقد شبه هاشم صالح ما آلت إليه الثـورة المـصرية لـ 25 ينـاير بالثورة الإيرانية التي اندلعت قبل أكثر من ثلاثين سنة، و لأجل ذلك يؤكد صالح بأن التظاهرات الحاشدة التي نظمتها الـثورة الفـرنسية في بـاريس لم ترفع صور رجـال الدين، و إنما رفعت صور فلاسفة التنوير و بالأخص جان جاك روسو و فولتير. و شتان بين روسو و فولتير و بين الخميني و القرضاوي. ” إنهما قطبان متضادان و رؤيتان مختلفتان للعالم”.

من أجل التقدم.. خطوات نحو الخلف:
يفسر هاشم صالح تلك العودة إلى الماضي في ضوء مفهوم  هيغل “مكر العقل” أو “مكر التاريخ”، بأنها لا تعني انتصار السلفية، بل إنها بداية انحسارها. فالعقل يحقق أهدافه في التاريخ أحيانا باستخدام القوى السلبية المضادة لحركة التقدم من أجل التقدم ذاته. إن “التاريخ المكبوت و المحتقن تاريخيا ينبغي أن ينفجر قيحه و صديده الطائفي حتى يشبع انفجارا. بعدئذ يمكن للتاريخ أن يتنفس الصعداء. هذه هي أول خطوة على طريق الخلاص”.
و يضيف: “لاريب أن الثمن المدفوع سيكون باهظا. فالتاريخ يتقيأ أحشاءه عادة (أو يصفي حساباته مع نفسه) على هيئة حروب أهلية و مجازر طائفية و آلام بشرية لا توصف. و هذا ما وصلنا إليه الآن. و لكن فلسفة التاريخ تقول لنا بأن هذه العملية إجبارية.”

و يرى أوليفييه روا، و هو الكاتب و الباحث الفرنسي المتخصص في الحركات الأصولية، في سِفره البديع “الجهل المقدس ـ زمن دين بلا ثقافة” (ترجمة صالح الأشمر) أنَّ “عودة” الديني لا تعدو أن تكون من قبيل الوهم البصري. لأجل ذلك يجدر الحديث عن تحوُّل و حسب، بالـنظر إلى أن العلـمـنة و العَـوْلَمة لم تُزِيلا الـديـني، و إنما أرغمتا الأديــان على الانـفـصال عن الثـقافـة، و على أن تعُدَّ نفسها مستقلة و تعيد بناء ذاتها في فضاء لم يعد إقليمياً، و لم يعد خاضعا للسياسي. فالرابط وثيق بين العلمنة و الإنعاش الديني، بحيث الأخير ليس ردّ فعل ضد العلمنة بل هو ثمرتها.  و ينجم ـ حسب روا ـ “فشلُ الديني السياسي” (إسلاموية، حكومة دينية) من أنه أراد منافسة العلمنة في ميدانها الخاص الذي يحدده روا بالفضاء السياسي (أمّة، دولة، مُواطن، دستور، نظام قانوني). و هكذا يؤُول مثل هذا التسييس “إلى علمنته في كل مرّة لأنه يتورّط في السياسة اليومية، و لأنه يفترض أن في كل إنسان تبعية و حرية في آن. إن الديني السياسي محصور بكل بساطة بين أمرين مُلزمَين: إن عدم الإيمان فضيحة، لكن الإيمان لا يكون إلا فرديّاً. و لا يعمل هذا الديني السياسي إلا على المبدأ القائل بأن الجميع يجب أن يكونوا مؤمنين، لكنه لا يستطيع أن يضمن هذا الإيمان، و عليه أن يفرض التقيّد بالمظهر، و هو ما يمنعه تالياً من تقديم نفسه على أنه تعبير عن إيمان تتقاسمه جماعة بأسرها.”

“الجهل المقدس” و الثقافة المهيمنة:
يحدِّد “الجهل المقدس” عند أوليـفييه روا ذلك الاعتـقاد بالديـني “المحض” الذي قد ينـبني، و ينبني، و يريدون بناءه خارج الثقافات. و هو يرى أن هذا الجهل هو الذي يحفز كل الأصوليات الحديثة و يدفعها إلى التنافس في سوق الأديان، و بينما يفاقم اختلافاتها يوحّد في العمق أنماط ممارساتها.
و روا حين يتحدث عن الدين يقصد في المقام الأول “الأديان الكبرى”، “تلك التي عرفت عبر التاريخ سيرورات توسّع عن طريق الفتوحات أو الاعتناق، و ظواهر انتقال في ثقافات مختلفة، و إزالة الصفة الإقليمية و التفرُّع إلى ثقافة دنيوية (مسيحية، إسلام، بوذية، هندوسية، يهودية). “فقد أفضت العولمة إلى توحيد النمط بما يسميه روا “مشاكَلة الديني بواسطة السوق”  بحيث “ما من شيء يعرِّف الدين بأنه دين إلا ما كان معترفا به كدين من قِبل الثقافة المهيمنة اليوم.” لأجل ذلك يتساءل روا: “أليست هذه المشاكَلة هي ببساطة حصيلة الهيمنة الثقافية للنموذج الأمريكي الشمالي؟ و بإيجاز، عندما نرى ظهور “حلال ماكدونالد” أو “مكّة كولا” فمن الرابح؟ الشريعة أو الفاست فود؟ مكة أو أطلنطا؟”. الدين في علاقته بالثقافة ـ من هذا المنطلق ـ يناقشه أوليفييه روا بعد الثقافة ذات منحيين. الأول يحيل على منتجات أنظمة رمزية، و عروض خيالية، و مؤسسات خاصة بمجتمع. و هو ما يعالج فيه علماء الإناسة و علماء الاجتماع الدينَ بوصفه نظاما رمزيا بين أنظمة أخرى، و من ثم فالدين يدرَك بوصفه متمِّما لثقافة محدّدة. إنه من الثقافة. أما المنحى الثاني فيحيل على المنتجات الرمزية المقوَّمة اجتماعيا بوصفها أصنافا جمالية مستقلة ذاتيا (مثل الفن). و في ضوء ذلك يجد روا أن هذا التحديد للدين في ارتباطه بالثقافة “يصطدم بالاستثناء الديني: أي بالدين الذي يرفض أن يكون نظام معتقدات بسيطاً بين أنظمة أخرى، لأنه يؤكد أنه الحقيقة أو يقول الحقيقة. هذه الأديان تعتبر نفسها حاملة لرسالة عالمية، متعالية على “الثقافات”؛ فالإيمان عندها ليس اعتقاداً بسيطاً أو امتثالية اجتماعية”. إذا تأملنا ملِيّاً ـ يواصل أوليفييه روا ـ في الأديان التي ترجع إلى نظام متعال، نظام الحقيقة و المطلق، نجد أن العلاقة فيها بين دين و ثقافة هي علاقة عرَضية و ظرفية، لأن الدين مُدركاً على هذا النحو يرغب أن يكون أبعد من كل ثقافة، (موقف كاثوليكي من الاندراج الثقافي، الذي هو تطبيق مفهوم تجسُّد المسيح على الثقافة)، أو أنه نتاج ثقافة هي تحوّل معايير دينية إلى مظهر خارجي، أي إلى سلوكات مستَبطنة و ثابتة لا تتبع لا الإيمان و لا الاعتقاد حتى؛ و يظهر هذا في الاستخدام المألوف لدى المسلمين لمـفهوم “ثـقافة إسلامية”، حيث المقـصود معايير ثـقـافـيـة تخص الـعائـلة، و اختلاط الجنسين، و الحِشْمة، و الغذاء إلخ؛ و هي تختلف عما يعنيه المستشرقون العربيون بقولهم ثقافة إسلامية، تلك التي تشتمل على الفن و الهندسة المعمارية و الحياة الحضرية، إلخ.

عولَمةُ الظاهرة “الدينية”:
يصرح جورج قرم بشـكل مثـير للدهشة و محفِّز للبحث و النظر، في بدايـات كتابه “المـسألة الديـنـية في القـرن الـواحد و العشرين” قائلا: “قبل، نصف قرن، لم تكن ألوان صُوَر الـعالم و ديكوراته، ألـوانَ الدّين فالله، بكل تسمـياته المختلفة، لم يكن مُشْرِفا على تعريف الديكورات و تنظيمها. (…) فمن يفتحُ ألبومَ صُوَرٍ للشّرق تعود إلى تلك المرحلة، يمكنه أنْ يرى فيها قليلاً من اللّحي الإسلامية، و أقلّ أيضاً من الحجابات الإسلامية بالنسبة للنساء. (…) و في أوروبا أو في الولايات المتحدة، قلّما كنا نرى قلانس (kippas) على رأس اليهود، و صلباناً على صدر المسيحيين. (…) آنئذ كان العالـم يـبدو و كأنه يعيش بـدون الحضور الكـلّي لله. و يبدو أن أخلاقـية بسـيطة، علـمانـية و إنسانية، مؤاتية لإزالة الاستعمار و تحرير مناطق واسعة من العالم، قد اكتسبت عالمية ما كانت لها حتى ذلك الحين (حق الشعـوب في تقـرير مصـيـرها بنفسها، حـقها في اخـتـيـار نـظامـها السـيـاسـي و الاجتماعي، احترام السيادات الوطنية، التعاون الدولي في سبيل توزيع أفضل للثروات في العالم، إلخ).”
و يصل في منتهى الكتاب إلى القول: “إن القوى التي تدّعي اليوم الوصاية على “المجتمع الدولي” تتصرّف دوماً ضد هذا الانفتاح، على الرغم من خطاباتها المنافقة. فهي تشجّع عملياً (و نظرياً) كل ما يسير في اتجاه “امبراطورية الفوضى” كنمط لحكم العالم: تفكُّـك دول و حروب أهلية، عدم احترام السيادات السـياسية، انـفصالات، صعود المذهبيات و العرقيات، اللجوء إلى الديني و التلاعب به.” و يواصل: ” إن الأزمة لا تنخُر النظام الداخلي للمجتمعات فحسب، بل تنخر أيضا النظام الدولي الذي يرتكز أكثر فأكثر، على الانتشار الإمبريالي الأمريكي،  خصوصا و أنَّ أعمال المقاومة المباشرة أو المخفية لهذا الانتشار تثير ـ و هذه هي المفارقة ـ مزيداً من العولمة و من التدخلية الأمريكية أيضاً”

في الختام:
لئن كانت العلاقة بين الدين و الفضاء العام هي ما تغيّر، وفق ما بلغته دراسة  أوليفييه روا؛ ذلك بأن عودة الدين إلى الفضاء العام ما عادت تحصل في شكل بداهة ثقافية بل على شاكلة العرض المتباهي لدينيّ “محض”، أو تقاليد مستعادة. و كانت سيطرة السلفيين، بمنظور هاشم صالح، على الأنظمة و محافل الانتخابات الحـرة تجسـيداً لثقـل الـتراث عبر الــتاريـخ و هو الثـقل الذي يقتضي لتحجيمه تركه يسيطر و يتوسع و يتحكم، لأن الـظاهـرة “الأصولـية” ستـكشف عبر ذلك أعـطابـها و محـدوديـتها و ستزول هالتها القدسية. فإن جورج قرم يذهب إلى ضرورة السير نحو “ميثاق علماني” يفصل بحكمة تمأسس الـدولة عن تـمأسـس الدِّين، و من شأن ذلك أن “يعاود التواصل مع التقـاليد الكبرى للكوسـموبوليتية و الانفتاح، و ذلك  لوضع حدّ لانحرافات الجيوبوليتيكا العالمية و للاستغلال الفاضح للأديان التوحيدية الثلاث الذي يهدّد في كل مكان الحريات المكتسبة الغالية.”

____________
*  كاتبة من المغرب.
نشر المقال بمجلة الإمارات الثقافية.

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “لعنة فردوس” للكاتبة نور أرناؤوط

د. جهاد العمري من الصعب جداً ان تكون من جيل الستينات او السبعينات في اربد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *