*زاهرة محمد
بدا له أن لهذا الصباح طعم الموت! أكثر من طعم الحياة! سيما بعد مغادرة النوارس للنهر؛ إذ (كلما حلقت النوارس عالياً تذكر النهر أخطاءه).
ها هو يقف قرب نهر دجلة يرمي ما تبقى من أحزانه على حافة النهر-مكرراً هذه الجملة- نظر إلى الأزقة العابقة بأهازيج النسوة، شاي الظهيرة، براءة الأطفال وضحكاتهم… تركض أقدامه دون وعيٍ مثل هرولة الجند المخذولين؛ حين يتذكر الحروب عصفت به… يذرف دمعةً ثمّ يلوذ بالكتابة عن حمى الحرب: (لا شيء في هذا العالم يضاهي تجربة الحرب والموت)، يسير بأقدامه المتعبة حتى يخيم المساء.
الزقاق الطويل يعلن عن صوت المؤذن، وأجراس الكنائس تخاطب أذنيه: (إنَّه يوم الأحد، إِنَّه يوم حب الحياة). ظل يردد جملته -ساخراً- وهو يدخل الزقاق العتيق، وتتعالى أصوات الأطفال رويداً رويداً في الزقاق وهم يلعبون كرة القدم، تصل الكرة تحت قدمه فيركل باب الهمّ؛ ويتناثر تراب الحرمان حوله فيمسك الكرة بيده ويقدّمها للصبي الذي أمامه متبسماً كطفل صغير، يغادر وهو يتحسس تجاعيد وجهه، يجلس في ركن الزقاق يدخن أيامه مقلباً أوراق العمر، هنا كانت (كاميليا) تفتح له الشباك وهو يسلمها رسالته الأولى: لقد مر العمر سريعاً… ينظر بعينين حنونتين صوب الأطفال وهم يلعبون، في هذا العالم الذي يشهد تجربة الحرب والموت بالنسبة لهم؛ الحياة لوحة خلقها الله لينعموا بألوانها معاً يداً بيد، دون أفكار مسبقة أو أحكام تالية، ويسرح بعيداً متذكراً طفولته ومَن عرف من أصدقائه وكيف غيّرهم الزمن! وكيف نبتت طفولتهم زهورَ فلٍّ ونرجس وأحيانا أُخرى شوكاً وصباراً!
كان يتمنى أن يكبر هؤلاء الأطفال الذين لا يعرفون سوى هذا الزقاق الصغير وحنينهم فقط للعائلة المترابطة بالحبّ، أن لا ينسوا أحضان أمهاتهم أو دموعهن كيلا يتحولوا إلى هؤلاء المتوحشين الذين استطاعوا أن يحولوا رشاشات الماء إلى بنادق دم هوجاء.
عيسى رجل عاش نعومة روحه قبل أن يجلدها القهر في هذا الشارع، يعرفه طابوقةً طابوقة، يعرف الوجوه جميعها، تفاصيل البيوت؛ حنين الأمهات وأصوات العصافير، هو (ذاكرة الحي) كما يطلقون عليه، لأنه كان يرفض أن يغادر محلته الصغيرة لأي مكان آخر، كان يؤمن بأن هذه الشوارع الصغيرة تختصر له الوطن؛ ففيها يولد ويموت ليعود، لا للتراب لكن للجدران القاسية التي اعتبر نفسه عمودها وبنيانها وذاكرتها المؤلمة.
يستمع للإذاعة المزدحمة بمصطلحات جديدة على مسامع أهل الحي البسطاء (حركة انقلاب، ثورة، جماعات إرهابية، نظام جديد، دعوة للإصلاح) ويقلب وجهه بين كفيه وكل ما حوله يتحول يوماً بعد يوم إلى كلمة واحدة لا غير… (خراب). يخيم كليلٍ ثقيل، يهرب من أحزانه كي يشطب يوماً آخر.
يستيقظ في صباحه التالي.. مرهقاً لم ينم ليلتها، هو ابن هذه الحارة ابن هؤلاء النسوة اللواتي يرسلن له الدعوات كل صباح: (الله يفتحها بوجهك يا عيسى) والأولاد الذين يأتون له راكضين حين عودته من عمله محملاً لهم بأكياس مملوءة بأنواع السكاكر ليعطوه شعور الأبوة الذي لم يختبره يومًا.
(أيُعقل أن يصبح لدينا فجأة نظام نعيش عليه كما يحب مجموعة من المرتزقة؟! أيعقل أن يكون لضحكات أطفالنا حد..؟ ووقت..؟ ومحاذير…؟! أيعقل لهؤلاء النسوة اللواتي صرفن ورقة العمر الوحيدة بالإيثار أن يعايشن كل هذا الكم من الحزن كل يوم؟).
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!
