الرئيسية / قراءات / مملكة الرب بداخلك .. كتاب تولستوي السحري

مملكة الرب بداخلك .. كتاب تولستوي السحري




معتز محسن عزت*


خاص ( ثقافات )
في العام 1894 أصدر الكاتب الروسي العالمي وفيلسوف كل العصور (ليوتولستوي) كتابه (مملكة الرب بداخلك) كسفرٍ مستقبلي يناشد به العالم في نبذ العنف والدماء من أجل عالم أفضل ناصع البياض في ضميره وفؤاده حيث الفردوس المفقود في أفئدة المفكرين والكتاب.
هذا الكتاب كان بمثابة إحياء فكرة قديمة قدمها في منتصف القرن التاسع عشر ديفيد هنري ثورو صاحب المقاومة السلمية وسياسة المقاطعة التي نادى بها في الولايات المتحدة لمقاطعة الدولة وعدم دفع الضرائب التي سنتها أمريكا لدخول الحروب المكسيكية وكانت تلك الصيحة بمثابة ميلاد (المقاومة السلمية) التي لم تستمر في الحياة قرابة النصف القرن إلى أن جاء حكيم الروس تولستوي يعيد الفكرة للحياة من جديد عبر هذا السفر السحري.
في العام الذي صدر فيه هذا الكتاب تمت ترجمته للغة الإنجليزية وإذ بنسخة من تلك النسخ تقع بين يدي قديس العالم المنتظر (موهانداس كرمشند غاندي) الذي أستلهم تلك النفحات من كتاب تولستوي في مقاومته السلمية التي أعلن عنها أثناء تواجده بجنوب أفريقيا للعمل كمحامٍ لإحدى الشركات ووجد المعاملة العنصرية التي يعامل بها العمال الهنود هناك في تلك البقاع السمراء مما جعله ينادي بالمقاطعة السياسية والاقتصادية بشرائه مزرعة جمع بها كل الهنود في كيب تاون مؤكدًا على دعوته الجدية بإطلاق اسم (تولستوي) على المزرعة ويتبادل غاندي الرسالات مع تولستوي مبشرًا له بتوكيد ما دعا إليه من خلال هذا السفر المنشود على النطاق العملي.
كانت زيارة غاندي من المفروض أن تستغرق ستة أشهر منذ أن وطأت قدماه جنوب أفريقيا ولكن أمتدت الزيارة اثنين وعشرين عامًا من أجل الكفاح والمواجهة لبراثن العنصرية البغيضة وكان لهذا الكتاب دور في أن يستمر في أرض الكفاح ومكمن الجهاد ومصدر الإلهام للمساواة المنشودة بعد أن تعرض للمعاملة العنصرية من ناظر محطة القطار وهو راكب في عربة القطار المخصصة للإرستقراطيين في القطار حسب حجز الشركة له لكن ناظر المحطة ألقى به من العربة على رصيف المحطة لأن هذه الأماكن ليست مخصصة للون الأصفر.
من هنا كانت الصيحة المكتومة التي أتت عبر هذا الكتاب لينجح غاندي في ختام رحلته في العام 1915 بالحصول على حق الهنود في التصويت في الانتخابات البرلمانية وعودته للهند في نقطة تحول كبرى من محامٍ متواضع في القانون إلى محامٍ بارز للإنسانية كلها.
جسد تلك الملحمة الهندية غاندي وأبرزها في كتابه (قصة تجاربي مع الحقيقة) والذي كتبه في العام 1927 وواصل كفاحه بالهند مع الاستمرار في سياسة (الستياجراها) أو المقاطعة التي أسسها في مذهبه الخاص (الأهمسا) والذي جمع بين البوذية والجينية في قالب موحد إلى أن نجح عبر نصف قرن من الكفاح في إسقاط الأسد البريطاني واستقلال الهند سنة 1947 وصعود روحه إلى السماء في العام 1948 بعد قتله على يد رانوثان جودس الصحفي الهندوسي المتطرف وكأنه يقول بأني قتلت المقاومة السلمية ونهيتها إلى الأبد عبر مقولته الشهيرة (أنا قاتل غاندي وقمت بكتابة اسمي بأحرف من نار).
لعل الأفكار تتجه نحوهذا ولكن بإمكانك قتل الثائر ولكنك لا تستطيع أن تقتل الثورة؛ لأن الثورة لها أجنحة تنتقل بها من مكان إلى أخر وهذا ما حدث في العام 1955 ولكن هذه المرة بالولايات المتحدة تحديدًا بولاية ألباما والتي خرجت منها صيحة روزا باركس تلك الحائكة البسيطة التي رفضت أن تقوم من مقعدها المخصص للبيض وجلوسها على مقاعد الملونين مما جعلها مخالفة للقانون فتم القبض عليها وزجها بالسجن ليخرج من قمقمه ماردًا أسمر أراد أن يمحو تلك المؤامرة من الأفروأمريكان وإنقاذ تلك السيدة من أنياب العنصرية الأمريكية وهو القس مارتن لوثر كنج الذي استعاد روح غاندي وأفكار تولستوي بتنظيم مسيرة مقاطعة أتوبيسات شركة فورد والتي عرفت بمسيرة مونتجمري لمقاطعة الحافلات والتي بدأها من كنيسته أتلانتا التي كان يرأسها في ذلك الوقت.
ظلت المقاطعة مستمرة من ديسمبر 1955 حتى يناير 1957 والتي تسببت في خسائر فادحة لشركة فورد مما جعل الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور يستجيب لمطالب الأفروأمريكان ويتم إعطائهم حق التصويت في الانتخابات البرلمانية ليتأكد لنا أن للأفكار أجنحة لا يمكن بترها أبدًا وهذا ما كان كامنًا في كتاب تولستوي السحري (مملكة الرب بداخلك).

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “لعنة فردوس” للكاتبة نور أرناؤوط

د. جهاد العمري من الصعب جداً ان تكون من جيل الستينات او السبعينات في اربد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *