رواية يحيى القيسي “باب الحيرة”: الاغتراب وشقاء البحث عن هوية

(ثقافات)

رواية يحيى القيسي “باب الحيرة”: الاغتراب وشقاء البحث عن هوية

 د. فيصل درّاج

ثلاثة مواضيع لازمت الرواية العربية ، بين مواضيع أخرى ، منذ بداية السبعينات المنقضية حتّى اليوم: الموضوع الأول هو المثقف المغترب، المحاصر بسلطات لا يريدها، والرافض لهزيمة تاريخية، أي هزيمة عام 1967 ، عبثت بكرامته وسخرت من ثقافته ولغته. ظهر ذلك في رواية عبد الرحمن منيف “حين تركنا الجسر”، ورواية غالب هلسا “البكاء على الأطلال”، وفي عمل جمال الغيطاني “الزيني بركات” ، وغيرها. تجلّى الموضوع الثاني في البحث عن الهوية، أو مساءلتها ، ذلك أنّ الهزيمة تدفع المهزوم إلى تأمّل الفرق بين حاضره وماضيه، وتدفعه أكثر إلى الوقوف على أوهامه الذاتية، باحثاً عن ملاذ قريب أو بعيد. و هو ما فعله الغيطاني في “التجليّات” ورضوى عاشور في “غرناطة”، ووقف أمامه مليّاً نجيب محفوظ في عمله “العائش في الحقيقة”. أما العنصر الثالث فتمثّل في مواجهة الشرط الجماعي المهزوم بالإبداع الذاتي، التي عبّرت عنه “نجمة أغسطس” لصنع الله إبراهيم، قبل أن يحوّله إدوار الخرّاط إلى قانون أقرب إلى العقيدة الدينية.

تنتمي إلى هذه الروايات، منظوراً ، وبوجوه متباينة، رواية يحيى القيسي: “باب الحيرة” ، التي تصدر روائيتها عن عناصر ثلاثة على الأقل: التمركز اللغوي، الذي يعلن عن تصرّف شخصي باللغة، يتيح للمؤلف أن ينتج كلاماً خاصاً به، يتكئ على قاموس لغوي معروف ويعيد بناءه، وفقاً للقول الذي تسعى إليه الرواية. فمع أنّ الكلام أقرب، ظاهرياً، إلى البوح الطليق، أو إلى القصّ المليء بالثغرات، فإنّ فيه من المراجع الداخلية والخارجية، أي المواضيع الكتابية وغير الكتابية، ما يعيد إدراجه في بنية حكائية، تريد أن تعطي موقفاً من العالم خاصّاً بها. يتكشّف العنصر الثاني في شخصية الفرد المغترب، الذي يرفض تربية قمعية ويتمرّد على أرواح مستبدة، تسوّغ ما لا يمكن تسويغه ويتطلّع، في الوقت ذاته، إلى تجاوز اغترابه وامتلاك التحقّق المرغوب. ولعلّ الاغتراب كما رغبة تجاوزه ، هو الذي يدفع المغترب إلى التنقّل من مكان إلى مكان ، ومن سؤال إلى آخر منتهياً ، تحت وطأة الاغتراب الثقيل ، إلى باب مغلق لا أفق له.

وبسبب القلق الممضّ والتطلّع العاجز إلى التحرّر منه يحتلّ العالم الداخلي مكاناً واسعاً في السرد الحكائي ، وهو ما يدلّل عليه نص يحيى القيسي بإيقاع متّسق ، بعيد عن الحشو والاسترسال. يتكشّف العنصر الروائي الثالث في سيولة الزمن، الذي يفتح حدثاً على حدث آخر بلا مقدّمات، يُنقّل السارد بين أحياء المدن وعبق الكتب القديمة، وبين هواجس قادمة ورغبات قديمة. ومع أنّ للنص مرجعية تاريخية ، تحضر أكثر من مرّة ، هي هزيمة 1967 وما تلاها من هزائم، فإنّ أحوال الفرد المغترب،  الذي ينقض زمناً غير نظيف بمثال مرغوب، لا يأتي، تذيب الوقائع التاريخية، إن صحّ القول، في جملة أحاسيس إنسانية، هي مزيج من السأم والشكوى والفضول المعرفي والخيبة المنتظرة. وبداهة فإنّ للنص مراجعه الخارجية ، كما يقال بلغة مدرسية سيّارة ، التي يمرّ عليها السارد دون إطالة، تاركاً لغته تعيد تكوينها وتمدّها بتأويل يوسع دلالتها المباشرة. يقول السارد: “وكان بسطار أسود ثقيل يترنّح فوق كتفي أول يوم لي في الخدمة العسكرية الإجبارية ، ص : “14 ، ويقول لاحقاً: “والقاتل يقول للشاب المسجّى تحته مسترحماً “سامحني … لا مناص من قتلك … لا حول ولا قوّة إلاّ بالله” وبعدها جزّ رقبته بالسكين، وزاد بأن خرق رأسه بالرصاص…، ، ص “15. بيد أنّ معنى الحدث الحقيقي يستظهر في الكتابة، التي تتشكّل في لغة واسعة كثيفة توسّع من هول المعيش ، نافذة من الفعل إلى قراره ، ومن العارض اليومي إلى تاريخ متقادم يتجاوزه كثيراً. ولهذا لا يتكشّف معنى الفعل إلاّ في اللغة التي صاغته، وهو ما يجعل من تأمّل اللغة تأمّلاً في اليومي المعيش وفي التاريخ الذي أفضى إليه. أعطى يحيى القيسي لكتابه عنواناً موحياً: “باب الحيرة” ، الذي يتضمّن موضوعاً وإشارة في آن: الحيرة هي الاحتجاج على وضع معتلّ غير قابل للشفاء، وهي البحث غير اليقيني عن اليقين، وهي أيضاً اضطراب إنسان عثر على جوهره وأضاعه، أو بحث عنه ولم يعثر عليه أبداً. إذا كان في هذا الوصف، وما هو قريب منه، ما يحيل على موضوع الكتاب، فإنّ الإشارة تأتي من كلمة “الباب” المتواترة في كتابة التراث العربي، أو من تعبير “باب الحيرة” ، الذي اجتازه “مغتربون من الماضي” ، مثل الراوندي والرازي وأبي حيّان التوحيدي.

انطوى عنوان كتاب يحيى القيسي ، بهذا المعنى ، على دلالتين ، الإعلان عن يقين منتظر، لن يأتي على أيّة حال، والإفصاح عن هوية مأزومة، أو مهزومة، تبحث في ثقافة الماضي عن ملاذ، وتصرّح بأنّ الحاضر ، المليء بالشروخ ، لا يسمح إلاّ بشظايا هوية ، على المغترب أن يتحرّر منها، أو يعمل على تركيبها بشكل جديد.

 “إعرف نفسك” هو القول البسيط الذي يتداوله كل من فقد هويته، وتطلّع إلى عناق هوية بديلة. لا غرابة أن يبدأ السارد بـ”رسالة” يستهلّها بـ “أمّا بعد” ، تصرّح بأوجاع الروح ، تتلوها نتيجة تقول: “ما عدت أدري” وصولاً ، بالضرورة ، إلى “لا فكاك إذاً”. ليست العناوين الفرعية، التي لها شكل إيقاع متكامل، إلاّ التعبير عن طريق المغترب، الذي يخادع السائر فوقه، ويأخذ بيده إلى ما لا يريد، بعيداً عمّا أراد ورغب ، كما لو كان اليقين الوحيد الميسور هو البحث العسير عن اليقين الذي لا يأتي. لا غرابة، والحال هذه، أن يفتّش المغترب عن هويته في “المخطوط الغريب”، الذي هو مرآة لـ “باب الحيرة” ، ومدخل إلى “عبق الماضي البعيد” المحتشد بالزهد والإحسان والرضا والزندقة والتهتّك، وكل ما يرضي المغترب ولا يرضيه أيضاً.

اتكاء على مجاز “المخطوط الغريب” ، وهو مركز الرواية ، أعطى القيسي للاغتراب، في نصّه الكثيف ، أبعاداً مختلفة: فهو بحث معرفي عن إجابات “مستحيلة” تجعل الواقع شفافاً ، وهو تجربة في تجاوز القلق واستعادة الجوهر المفقود ، وهو اقتفاء هوية بعيدة المدى، كلّما بدت موحّدة تفتّتت من جديد. والبحث، في وجوهه كلّها ، مرآة لمنطق الاغتراب في الكتابة الروائية، حيث المعنى كلّه في مشقة الطريق، لا فيما انتهى إليه السائر، الذي تنتظره خيبة ضرورية. من الحاضر إلى الماضي إلى مستقبل لا يراهن عليه. هذا ما أراد أن يقوله النص الروائي ، الذي أضاف هزيمة حزيران إلى “الكتاب العجيب”، وأضاف إلى الطرفين “أنثى”، هي “آخر الأندلسيات” حيناً ، و “سليلة الأولياء” حيناً آخر ، وهي في حين ثالثة ليست هذا ولا ذاك ، بل وجه من وجوه الاغتراب الغربي، الذي يفكّر بما يريد ثم تفضحه اللغة. ومع أنّ في “القول الروائي المباشر” ما يسمح بطرق أبواب مواضيع كثيرة والإسهاب في عرضها ، فقد بحث يحيى القيسي عن لغة إشارية تتوسّل الأسماء والعناوين الفرعية والشعر والتلميح ولغة الهمس إن أمكن. ولهذا يستهل كتابه بقول الحلاج: “من لم يقف على إشاراتنا لم ترشده عباراتنا” ويضيء قوله بجمل مستقلة معلّقة ، كأنّها مداخل المعنى وتعليق عليه: “لم أعرف له اسما قط…، أيّها الجالس على عرش من نار ، أبيض من غير سوء ، جسدك بصير ، كأنّ الماضي حاضر ، أنا سليلة الأولياء.” تمثّل العناوين القصيرة عتبات للكلام وتعليقاً عليه ، أو لنقل تعليقاً ساخراً ، يواجه اليومي البسيط الهامشي بأطياف الأصفهاني والتيفاشي والحلاّج وحمدان القرمطي والراوندي، موحياً بأنّ المغترب يعالج اغترابه بأصول ثقافية متعدّدة الطبقات. تتعيّن جمالية رواية “باب الحيرة” بعملها في اللغة وفي تحديد اللغة شخصية أساسية، تحاور المغترب ويحاورها وينتهيان إلى الاغتراب من جديد. فقد توسّل المغترب العربي اللغة، وهي عنصر ثقافي والمدخل الأكبر إلى الثقافة العربية، معتبراً اللغةـ الأصل ملاذاً آمناً، يعوّضه عمّا فقده ويعيد إليه التوازن المنشود.. وهذا الاعتقاد دفعه إلى محاكاة الأصل والتماهي به، أي الكتابة على طريقة القدماء ، كما لو كانت العودة إلى اللغة الأصل تحقيقاً لهوية أصلية.

  انطوى هذا الاعتقاد على بعدين: بعد أول يؤكّد اللغة من حيث هي، منظوراً للعالم ، فهي الوسيلة والغاية، أو أنّها الشكل والمضمون ، إن صح التعبير ، طالما أنّ العربي يعيش بلغته، وأنّ لغته الموروثة جملة لغات. وبعد ثانْ تقني، يمكّن الكاتب من إعادة إنتاج اللغة الأصلية التي يلوذ بها ، فهي منه وهو منها ، ومحاكاتها تلغي الفرق بين الطرفين.

 وعن هذا البعد التقني، الذي يُشتق منظور العمل الروائي، دون أن تعسف أو تعمّل ، صدرت الصنعة اللغوية المشرقة، التي وضعت اللغة التراثية في النص الروائي، وربطت بين النص ومراجعه التراثية، حتى بدا ، في بعض وجوهه، امتداداً للتراث. كأن نقرأ تحت عنوان : “أبيضّ من غير سوءْ”: أكلته بالرؤية العطشى ، كان مدعوكاً بالمرمر، مفروكاً بالزعفران، مرشوشاً بماء الورد، يفيض بثمر جذل متطوّح من النضج والاستواء، ممتلئ بذاته، جليل وكريم، لا أحصي عليه تشبيهاً يظلمه، ولا مدحاً يشتّت روعته…،ص : 33 “. مكّن البعد التقني الكاتب من محاكاة نصوص قديمة مذكراً بعمل المصري عزت القمحاوي ، الذي احتفى في روايته “مدينة اللذة” باللغة الفخمة وسخر منها في آن ، مبرهناً ، أولاً ، عن ذلك الالتباس المثمر ، الذي يقول باطنه بما لا يصرّح به خارجه: ذلك أنّ اللغة الفخمة لا تقول أشياء كثيرة ، في معظم الأحيان. بيد أنّ هذه المحاكاة الفنيّة، التي توحي باطمئنان إلى هوية جليلة قديمة، هي محاكاة مسكونة بالسخرية، أو مفارقة ساخرة ، ذلك أنّ التراث المنشود مشتّت متعدّد ومتنوّع ، وأن تعدّده ينفي اليقين ولا يستأنسه. أكثر من ذلك أنّ هذا التراث المنسوج من بلاغة باذخة، يفتقر إلى الرصيد اللغوي، لأنَّ مترادفاته المتعدّدة ومتواليات السجع والبديع فيه ليس لها مواضيع خارجية تطابقها وتجسّدها، بل إنّ مواضيعها الخارجية، إن كانت ممكنة، فقيرة وشديدة الفقر. لهذا تبدأ لغة الهوية واعدة مطمئنة دافئة، كي تنتهي، بعد أن يمارسها الكاتب ويختبر تفاصيلها ، إلى نقيض ما وعدت به.

والفرق بين المبتدأ والمنتهى هو ما يجعل السخرية السوداء عنصراً داخلياً أساسياً في الرواية، بسبب فخامة ظاهرية تضاعف اغتراب المغترب. فلا إجابة عند اللغة عن سؤال يحتاج إلى إجابة ، ولا في الحياة ما يروي غليل الإنسان المحروم ، سياسة كان أو عشقاً أو فلسفة. ولهذا تبدو اللغة المهيبة وعياً زائفاً لا أكثر ، يجدر به النقض والهدم لا الاحتفال. فلا يقين ، ولا ما هو قريب من اليقين ، وحتّى الأنثى التي تبدو نقيضاً للاغتراب، هي مجرّد احتمال، لا تستقر على حال، ولا تظل حيث وعدت أن تكون.

أمران أساسيان يجعلان من “باب الحيرة” عملاً جديراً بالقراءة والتأمّل: الاستعمال المتنوع للغة، الذي يؤكّدها عنصر توصيل وتصوّراً للعالم في آن، والتضاد بين ظاهر اللغة ، المحتشد بالثراء والأبّهة، وجوهرها الذي لا يقول بشيء آخر. لن تكون لغة “الحلاّج” ، التي استهل بها الروائي عمله، إلاّ تلك اللغة الهامشية المغتربة، التي تقطع مع بلاغة مترهلة مسيطرة لا تقول شيئاً كثيراً ، أو لغة هامشي متمرّد قديم يستجير به هامشي من الزمن الراهن.

 “باب الحيرة” نص مجهتد يسائل إمكانيات الجنس الروائي ، ويعطي جواباً كثيف المعنى وواسع الإيحاء ، يبرهن عن مرونة الجنس الروائي وإمكانيات تجديد الكتابة الروائية.

الدستور الأردنية – نشر في: 2 مارس 2007

فيصل درّاج: ناقد وباحث فلسطيني يعيش في الأردن له عدد كبير من الدراسات والكتب

شاهد أيضاً

فلسفة توماس هوبز ومفهومه عن القانون

(ثقافات) فلسفة توماس هوبز ومفهومه عن القانون حاتم السروي حين تنتشر الفوضى وتضيع الحقوق ويسأل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *