الرئيسية / نصوص / ألَمٌ في الجَنْب

ألَمٌ في الجَنْب


*سيومي خليل


خاص ( ثقافات )
انتبهْت أنَّ الآخرين مِثلي يمسكون جُنوبهم من شِدة الألم . أَعينهم كانت شاردةً مثل عيني ،لا ترى إنْ رأت شَيئا ، وتَتصبَّب من فوق حَاجبيها قطرات عرقٍ تبدو دافئة . الآخرون يُمسكون نفس الجنب الذي أمسكه ، لم أَعد أذكر إن كان اليَمين أم الشمال ، غَير أنَّه جنب ما . تَوقعت أَن تَكون العيادة البَئيسة كما دَائما بئيسةَ وخالية من الزُّوار ،لكن الأَمر لم يَكن كَما دائما . المَاسكون لجنوبهم كَانوا يملَأُون العيادة ، يَتَصايحون ، يُثرثرون ، ويُظهرون علامات أَلم شديدٍ . لا مَكان لأقف فيه . الهَواء بالعيادة مَليء برائحة الشُّؤم . المَلالة تصيب الجَميع. يُنادي الممرض المُتعرق من شدة ألم جَنبه هو الآخر باسمي كي أدخل عِند الطبيب . الطَّبيب هو الآخر يُمسك جنبه . سَألته عن عِلاج لهذا الألم . ابتسم . عَن أي ألمٍ تتحدث؟؟؟ سَأل . أَلم جنبي الذي أُمسكه . ابتسم مَرةً آخرى و لمَّح إلى أني أَسخر منه . هَناك أَلم بجنبي ، وضحتُ له الأمر . ابتسم مرة آخرى .قَال أن جميع المَغاربة يُمسكون جُنوبهم من شدة الأَلم .أضَاف أنَّه ليس علي أَن أُخفف الألم بالرياضة أَو أي أَدوية ، لأن المُّشكل ليس عضويا . العلاج مَضيعة للوقت ، هَذا ما فهمته .سَألته عن سبب هذا الألم الذي بِجنوب المَغاربة جميعا . نَظر إلي شَزرا ، أخَذ الهاتف النقال ، رَكب رقما، وبعدها حَضر أربعةُ رجال غلاظ شداد ،مُباشرة بعد غلق الهاتف . وَقفوا بجنبي، وطلبوا مني المُغادرة . غَادرت مَع هؤلاء الرجال الذين لا تَبدو عليهم مهنة التطبيب . لَم يكونوا مَاسكين لجنوبهم ، وليس بهم أَلم . قُلت لهم أَنتم لَستم مثلنا . صَفعني أحدهم . أنتَ تتكلم في الممنوعات ، قَال لي آخر . ما الذي جَعلك تَسأل عن سبب مسكْ المُواطنين لجُنوبهم . إنَّه … إنه …صُفعت مرة آخرى . رَكبت معهم سيارة سوداء ، تَخيلتها هي الآخرى ماسكةً لجنبها وتتألم . البنايات هي الآخرى كَانت تمسك بجنبها ، أَعمدة الكهرباء ، الأَشجار التي كَانت تَمر من أمامها السيارة . أُذخلت بناية ، أَظنها مخفرا سريا . لمْ يكن أَحد من الرجال والنساء بالبناية الجديدة بماسكين جُنوبهم ، كانت مَلامحهم عنوانا للنِّعمة ،يَتحركون في أجساد ليس عليها أي ألم .استنتجت أنَّ ألم الجنب لم يصبْ جميع المُواطنين كما قاَل الطبيب ، فها هو السيد المَسؤول الذي أَجلس أمامه بجنب سليم ومُعافي . طلب مني أَن أُزيل يدي عن جنبي . تعلَّلت بالألم .لماذا تريد أن تَعرف سبب ألم جنبك ؟؟؟ . استغربت سُؤاله . إنَّه أَلم يا سيدي ، ومن المَفروض علي أَن أُعالجه . هل ستعالجه عند الطبيب أم ماذا ؟؟؟ سَأل بسخرية . ومن سَيعالجه إذن ؟؟؟ . قام من على الكرسي ، ونَادى بصوت مُغضب على أحدهم . أمره باعتقال جنبي ،وإيداعُه السجن بتهمة خلق الفتنة في النَّفس ،وجعلها تبحث عن أسباب الألم ،وجَعل المرضى يُؤولون ألم الجنب بغير ظَاهره ، ويفهَمُون أنَّه كناية عن أَلم المعيشة ، وعن ألم القوانين الجائرة ، وعن ألم الجهل… بعد خروجي من السجن تَركت جنبي فيه ، لم أَر داعيا لحمله معي ، فربما إن حملته سيعيدني إلى السجن مرة آخرى .

شاهد أيضاً

فوقَ سُورِ المدينةِ

(ثقافات) فوقَ سُورِ المدينةِ قصَّة قصيرة الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس       الرَّفيق غَيْث كما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *