الرئيسية / نصوص / في الصباح الاخير للعاصفة

في الصباح الاخير للعاصفة


علي عبد الأمير


خاص ( ثقافات )
المكان: طريق البصرة- مجنون صعودا الى العمارة
الزمان: صباح 28 شباط 1991
هنا صباح من الحرائق والأجساد المثقوبة بالشظايا، والمقذوفة على جوانب الطريق، هنا نهار معطل عن الحياة، وفلاحون يخرجون الى الطريق يتطلعون في المشهد.
واصلنا مسيرنا بين عجلات محترقة، أو مدمرة، على أطرافها أجساد غافية، لم تزل مبللة بالدم أو أخرى مهملة على طرف الشارع، الأرض تكاد تنكمش على أطرافها وتفز مذعورة كي تهرب معنا، وسريعاً سريعاً نمضي مودعين (النشوة)، طالما ان الضباب خيّم على كل شيء، وعلّه الضباب يكون مظلتنا الواقية من جحيم أسراب “طيور الألمنيوم” ومخالبها الوحشية الجارحة!
وصلنا عند نقطة كانت شبه مغلقة بحطام الآليات، وتناثرت أجساد الرجال حولها، فيما تولت إحدى الدبابات فتح الطريق ودفعت بأكوام الحديد جانباً ومررنا من تلك الفتحة بسرعة، غير إن المشهد تكرر ثانية عند عنق (جسر مجنون الحديدي)، حيث طارت الشظايا فوق رأسي وعن قرب سمعت صوت استغاثة جندي شاب وهو جالس على طرق الطريق والدماء تكاد تغطي كتفيه وظهره، إستدار بوجهه نحو الأفق حيث امتداد العشب والطين، كان يحرك رأسه بإطراقة، ظهره الينا وآخر الضياء في عينيه يختلط بآخر الضباب الذي بدأ ينقشع، تابعت حركة جذعه البطيئة … أهذا هو إيقاع اقتراب الجسد من الموت؟ يده لم تزل تشير الى الأفق، الى مكان ما كان يراه تلك اللحظة وظهره للمجزرة!
الشمس هزمت الضباب وحلّ الصباح علينا، نرحل على عجل ولكن الى أين؟ ضاقت بنا الأرض، وطافت فوقنا مجدداً طائرتان التمعت أجنحتهما بتأثير الشمس الطرية. إنتشرنا مجموعات صغيرة بين طيات الأرض، وعشبها الأخضر الندي إحتضن أجسادنا واستقبل هلعنا ببرودته، لتنزل أربعة صواريخ علينا تماما، قبل أن تفترق الى إتجاهين لتصيب أربع عجلات على الطريق ولتتناثر الشظايا، وظلت عجلتنا بين حريقين، بين نارين نتأملها وهي مسمرة على الطريق.
ومن نثار ما تبقى منا، بدأت صيحات تتعالى، هستيريا لمشاهد تتضمن حركات مثل الارتفاع الى فوق ثم الإرتماء على الأرض… عناق بين إثنين ثم يفترقنان وكل منهما يغطي وجهه بكفيه! قفزات متبادلة وعناق وبكاء، وحين وصلت اليهم عرفت أن الثامنة صباحاً – أي بعد دقيقتين من الان- ستكون موعداً لوقف اطلاق النار!!…
قذفت نفسي في باطن ساقية رطبة! ثم تحاملت على بقاياي المتشظية وحاولت الخروج، أحسست بعجزي عن الحركة، أحسست أن ظهري قد انكسر! وعرفت حدود التوصيف لتلك الكلمة وكيف تقال لمن تقع عليه نائبة من النوائب، نعم إنكسر ظهري… إنكسر ظهر بلادي.
* الصورة من ارشيف الجيش الاميركي لحرب “عاصفة الصحراء” 1991
_____
*موقع علي عبد الأمير عجام

شاهد أيضاً

موجز لنشرة الأخبار

يحيى القيسي   وأنا أبحثُ عن جدَّتي المقتولة في “حُروب الرّدَّة” وجدّي الضَّائع في سجلات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *