الرئيسية / إضاءات / ‘ماراثون الكلمات’ بتولوز يحتفي بالأدب العربي الناطق بالفرنسية

‘ماراثون الكلمات’ بتولوز يحتفي بالأدب العربي الناطق بالفرنسية




*صابر بن عامر


عرفت مدينة تولوز أو “طولوشة”، نسبة لتسميتها الأندلسية القديمة، حركية غير عادية في جلّ شوارعها وكنائسها ومسارحها في الفترة الممتدة بين الـ23 والـ26 من يونيو الماضي، وذلك احتفاء بالدورة الثانية عشرة من مهرجانها السنوي ماراثون الكلمات، التي أتت هذا العام تحت شعار “أفريقيا نوفا” أو “أفريقيا الجديدة” انتصارا للأدب الأفريقي.
أربعة أيام متصلة غير منفصلة، جمعت فيها العاصمة غير الرسمية للحضارة الأوقسيتانية (نسبة إلى قسطانية) أعلام الأدب والشعر الفرنكفوني والأنغلوفوني على السواء في قراءات عامة للجمهور العريض الذي واكب وبحضور غفير أكثر من 180 قراءة لآخر الإنتاجات الأدبية، في أكثر من عشرين فضاء جُهّزت للغرض.
حضور جماهيري كثيف واكب المهرجان، في الأيام الأربعة المخصصة للقراءات واللقاءات والمحاضرات المباشرة والتفاعلية مع الحضور، جمهور لم تمنعه فعاليات الدورة الخامسة عشرة من كأس أمم أوروبا لكرة القدم 2016 التي تحتضنها فرنسا إلى غاية العاشر من يوليو الجاري، ومن ضمنها تولوز طبعا، من أن يحتفي بالكلمة بنوعيها الأدبي والشعري من خلال الحضور الغفير أولا، والاستماع المُنتبه والمتحفّز ثانيا، والتصفيق الحار بعد نهاية كلّ قراءة ثالثا.
ثلاث أثاف
الشغف بالكلمة، لدى جمهور تولوز، والمدن المجاورة لها، يوازي الشغف العام باللحن والموسيقى السيمفونية، فترى الجميع منصتين، منتبهين، ومتحفزين لكلّ فاصلة ونقطة وما بينهما من تفاصيل السرد أو الشعر، وكأنّك أمام عرض موسيقي للموسيقات العالمية لمدينة أنتجت الفرقة الموسيقية الوطنية للكابيتول المرتبطة بالموسيقار الفرنسي ميشال بلاسون. وعروض “ماراثون الكلمات” ليست كغيرها من القراءات المُتعارف عليها في العالم، فهي تتميّز بثلاث أثاف لا محيد عنها.
أولاهما، نجومية الكاتب ومن يقرأ له، حيث جرت العادة أن يقرأ نجم أو نجمة تلفزيون أو مسرح أو سينما، بل وحتى نجوم الغناء أيضا، من المُنتج الجديد فيشجّع الحضور على اقتناء الأثر الفني الذي يجده بعد نهاية كلّ قراءة معروضا له على طاولة، فيبتاع العمل، موقعا من كاتبه، ويلتقط إن أراد صورة تذكارية مع كاتبه أو قارئه على حد سواء.
وكمثال على ذلك، قرأت نجمة فرقة “لا كوميدي فرنسيز”، دومينيك بلان، آخر روايات الكاتبة الفرنسية، داني إرنو، والمعنونة بـ”ابنة الذاكرة”، كما قرأ الممثل والمغني الفرنسي، برونو بوتزولو، كتاب “باريس السوداء” للكاتب الأميركي إيدي. آل هاريس، وقرأت النجمة السينمائية الفرنسية، بلوندين بال أفوار، “الإثني عشر من قبائل هايتي” للباحثة الأميركية أيانا ماتيس وغيرهم عديدون.
وثانيتها، الفضاءات الحاضنة للقراءات التي تمنح المتابع لها سحرا طقوسيا قلّ أن يجتمع في مكان آخر، عدا مدينة الأنهار والجسور تولوز، من ذلك مثلا على سبيل الذكر لا الحصر قصر الكابيتول الذي افتتح عام 1736، وهو مركز للأوبرا والباليه، وقاعة سانيشال ومسرح سورانو وكنيسة شابيل دي كارمليت وغيرها من فضاءات المدينة، بما في ذلك أيضا جميع المكتبات العمومية والخاصة التي تفتح أبوابها على مصراعيها لاحتضان صيف تولوز الحار بالكلمات المنتقاة.
وثالثتها، ذاك الطقس التفاعلي العجيب بين الباث والمتقبل للمهرجان عموما والمنتج الأدبي الجديد بشكل خاص، والذي يتم تسويقه بكل شوارع المدينة، عبر اللافتات الإعلانية التي تجدها على جسر “بونت نوف” التاريخي، أو على واجهة كنيسة جاكوبينس.
ولا يقتصر هذا التسويق على المعالم الأثرية والتاريخية للمدينة فحسب، بل يتعداه إلى اللقاءات الإذاعية المباشرة في حضور فعليّ للجمهور بالفضاء الحاضن للقراءات، كما تقدم عليه إذاعة “فرنسا الثقافية” في كل عام، فيكون الحضور بصمته وتفاعله وتصفيقه نجم الحصة.
واحتفت الدورة الثانية عشرة من ماراثون الكلمات بتولوز كعادتها هذا العام بأسماء عربية سامقة في مجال الرواية والشعر، ولو أنها اقتصرت في هذه الدورة على الأدباء والشعراء العرب الناطقين باللغة الفرنسية، على أمل انفتاح المهرجان السنة القادمة على لغة الضاد، كما أفادنا مدير المهرجان ومبتكره أوليفيي بوافر دارفور.
أعلام عربية
كان الحضور لافتا للصحافية والكاتبة التونسية باللغة الفرنسية فوزية الزواري التي قرأت من كتابها الجديد “جسد والدتي”، وقرأ الروائي الجزائري بوعلام صنصال من كتابه الجديد “2084”، كما احتفت دورة هذا العام بالروائي المصري الراحل جمال الغيطاني، والذي كان له حضور مميز في الدورة الثانية من مهرجان الكلمات التونسي سنة 2013، وهو النسخة التونسية لماراثون الكلمات الفرنسي والذي أطفأ في أبريل الماضي شمعته الخامسة.
وكان نجم ماراثون الكلمات لهذا العام الشاعر والروائي الفرنسي-المغربي الطاهر بن جلون الذي قرأ آخر إنتاجاته الأدبية “السعادة الزوجية” الصادر عن دار “غاليمار” الفرنسية، والذي تدور أحداثه في مدينة الدار البيضاء في العام 2000، حيث يجد رسّام في قمة مجده وشهرته نفسه مقعدا على كرسي نقّال بسبب جلطة دماغية مفاجئة، وفي محاولة منه للخروج من حالة الاكتئاب التي باغتته، يقرّر خط كتاب يروي فيه جحيم حياته الزوجية التي يعتبرها السبب المباشر في مرضه.
وبعد إنجاز مهمته السرية، تكتشف زوجته المخطوط المخبّأ بين أدراجه الخاصة، فتقرر بدورها كتابة روايتها الشخصية المتحدثة عن حياتهما معا، مفندة فيها كلّ الاتهامات التي وجّهها زوجها إليها في كتابه، معتبرة إياه سبب بليتهما بنرجسيته وغطرسته.
______
*العرب

شاهد أيضاً

الروائى السورى هيثم حسين : خبرة الكاتب لا يمكن أن تظلّ حكراً عليه

حوار‭:‬منصورة‭ ‬عز‭ ‬الدين ‭ ‬فى‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬عاشت‭ ‬الكاتبة‭ ‬البريطانية‭ ‬أجاثا‭ ‬كريستى‭ ‬فى‭ ‬منطقة‭ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *