متحف البراءة أم الحب الأسطوري؟

(ثقافات)

متحف البراءة أم الحب الأسطوري؟

زليخة أبوريشة

كيف يكون العشق؟ هل أغلق مجنون ليلى، وقيس لبنى، وديك الجن وورد، وروميو جولييت، وشاه جيهان وممتاز محل، وفلورينتينو أريثا عاشق فيرمينا داثا وفرحات وحب عمره شيرين، وكرم عاشق أصلي، الباب خلف كل عشق ممكن بعدهم؟

ولكن أورهان باموق يقول غير ذلك. فالجحيم الذي عاينه العشاق القدامى، ومن مختلف الثقافات سيتجدد في رواية (متحف البراءة)(Masumiyet) (Muzisi بين كمال بصمجي (والكنية تعني بالعربية طباع) وبين فوسون ( وتعني حلم، رؤية) كِسكين Fusun Kesken (والكنية تعني حاد قاطع كما في العربية)، ولكن بنكهة تركية اسطنبولية. هذا الحب الذي لا يكلّ ولا يمل ولا يشغله شيء عن الانشغال الكلي بالمحبوبة. وخلال 614 صفحة بالترجمة العربية (هي في التركية 500)، سيدوّخنا الروائي وهو يأخذنا من تلابيبنا من بيت أبوي كمال في حي (نيشان طاشِه) (Nişantaşı) الراقي، إلى شركته (صاطصاط) (Satsat) في حي (الحربية) ، إلى جرسونيرته في (بناء مرحمة) ، إلى بوتيك شانزليزيه لصاحبته القريبة البعيدة، والتي تعمل عندها كبائعةٍ قريبتُه البعيدة أيضاً فوسون كِسْكين، إلى بيتها في (تشوقور جوما) (جورة جمعة) إلى مطاعم البوسفور الفاخرة وبارات الأغنياء ودور السينما الصيفية وبعض الدوائر الحكومية، إلى سائر بقاع اسطنبول وشوارعها ومسابحها ومساجدها وشاليهاتها وقصورها الصيفية. فالفتى العاشق ابن الطباع لم يترك ثقباً في مدينته يعتب عليه، لم يأخذ معشوقته إليه طمعاً في تطويل لقائه بها، والاستمتاع بحضورها إلى جانبه في عربته الشيفرليه موديل 1956، حيث تجري أحداث القصة في إطار أحوال تركيا من عام 1975 إلى الثمانينات من القرن الماضي. تركيا السياسة وتركيا المجتمع والاقتصاد والصراعات والانقلابات.

يمكننا القول إن باموق (الذي استحق النبذ من طبقته وحكوماته بسبب موقفه مع المسألة الكردية والمسألة الأرمنية) قدم لنا اسطنبول بتشريحها المكاني طبقياً حيث يلتقي ويمرح ويلهو ويأكل ويشرب كمال (الذي استحق النبذ من طبقته لحبه المعتّر لسندريللا اسطنبول) وطبقتُه، وبأسماء الأماكن وبأسماء الأشخاص في حرص يكاد يكون إلزامياً هوسياً كما لدى الروائي الإسباني زافون، وخصوصاً في سلسلته (مقبرة الكتب المنسية).

ولكنه بطريقة عبقرية جعل تقديم المدينة وأحيائها وناسها واستعمالاتها الروائية تصب جميعها في تأليف متحف من أشياء الحياة اليومية التي مر بها نظرُ المعشوقةِ أو لمسُها، أو كانت في محيط الأهل والأصدقاء. وقد استطاع تحويل المدينة وعشقه فيها إلى ذاكرة خلدت الأشخاص وأزمنتهم.

غير كل هذا ليس سوى إطار للمهم الأهم وهو الغليان العاطفي الذي عرفه قلب كمال وعاناه عدداً من السنين تسعاً، وهو يتجرَّع مرَّ الصّدِّ والفراق، دون أن ييأس أو يملّ، مكتفياً من عشقه فوسون لسنوات أن يراها دون أن يلمسها، أو أن يختلس أعقاب سجائرها التي بلغ عددها 4213 عقب سيجارة، أو كاس كريستال رشفت منه نبيذها وعليه بقية من روج شفتيها، أو مملحةً داعبتها بأصابعها، أو مشبكاً كان تغلغل في عبير شعرها، أو قرطاً كانت سقطت فردته على فِراش الحب، أو قارورة عطرها بثمالتها، أو مبشرة السفرجل الذي ستطهوه العمة نسيبة معقوداً في اليوم التالي، أو كشتباناً ومجموعة أزرار من غرفة خياطة الأم، أو أوراق كوتشينة مهترئة تعرق كفا فوسون عليها، أو بطاقات دخول السينما المتكررة… وغير ذلك من تفاصيل موجعة.

فهذا العشق المسعور الذي لا نجده إلا لدى مجانين الحب ممن خلّدت الآداب والشعوب قصصهم، وعجز كثير من قرائهم عن اللحاق بهم.

هذا الكمال هو أورهان باموق كما قال، من البيئة ذاتها، والطبقة نفسها، ومصير النبذ ذاته، وقد تكون فعلاً قصته. ولكن هذا الكمال هو كل عاشق وعاشقة بقضهما وقضيضهما الروحي، بجماح عاطفتيهما وشراستها. بزئيرها في غرف الليل والفقد، وبأظفار ذئابها في عنقيهما عند الشوق.

ويا لها من رواية أضيفت إلى مدونة العشق المستحيل. فالعواء الصامت لقلب كمال وهو يبحث عن فوسون المختفية، لا يدانيه إلا ذاك الذي خبره ديك الجن الحمصي بعد أن ذبح وَردَه، أو ذاك الذي عاناه فلورينتينو أريثا وفعله لكن دون أن يخون كمال طيفها بمعية بغيّ في بيت بغاء، أو كذلك الذي صدر عن شاعرة مثلي في حلوك ليل بهيم ذات دهر وهي واقفة كعابدة أمام سرّ بيت لا يظهر المحبوب في شباكه المضاء.

إن الفكرة المدهشة التي نفَّذها باموق لا تتأتّى غالباً عن زيارات كمال لمتاحف يتجاوز عددها 5 آلاف متحف ونيف كما تذكر الرواية، بل، وغالباً أقول، من خبرةٍ شخصية في الاحتفاظ بالأثر، ذاك الذي يهتم به السَّحَرة لاستحضار المحبوب وللربط على قلبه فلا يتغير. فزيارات كمال المتكررة لشقته في بناء مرحمة، كانت أساساً لا لتأمل مقتنياته الجديدة فيها، وضمها إلى مجموعته فحسب، بل لاستحضار لحظاته السحرية مع المحبوبة أيضاً. وما متحف باجاتي فالسيشي (Bagatti Valsecchi) في ميلانو إيطاليا، الذي خصه باموق بالذكر، إلا، في رأيي، تكؤة لتبرير متحف الأشياء الذي نراه في متحف براءة.

وبذا فإن باموق قد ضمن لروايته الخلودَ، لا كمعنى مجرد فحسب (قصة حب أسطوري) بل كمبنى محسوس أيضاً نعاين فيه الزمن والأشياء؛ أشياء الشخص والمرحلة.

2026.2.24

شاهد أيضاً

رواية يحيى القيسي “باب الحيرة”: الاغتراب وشقاء البحث عن هوية

(ثقافات) رواية يحيى القيسي “باب الحيرة”: الاغتراب وشقاء البحث عن هوية  د. فيصل درّاج ثلاثة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *