الرئيسية / نصوص / رأسُ السنة 3… ظل بيلسان

رأسُ السنة 3… ظل بيلسان


*وحيد ابوالجول


خاص ( ثقافات )
كان الوقت الذي يلي الظهيرة ببضع ساعات مجرد محاولة يجلسُ معها في الحديقة العامة التي تتوسط المدينة بعيداً عن مناخ غرفته الرطب أيام الصيف الخانقة , يجوب فيها ذكريات الماضي وطفولته التي تركض أمام عينيه في أزقة المدينة وهو يرمي كرة صغيرة مصنوعة من القماش بين قدميه ثم يدفع بها لخط صنعه بطبشور أبيض , كانت مسافة يعتقد عقله الصغير أن ما بعدها سيكبر سريعاً وتطول قامته , لم تتجاوز الكرة الخط لأيام , حاول كثيراً , يفشل في كل مرة لوعورة الأمتار التي ظنها محشوة بالجنود والأسلحة والجثث والبيانات العسكرية والأبواق التي تقذف الخسائر في الهواء الطلق تحت نجمة خضراء صغيرة , ضحك من رأسه وما يجوب في داخله , كان مجرد ولد تحتضنه نساء الزقاق وتمنح يديه الناعمتين الهدايا والقبلات , كان بحجم قلوبهن الكبيرة وهن يرفعنه للسماء ويراقصن شعره الاشقر , كنَّ سعيدات به , ابتسم وهو يفرغ ذاكرته تحت شجيرة بيلسان مع نظرات حميمة من فتاة تجلس أمامه , تبتسم له , تبعثر حركاتها , تأخذ نفساً عميقاً وتزفر حرارة تلهب بها شفتيها المنتفختين , نظر إلى الجانب الآخر الذي بدأ الضوء يخفت فيه ثم عينيها .
ــ هل أعرفك .
قالت وهي تبتسم له رافعة كتفيها قليلاً إلى الأعلى لتبدو أكبر سنا مما هي عليه .
ــ لا .
لوح لها بيده , كررت ابتسامتها له ثم تركت مكانها دون أن يعرف سبب نظراتها وابتسامتها الودودة , ضحك بعد صمت دقائق من غرابة ما يحدث في قلبه والسؤال الذي شغل عقله ( هل أعرفها ) نظر يومه في هدوء والبارحة القريبة من غادة ( لم تصادفني في أي طريق ) قال لنفسه وهو يشعل سيجار كوبي فاخر قد قايضه صباحاً مع بائع خردوات مقابل ساعة يد معطلة , نفث انفاسه مع الدخان الذي بدا له ملوناً وكأنه جسد فتاة عاري , حملته النشوة أن يغمض عينيه , يمر بيده على زمن بلوري , الزمن الذي يسبق نشوء روحه بملايين السنيين وملامح وجهه , وقف على جانب من ذاك البياض الذي كثيراً ما تنفسه بعمق ويده ممدودة إلى الأمام تحاول التوغل في ما بعده , تراجع إلى الوراء حيث الوقت الذي يلي المغيب ببضع دقائق , تفحصه كان دبقاً , ابتسم وهو يخرج برأسه من الضحك المتكرر الذي أحاط بالأمتار الوعرة والمحشوة بالجنود وصفارات الإنذار والأسلحة والجثث التي تتساقط تحت ظل نجمة خضراء صغيرة , تصفح جريدة اليوم , توقف عند خبر ذو لكنة غريبة عن فساد الأطعمة وموت طفلين بسبب التسمم , شعر بالغثيان , حمل قدميه خارج الحديقة العامة وكأنه بالوناً تدفع به الريح لتخفيه في عتمة قريبة من غرفة نومه وانتظاره الذي يتركه دائماً لصقَ مرآة صغيرة غائباً عن الوعي حتى الصباح الباكر الذي يمر فيه على الطرقات وعمال البناء المنهمكين بالتذرع إلى الله أن يهبهم عطايا اليوم بعد ساعات من الخيبة التي تلازم جلوسهم في المقهى وأعينهم تراقب الشارع والظل الذي لا يقف عند الساعة التاسعة صباحاً .. نظر وجهه ككل يوم بعد شرب الشاي الصباحي , فقط هي التجاعيد وهالة داكنة تحيط بعينيه وزرقة خفيفة رافقته منذ أول حرب مر بها من غير خرائط فقط هو قلبه كان ينبض وفرصة وحيدة في النجاة , تمايل , أخذ قطعة سكر صغيرة , وضعها على لسانه وهو يدندن ما يحفظه من موسيقى لـ ” باخ ” , تمايل وكأنه غصن شجرة , كبرت الفتاة في عقله حتى بلغت قامته , حملها لعذرٍ أن الطرقات مخيفة والطائرات الحربية تحوم في عتمة الليل , وأن المسافة بينها والزمن البلوري حقبة من السنيين , برداً يمتد على طول الظلال والأقبية التي تستنفر جهدها كلما صاح رجل كهل على قلبه ( الوداع ) 
هي المساحة التي يجوبها في عقله , يخلق لها نهراً حين تجف شفتيه ويلمس قلبه كلما انتابه شعور اً أن الوقت الذي يهمله على مائدة الطعام هو تلك الأجساد التي تمر بيومه مثقلة بعينيه وما يركله من فراغ بقدمه التي مازالت تحاول أن تتجاوز الحرب الأولى وما يتساقط من أسفل سماءها من جنود مضرجة باليأس وأمنيات نساء مغلفة بالورود .
تخطى السلم الذي يصله لسطح المبنى , وقف باتجاه معاكس لمغيب الشمس ينتظر الصباح المؤجل منذ أيام وصوت غادة يشق طريقاً في قلبه , سمع همساً , نظر حوله , لا أحد , نظر إلى السماء كانت نجمة تحاول المرور من فوق رأسه لتسبق العتمة إلى جانب آخر من الأرض حيث الصيادون هناك قد أضاعوا طريق العودة , ابتسم وهو يلوح لجناحيها قبل أن تختفي في البياض وهو يتذكر وجه الفتاة التي لم يعرفها وابتسامتها التي شاركته وقوفه .. كان بين يديه وخطواتها شهقة لم يستطيع أن يتداركها ولا هي حين ساورها الشك , كان حلم يكبرها بخمس وثلاثين سنة حين تخطته بهدوء وعيناها تمضي للسؤال ( لِمَ لا ) وهي تنظر إلى شجيرة البيلسان التي يجلس بجوارها والضوء الذي يمر بوجهه الشاحب ويقظته المتأخرة .. لم تكن سوى محاولة أفرغها وهو ينفث دخان سيجاره الكوبي الفاخر وهو ينظر الصوت الذي اقترب من ذكرى قديمة ( انهم أموات ) لم تكون الصورة واضحة , كانت مغطاة بغبار كثيف حين حاول حمل جسد جندي ميت .
ــ اتركه لا فائدة من حمله .
ــ له أولاد .
ــ هو ميت . 
مازال الجسد عالقاً في ذاكرته منذ كان جنديا , ذاك الميت الذي يعرفه , شاركه الضحك كثيراً وطعامه , مازال صوت سامي يسكن رأسه والرصاصة التي اخترقت رئة علي حين كان يحاول التنفس خارج حفرة ضيقة أوت روحه لأيام وأحلامه قبل أن يجف ريقه ويكون طعاماً للديدان ( هو ميت ) تكرر الصوت , حمله لمسافة ثلاثين سنة .
ــ هذا المكان لا يسع أنفاسنا .
ــ حفرة أكثر أماناً من الخارج , ننتظر فقط .
ــ ننتظر ماذا .
ــ لا أدري ننتظر فقط . 
ضحكَ علي وهو ينظر عينيّ صديقه الغارقة في الظَّن تحت العصف الذي تقذفه الطائرات .
ــ نعم .. ننتظر .
هو انتظاره الذي مازال يحمل الغياب وملامح الوجه التي لم تفارق يده , حيث هو دائم السخرية من واقع لا يمت له بأي صلة وفرصة يجدها ذهبية كلما انتهى الليل عند الطريق الذي تقطعه غادة بنفس مضطربة مبتعدة عن الأعين التي تحاول أن تلتصق بقامتها الرشيقة وأذيال ثوبها وخطواتها التي تتسارع عند عبورها الشارع .

شاهد أيضاً

الرائي – شعر

(ثقافات) * عبير مكّي منسابا مثل خرير الناي ومرتابا كحمائم عطشى مندفعا كالسيل الجارف متئدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *