الرئيسية / نصوص / حبل غسيل

حبل غسيل


* محمد السَّاهل


خاص ( ثقافات )
صعدتُ الدرج الإسمنتي متثاقل الخطى مثل عجوز من زمن الكوليرا، كان سطح العمارة على غير عادته فارغا إلا من بعض الملابس الداخلية التي تنام بخفة الأميرات على ظهر حبل الغسيل، أخرجت جراحاتي، صففتها بعناية خادمة سِتّ تركية على حبل الغسيل، وكان الدم يتقطر من كل قطعة – جرح مثل مطر صيفي خفيف، اقتعدت كرسيا مهترئا لم يترنح بحكم أنني من مصارعي وزن الفراشة، أشعلت سيجارة من بقايا أخرى، أنفث الدخان فيتلوى مثل أفعى ثم يتلاشى في المدى، تمنيت لو أن أحزاني تحاكي الدخان بأن تتكور في سمائي ثم تذوب كقطعة ثلج تذوب. ومن ثقوب الذاكرة جاء صوت الشاعر مجلجلا: جرحات السنان لها التئام ولا يلتئم ما جرح اللسان. تأملت جراحاتي التي تتدلى من حبل الغسيل مثل أحشاء كبش سمين تتدلى من مشجب في مجزرة. في السماء سرب من طير مختلف ألوانه يقذف على غسيلي – جراحاتي برازا لا ينقطع مثل طلقات قناص محترف في مراعي جبلية وكأن بهذا السرب تملكه إسهال مفاجئ فقدرت الصدفة أن يكون هذا السطح مرحاضا وغسيلي – جراحاتي كرسي مرحاض يحتفن ما تقذفه من فضلات طازجة، لم تستفزني الطيور بما اقترفته فروجها ﻷنني متيقن أن بعد العسر جبال عسر وأن بعد الألم مسيرات ألم، تأملت بذوق نقاد اللوحات التشكيلية نقط البراز التي تزركش غسيلي- جراحاتي مثل لوحة زيتية، وأنا أسوح في هذا المشهد بلذة السياح الأوروبيين رأيت فيما يرى النائم أن الطيور تشق بمناقرها الحادة جراحاتي التي تنام بتعب عمال المناجم على حبل الغسيل فتنبجس منها عيون من الدماء، لم يخرجني من هذا الحلم الذي يتوغل في جسدي كمُدية في قطعة لحم طرية إلا رذاذ مطر خفيف سرعان ما صار وابلا من القطرات الصلبة، تصاعدت من غسيلي – جراحاتي رغوة بيضاء كثيفة مثل الرغوة التي تُسَربِل الملابس في حوض الغسيل، تملكتني غبطة بريئة كبهجة الأطفال حين يبصرون قوس قزح، راقني كثيرا أن تعبث الطبيعة بقلاع حزني وأن تعجن رماد قرحي، وبزغت الشمس بعد قيلولتها القصيرة في مروج السماء والمطر ما زال يغازل بقطراته- كلماته الأرض، رسم المطر قبلة خفيفة في وجنتي شمسه – عشيقته اللتين تتضرجان بالحمرة قبل أن يحمل حقائبه ويغيب في الأفق، هذا المشهد البديع يبعث قناطير من أوجاع ترقد مثل جثث عفنة وثقيلة في سرر مصفوفة في ذاكرتي المتعبة، ففي الزمن الرعوي حيث نسربل كسرات الخبز بالسكر وزيت الزيتون أهجس بثقة الحكماء ﻷقراني من أطفال المناجم أن السماء حين تحتضن الشمس والمطر في اﻵن ذاته فإن المطر يضاجع لحظتئذ شمسه – عشيقته في سرير السماء دون أن يبالي بأعين العالمين، ينظرون إلي شرزا ويصيحون صيحة واحدة: مجنون وازْدُجِر.
أَتَمَلَّى غسيلي – جراحاتي مشدوها كفيلسوف إغريقي، مصدوما كشهريار في السيرة، مفجوعا كامرأة ثكلى، إنزلق بصري إلى قطعة – جرح تتدلى من حبل الغسيل مثل مجمر نار في يد ساحرة من بابل، تملكني ضيق تنفسي، كل ما أدركه أني أخنق وكأن بيدين صلبتين تطوقان عنقي بكل ما أعدتا له من قوة، أحس بجسدي يتداعى مثل بنيان مغشوش، اليدان الفولاذيتان اللتان تمسكا بعنقي تنقض على هذا العضو بجسارة جلادي محاكم التفتيش، أتلوى من موضعي مثل رجل مسه صرع مفاجئ، يتناهى إلى أذني المُتَهدلتين كأذني كلب ضَرَّسَه العطش صوت مجلجل: 
– اقرأ
– ما أنا بقارئ
كرر أمره بصوت مجلل ثلاثا وكررت جوابي بصوت متلعثم ثلاثا، اليدان الحديديتان ترتفعان بعد دهر عن عنقي، أحس ببرد شديد يعصف بقلاعي – جسدي كأن بقطرات ماء باردة تتسلل من وراء قميصي إلى جسدي الذي يَتَضَوَّع عرقا فأنتفض من موضعي مرتعشا كطير بلله القطر، هدرت بصوت من تداركته سكرات الموت: 
– دَثِّرُوني… دثروني… دثرون…ن…ن…ي…
يتصادى الصوت في الفضاء مثل صرخة غريق ثم يتلاشى كسراب. أشعلت سيجارة لتدفئ حصوني المجمدة ورشفت من كوب الشاي ﻷرطب تضاريسي اليابسة، انتبهت إلى مذكرتي التي تستلقي بتعب الفلاحين في مواسم جني الزبتون على ظهر مائدة حديدية زَانَها الصدأ، مذكرتي مستودع أوجاعي وأحزاني وأتعابي، مذكرتي – لعنتي التي تحكي بألم أسرى الحرب عن أَثْلاَم خطها فقيه قريتنا ذو الجسم البرميلي والرأس الصَّحْنِي في ظهري بعصا شجر الرمان حين لا تسعفني الذاكرة، فهذا الماضي ما زال يشق قلبي، يدميه، يضرسه مثل حبوب في الرحى، مذكرتي – وجعي التي تحكي بأسى العائدين من الأندلس عن ندوب تحتفن دما ء يابسة، وثقوب كأقراص الدواء ترقع خارطة قلبي الذي يَتَضَرَّج ألما قديما يتسلل من نوافذ الذاكرة ليعبث كريح سموم بخيامي التي تهشمت أوتادها، فقد كنت في طفولتي المتعبة كأوراق الخريف أنتقل من بيت – جحيم إلى آخر حيث يرحب بي مرة وأطرد مرتين، فقد كنت أبيت سخين الدمع مَكْوِيَّ القلب في بيت يكاتف الحمام التقليدي أَزُفُّ على فرنه أعواد الحطب، وتحرق النار أناملي الغضة وتلحف أشعتها وجنتاي القمحيتين ويخضب رمادها وجهي وأسمالي، ينعتني زبناء الحمام في سرهم بمريد زبانية جهنم الوفي، ولم ينتشلني من ماضيي – بركتي الآسنة إلا لسعة السيجارة في سبابتي التي احترقت دون أرتشف منها حين كنت أهْرِق من مستنقع أوجاعي كؤوسا من علقم.
قوة ما تدفعني إلى فتح مذكرتي – أرضي التي تحتفن أوجاع طفولتي وخيبات حبي بعد أن فاض قلبي – سَدِّي الذي لم تتحمل طاقته الاستيعابية ما أمطرته سمائي من حزن وكمد، ولم تكن هذه المذكرة إلا أرشيفا أسودا لتصدعاتي الفائضة، وقد لطختُ بلَوْثَاتي، أوجاعي، تشققاتي بياض صفحاتها. في مذكرتي – مستنقعي أرَّخْتُ لحياتي – لعنتي بضمير الغائب مثل روائي يلملم أوجاع غيره، هكذا أتنكر لجراحاتي مثل أنثى تودع وليدها قمامة خشية العار وطنين العواذل، لن تكون هذه القوة غير رغبة في عصر أوردتي الثملة بخمر الشقاء، أحس أن يداي لا تطاوعني في فتح هذه المذكرة، ترتعشان، تصطكان مثل أسنان الفقراء في فصل الشتاء، أقاوم هذه الرعشة ﻷفتح صندوق أوجاعي، ولم يشرع بابه إلا على ذلك الجرح الذي لم تضمده لا أعشاب المارستان ولا حِجَابَاتُ المشعوذين، ولا تنويمات الأطباء النفسانيين:
“غطَّ في نوم لذيذ وذبيب منعش يمور في عروقه قامسا به في مروج من الحبور، تناهى إلى أذنيه الهُدْلُلِيَّتين صوت نسائي تتضوع منه روائح الصبابة، صوت مهموس يحاكي هسيس البحر حين يغازل صخور البر. لا ما أنت بالحالم هكذا هجس لنفسه وهذا الصوت يتموج صعودا ونزولا في مدارج الهوى، مسح مقلتيه الناعستين وأذنيه المهدلتين بأطراف أنامله المرتعشة، أزاح الملاءة بكل توجس وحيطة عن طرف من وجهه وفتح قليلا عينه اليسرى فتراءى له شعاع هاتف زوجته يرسم بقعة ضوئية في صورة مربع على شاشة سقف غرفة نومهما، شحذ قدراته السمعية كمن يتأهب لتلقي خطاب زعيم سيوفياتي عن الثورة العمالية ليلتقط ما يدور بين زوجته وهذا الغريب في هذا الهزيع الأخير من الليل. تغازله بكل غنج ودلع كشاعرة من بلاد أندلس، وأذنه تشنف بهذا الفيض من ألفاظ منتقاة بحس مرهف وذوق فريد من معجم العشق الأول أحس أن جسده من أخمص القدمين إلى سنابل شعره يرتج كمن صعق بالكهرباء على حين غرة، نار حموم تتمدد في أطرافه سراعا كأن جسده دهن بزيت قابل للاشتعال فلا تستثني هذه النار موضعا من جسده الذابل دون أن تشويه حتى يخيل إليه أن جسمه تضوع منه رائحة تشبه رائحة رأس الأضحية حين يشوى على فحم خشبي. والغزل يتداعى ناعما إلى مسمعه حرص أن يوقف الزلزال الذي يضرب جسده الذي يتكوم فيما يشبه رماد قدر حتى لا تتفطن زوجته إلى أن هذا الذي يقاسمها السرير قد غفا وهي التي تلقي من حين لآخر بعينيها الطافحتين شبقا على ملاءته لتتأكد من أنه يهجع في نوم عميق تبتغيه أن يطول كالذي أصاب أهل الكهف. الغزل يتدفق عبر الأثير إلى هذا الغريب كشلال يانع ليروى فيافي عطشى، لا يلتقط منه إلا نتفا في حين تتلاشى نواته المحمومة في عتمة الغرفة ﻷنها لا تحدث هذا الغريب إلا همسا فيما يشبه عزيفا يؤدى على سلم هابط، ساح يستذكر فضائله وأياديه البيضاء على زليخة وقلبه ينشق من موضعه ودقاته تتصادى عنيفة في أذنه، وجسده تمور أطرافه حتى الهيجان كأنه ثور إسباني رفعت في وجهه يافطة فاقعة الحمرة أو كأنه مريض أصيب بحمى المستنقعات، لم تخرجه من هذه السياحة إلا قبلة رسمت خفافا على جبهته العريضة، تفطن إلى أن هذه القبلة لم تبتغ منها زليخة إلا إزاحة الشك باليقين من أن هذا الزوج يغط في سبات متغور، نده بحشرجة الغجر العائدين من الأندلس: حاصر حصارك بالجنون وبالجنون، ذهب الذين تحبهم ذهبوا. “
أحس بأنني أغرق في وحل من ذبحني قديما ويمزقني حديثا، فرميت بمذكرتي بما تبقى في جعبتي من قوة ، شعرت برأسي يتصدع مثل إناء من طين، وبصدري يضيق مثل مرضى الربو، وبقلبي تتلعثم دقاته مثل طفل يدرب أوتاره على النطق. غمامة سوداء تعتلي سمائي فلا أبصر غير الذين دقوا مسامير محمومة في قلبي ورحلوا كالغزاة الأوروبيين، شعور بالغثيان يعصف بحصوني مثل سكران مفرط في سكره، ورأيت فيما يرى المخمور أنني أتقيأ أحشائي وأروي الأرض بدمائي، مسحت عيناي المتعبتين مثل كروم الخريف بيداي المبللتين بعرق عفن، وحاولت أن أقوم من موضعي فتخونني قدماي المشلولتين، لم أملك غير أن أحبو مثل طفل لعل غيومي تنقشع، وهب نسيم طازج فأزاح عني أشباحي التي تنتصب كحراس الفرن الإلهي على أبوابي. جمعت بخفة لصوص حافلات النقل العمومي أسمالي – جراحاتي التي تستلقي على ظهر حبل الغسيل في سلة، وهرولت في الدرج كما يصنع حراس الملوك، لم يغتصب هدوء شقتي غير أنفاسي المجلجة مثل قرع الطبول في ساحات الوغى، فتحت أبواب خزانة أوجاعي التي تبعثرت بين الرفوف مثل الملابس في سوق الأثواب المستعملة، أفرغت سلتي – أسقامي فوق ركام من أحزان قديمة تتكدس في قلبي – خزانة أوجاعي مثل جبال فضلات في حظيرة، أحكمت إغلاق باب خزانتي – متحف ندوبي ببراعة العجائز في إغلاق قوارير العسل، أريد أن أتنفس كبطل المسافات الطويلة غير أن أنفاسي تقطعت في منتصف الطريق بفعل صوت مجلجل يتصادى في شقتي بنبرة الحجاج بن يوسف:
– نحن لباس لكَ وأنتَ لباس لنا
– سألت متلعثما بعد أن مسحت غرفتي ببصري بحثا عن مصدر هذا الصوت: م…ن؟ من؟
– من كوة في خزانتي جاءني صوت مثل أصوات شرطة استنطاق المجرمين: أحزانكُ… لباسكُ المنفوش
عاودني دوار مجلجل يشق رأسي إلى صنفين، وأحس أن غرفتي تدور مثل عجلة في الهواء، أعض بيداي المتعبتين على قوائم السرير لكي لا أتهاوى أرضا فأتكسر مثل مزهرية تستضيف أزهارا ذابلة، أضع أطراف أصابعي المبللة في آذاني ﻷمنع صفيرا قويا كصفير سيارات الإسعاف من أن يتسلل إلى داخلي لكي لا يضرس ما هشمه هذا الدوار العنيف الذي يعصف بقلاعي، استدرت حول نفسي كجنين في المشيمة وأنزلت رأسي بين ركبتاي الملتهبتين مثل قضيبين رفعا من فرن ملتهب، وباغتتني دموع تتساقط من مقلتاي اللتين زانتهما الحمرة جمرات محمومة، وأشهق بين دمعة وأخرى مثل أمهات الفقراء حين يغيب البحر أبناءهن، أعض على وجنتاي الذابلتين بأظافري كزوجة تَرَمَّلَتْ في عامها الأول، وتندفع من خنادق وجهي دماء عفنة تُزْكِمُ أنفي، تنمزج دمائي بدموعي على صفحة السرير فترسم بقعة كفظلات البقر الوحشي، أسحب رأسي من بين ركبتاي، أفغر فمي حتى الشدقين ﻷصرخ فتخونني حبالي الممزقة، أدفع الصوت من جوفي إلى قمة صدري فيتدحرج كصخرة، أدفعه مرة أخرى بصبر سيزيف فيتهاوى في جوفي مخلفا رجة قوية كزلزال في البحر، تملكني اليأس في أن أصرخ حتى تتمزق أحشائي، حتى أتحول إلى رماد، حتى تنطفئ النجوم في عيوني. تمددت فوق السرير مثل المسيح على الصليب، وفي وعيوني حنين إلى نوم عميق أريده طويلا مثل الذي أصاب أهل الكهف لكي أطرد عن قراي المهمدمة أوجاعي التي تتناسل مثل إناث القطط، وفي غفوتي القصيرة أرى مسامير ملتهبة تخترق يداي ورجلاي، بشر مختلف ألوانه يراقبون بحماس جمهور كرة القدم جسدي الذي يندمي فوق الصليب ، يرشقني هذا بحجارة مسنونة، ويرميني ذاك بشتيمة بذيئة، ويقصف آخر وجهي بلعاب طازج…، ينتظي كبيرهم حساما يُبْرِق في سماء الساحة، يحركه في الهواء بكلتا يديه الفولاذيتين كأنه يجري حركات إحمائية، يتقدم نحوي بوجه عبوس، كَبَّرَ ثلاثا ثم سلط سيفه بقوة محترفي الرماية على عنقي، تطاير رأسي في الهواء ثم تهاوى أرضا، تحوَّم الأطفال حول رأسي الذي زانته الدماء يتسلون بركله ودحرجته في الساحة مثل كرة من قماش. حين استيقظت من حلمي – لعنتي تحسَّسْتُ ثيابي فألفيتها مبللة بعرق عفن، أذكر أنني في ذلك الهزيع الأخير من الليل هدرت بصوت كالموج: 
كان يمكن ألا أكون
لو أن أبي تداركته أنَّاُت ضرس فأجل سياحته في مروج أمي
كان يمكن ألا أكون
لو أن أمي طَمِثَتْ في ذلك المساء لخلل ما في الطبيعة
كان يمكن ألا أكون
لو أن القابلة ضغطت بقوة على بطن أمي فأفلت النجوم في عيوني
كان يمكن ألا أكون 
لو أن الحَجَّام أصاب بمقصه الوتين فأنزفت حتى التعب
تملكني بعد ذلك صفاء لم أذق مثله كل هذه السنين التي وخزتني، أدمتني، أوجعتني حتى الفناء، غير أن صوتا مثل الصيحة الكبرى كدر صفائي وعبث بصحوي وبعث أوجاعا تستلقي متعبة على سرر مصفوفة في ذاكرتي: 
لم تكن إلا تكون
آخر قلاع الحزن 
آخر أعمدة الدخان
آخر زفرة في الأصائل البعيدة
أخرجت شفرة كالموسى من صندوق خشبي يُكَاتِف سريري كنت قد صُنْتُها كلؤلؤة لهذه اللحظة، شهقت وزفرت مثل سباح ثم بَقَرتُ بهذه الشفرة تلك العروق الزرقاء التي تُخَضِّب بطن ساعدي الأيسر، تطايرت الدماء من الخنادق التي حفرتها على ساعدي فخضبت وجهي وأسمالي، نَدَّهْتُ بابتسامة كفرحة الطير بالبيادر النُّضَّار، أحسست بعد ذلك بالغرفة تدور، وبصدري يضيق، وبريقي ينضب. حين استيقظت كان سريري قد تشرَّب دمائي مثل إسفنجة، ترجَّلت إلى دورة المياه كأعرج ثمل أتعكَّزُ جدران شقتي، تأملت وجهي في المرآة فألفيته أصفرا كوجه مرضى الأنيميا، ووجدت محاجري قد تقعَّرت كجُرف هاوِ، عاينت ساعدي فألفيت ذبابتين سمينتين ترعيان في خنادقه اللّْدان، عدت إلى غرفتي أجر أذيال الخيبة، وارتميت فوق الكنبة، وأمسكت رأسي بكلتاي يداي كمن يتحسر على ملك ضيعه صغيرا أندب منتحبا حظي التعيس لأني لم أتوفق في ذبح عروقي بالمهارة اللازمة لأن تنطفئ النجوم في فلكي، وتيقنت أنني لن أموت ما لم أستنفذ كل أشكال الموت الأصغر، وأنني لن أموت إلا بالتقسيط بعد أن فشلت في الموت بالجملة، كما تأكدت أنني لن أموت ما لم أستوف كل دَوَرَات الألم واختبارات الحزن، وأن حياتي منذورة للٌجَاجِ النَّوء، فصِحْتُ بأوجاعي متضرعا:
ـ لنكن أصدقاء في متاهات هذا الوجود الكئيب.
__________
*أستاذ مبرز في اللغة العربية وآدابها وكاتب من المغرب

شاهد أيضاً

فوقَ سُورِ المدينةِ

(ثقافات) فوقَ سُورِ المدينةِ قصَّة قصيرة الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس       الرَّفيق غَيْث كما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *