الرئيسية / فنون / «باب الحارة» .. الإسقاطات التاريخية تثير أسئلة النجاح والفشل

«باب الحارة» .. الإسقاطات التاريخية تثير أسئلة النجاح والفشل


*عاصم الشيدي

يحاول باب الحارة في جزئه الثامن أن يعتمد تقنية الإسقاطات التاريخية على المشهد الحالي الذي تمر به سوريا والمنطقة العربية دون أن يوفق بشكل كبير ولأسباب كثيرة ربما في مقدمتها أن المرحلتين مختلفتان تماما.. كما يحاول المسلسل في جزئه الثامن أن يخرج من طغيان الثرثرة إلى الاقتراب من القضايا التي كانت تحيط بالحارة في المرحلة الزمنية التي يدور فيها المسلسل.
ولأول مرة أمكن تحديد الإطار التاريخي الذي يسير فيه المسلسل. صحيح أن المسلسل يتحدث عن مرحلة الاستعمار الفرنسي والتي دامت حوالي 26 سنة حتى تم الجلاء في عام 1946. وفي هذا الجزء ورد اسم شخصية وطنية سورية مشهورة جدا هي شخصية الدكتور عبدالرحمن الشهبندر ليتمكن المشاهد من تحديد الزمن الذي تدور فيه الأحداث بشكل أقرب إلى الدقة.
والشهبندر الذي تعرض له خطيب الجمعة في مسجد حارة «الضبع» في الحلقة الأولى من المسلسل برز في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي وكان عقل الثورة السورية. عين في حكومة الأتاسي عام 1920 وزيرا للخارجية ولكن تلك الحكومة سرعان ما سقطت بعد دخول الانتداب الفرنسي على سوريا. وانخرط الشهبندر في مقاومة الاحتلال وأنشأ حزبا سياسيا اسماه حزب «الشعب». وفي منتصف ثلاثينات القرن الماضي بدأ الخلاف حول شخصية عبدالرحمن الشهبندر الذي بدأ ينتقد معاهدة 1936، كما بدأ يثير حنق بعض الأصوليين الذين رأوا في دعواته وخطاباته علمانية يرفضونها، ومات على الأرجح عام 1941 على يد ثلاثة من المتشددين الأصوليين. وبذلك يمكن أن يحدد زمن المسلسل بمنتصف بمرحلة الثلاثينات من القرن الماضي.
ولكن هذا الفترة الزمنية تعيدنا إلى إشكالية تاريخية أخرى وردت في الجزء السادس من المسلسل مع شخصية الملازم نمر الذي تقمص شخصية «مأمون» وحاول المسلسل إسقاطها على شخصية الجاسوس الشهير «إيلي كوهين» الذي أعدم عام 1965 وبذلك يقع المسلسل في مشكلة تاريخية صعبة ليس فقط في أن زمن الجزء الثامن متأخر عن زمن الجزء السادس وفق هذا الترتيب الزمني، ولكن أيضا أن مرحلة الجاسوس «إيلي كوهين» كانت متأخرة جدا عن مرحلة الاستعمار الفرنسي وكان إيلي كوهين جاسوسا للكيهان الصهيوني، ولم يكن جاسوسا لفرنسا.. طبعا هذا وفق أغلب الآراء التي اعتبرت شخصية الملازم نمر «مأمون» هي إسقاط على شخصية «إيلي كوهين».
وإذا كان المسلسل قد دخل منذ الجزء الماضي في ما يمكن أن نسميه لا معقولية التطور التاريخي للشخصيات فإنه في هذا الجزء زادت تلك اللامعقولية وبشكل كبير جدا.
فشخصية مثل شخصية «العقيد» معتز تبدو باهتة جدا في هذا الجزء مقارنة بالأجزاء الماضية دون أن يكون تطور الشخصية أفضى إلى ذلك أبدا، سواء في بنية الشخصية أو في علاقاتها بالمحيطين بها.. لاحظ علاقته بزوجته الأولى «خيرية» صحيح أن هذا التحول حدث منذ الجزء الماضي حينما أحب وتزوج «سارة» اليهودية، ولكن أيضا يتضح ذلك من خلال علاقته بالقضايا التي تحصل في الحارة ودوره حيالها. شخصية أخوه عصام أيضا الذي سيذهب بناء على تشجيع والده إلى السينما متحولة ومتغيرة قليلا خلافا لسياقها الماضي، ورغم بقاء نفس الفنان ميلاد يوسف في تأدية الدور إلا أن بناء الشخصية مختلف كثيرا هذا العام.
شخصية «سمعو» خادم الجامع أيضا شخصية ملتبسة.. ومهد لها المخرج من الجزء السابق لتكون شخصية متطرفة ولكن وجود الشيخ عبدالعليم «معتدل جدا وحكيم» كان قادرا على السيطرة على بذور التطرف والأصولية عند «سمعو».. في هذا الجزء يغيب الشيخ عبدالعليم إثر ذهابه للحج وتتضح شخصية «سمعو» أكثر وأكثر.. «وسمعو» وفق سياق الأحداث لم ينل أي مستوى من التعليم سواء النظامي أو الديني ولكنه عمل في خدمة الجامع ليتحول في هذا الجزء إلى أحد شيوخ الحارة الذين يفتون ويقيمون الشخصيات ويدافعون عن الدين. ويبدو هذا الإسقاط وبهذا التراكم مقصودا جدا لتوضيح أن التيارات الدينية المتطرفة لا ترتكز في الأساس على فهم حقيقي للدين أو هي ليس لها رصيد أصلا ولكن تحاول الصعود عبر سلالمه.. ولكن هذا أيضا غير مطلق فالكثير من قادة التطرف في العالم العربي على قدر كبير من التعليم ولكنهم إما عبيد لحركات سياسية أو أنهم ينطلقون من أدوات عقيمة في فهم النصوص الدينية التي بين أيدهم.
يركز هذا الجزء أيضا على قضية تحرير المرأة والحركة النسوية في سوريا.. علما أن من بين القضايا التي طرحها الدكتور عبدالرحمن الشهبندر وحركة الليبرالية العلمانية في تلك المرحلة فكر تحرير المرأة.. وربما هذا الأمر الذي قاده إلى الاغتيال.
وحسب ما نشر عن المسلسل أن نساء الحارة سيخرجن في مظاهرة عامة متواكبة مع قضية لواء اسكندرون.. وهذا الحدث يؤكد أيضا الإطار الزمني للمسلسل الذي يدور في مرحلة الثلاثينات حيث قضية لواء اسكندرون برزت في عام 1938. وتبرز في هذا المجال شخصية المحامية «جولي» التي تمثل دورها الفنانة سولاف فواخرجي والتي ستقوم بتوعية نساء الحارة بحقوقهن، وهو ما سيحدث تحولا كبيرا سواء لدى النساء أم لدى الرجال أمثال أبو عصام. طبعا الأمر الذي من الصعب تقبله: تاريخيا أو حتى منطقيا وفق سير الأحداث هو أن تصبح «الكلمة كلمتها» وتكون أم عصام هي زعيمة الحارة وترتدي الطربوش!!
وإذا كانت بعض الأحداث معقولة ومتناسقة فإن الكثير منها غير معقول.. فهناك شخصيات كثيرة لقيت حتفها ثم عادت إلى الحياة بطرق غير معقولة.. من بينها النمس في جزء سابق، وحتى أبو جودت، وفي هذا الجزء سيعود الواوي مرة أخرى رغم أن أهل الحارة كانوا قد تخلصوا منه تماما.
أيضا ظهر الفنان عبدالهادي الصباغ في المسلسل هذا العام وهو يؤدي دور شخصية جديدة هي شخصية «أبو حازم»، لكن هذا الفنان كان قد ظهر فعلا في الجزء السادس من المسلسل في شخصية الشيخ الأعمى «فهمي» وهذا خطأ يعتبر جسيما في مسيرة المسلسل. وعموما هناك شخصيات كثيرة أماتها المخرج وأعادها للحياة في أجزاء لاحقة من المسلسل دون حتى أن يكون قد وضع لنفسه خط رجعة، وحده العقيد أبو شهاب لم يعد للحياة بعد أن تخلص منه المخرج إثر خلاف تناقلت وسائل الإعلام تفاصيله قبل سنوات.
الإثارة تراجعت في هذا الجزء كثيرا والنقد زاد حول المسلسل في وقت يعتبر الكثيرون أن المسلسل قد انتهى فعلا عند الجزء السادس وأن الجزأين السابع والثامن جاءا إسقاطا دون أي داع فني أبدا.
الحلقات القادمة من المسلسل قد تكشف مفاجآت غير متوقعة سواء في الخط الزمني للقصة أو التطور المنطقي للشخصيات.
_____
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

مسلسل لعبة الحبار: الدراما الكورية… وعوامل الاكتساح

*رامي أبوشهاب يرى الفيلسوف الألماني نيتشه أن دراسة الظواهر الهامشية، أو قليلة الشأن يكاد يحتمل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *