الرئيسية / مقالات / ليتَ المثقفَ حجرٌ

ليتَ المثقفَ حجرٌ


*المصطفى رجوان


خاص ( ثقافات )
نستطيع أن نجزم أن لا حجر في التاريخ تمنى أن يكون إنسانا،ما أعقل الحجرَ !بينما قد يتمنى الإنسان أن يكون حجرا:
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجرٌ
تنبو الحوادث عنه وهو ملمومُ
لا يهم اقتلاع البيت من سياقه التاريخي،لأن البيت بعد خروجه من فم الشاعر لم يعد ملكه ولكن ملك القارئ.أما السياق فهو التحسر على الجاهلية،باكيا الشاعر زوجته التي فرّقه عنها الإسلام،الذي قد ألغى العرف الجاهلي الذي يسمح بزواج الابن الأكبر من زوجة أبيه بعد وفاته.
“ســؤال أول : أهي الوثنية ما دفع شــاعرا من زمن حياة الإنسان المنطلق في البرية إلى طلب التماهي مع الحجر،من خلال اشتهاء التشبه به حد الاندغام:ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر؟.” (هكذا أتشبه بالشجر،نضال الشوفي،دار راية للنشر،حيفا،2012،ص11) هذا رأي له حظ غير يسير من الصواب،وفكرة الوثنية تبدو منسجمة مع حنين الشاعر إلى الجاهلية.
وهذه أمنية إنسانية قديمة جديدة.فهي ليست فقط “مفتاحا لفهم الإنسان العربي،زمن الجاهلية (و) مرصدا نطل منه على جغرافيته الروحية وأبعادها.” (أدونيس،مقدمة للشعر العربي،ص13) بل هي مفتاح لا زال يعمل حتى وقتنا هذا،ولا زال يعلّقه الإنسان في قلبه مثلما يعلق الفلسطيني مفتاح بيته مؤمنا بالعودة،مفتاح يستطيع فتح الغرفة المظلمة للنفس البشرية في دول العالم الثالث،التي يتمنى فيها الإنسان لو كان مجرد حجر لا يحس بالأحداث من حوله.تلك أمنية يتمناها الإنسان كلما أحس بوطأة العيش،وتكالبت عليه المصائب،يتمنى لو كان موجودا على شكل حجر لا يحس،أو ترابا،أو لم يوجد أصلا.مريم عليها السلام تمنت هذه الأمنية حين حملت بعيسى عليه السلام،فقالت:”يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا” (سورة مريم،23)،ويقول الكافر في موقفه العصيب أمام الله: “يا ليتني كنتُ ترابا”(سورة النبأ،40).
إنها أمنية إنسانية قديمة جديدة،تمناها الشاعر الجاهلي في شخص الشاعر تميم بن مقبل،وتبناها الشاعر المعاصر محمود درويش أكثر من مرة،باعتباره ناطقا عن الإنسان المقهور اليوم.يقول درويش:
ليتني حجرٌ
لا أَحنُّ إلي أيِّ شيءٍ
فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي
ولا حاضري يتقدَّمُ أَو يتراجَعُ
لا شيء يحدث لي!
نحن أمام حالة متقدمة في اليأس،ترى الحياة بشعة،حنين هش إلى المجد السليب،وماض زاهر لذيذ يبتعد والغد المخيف يقترب،والحاضر سيف يتوشح تهديده.
إن الوجود يكون في التفكير أكثر منه في الإحساس.وفلسفيا:أنا أفكر إذن أنا وجود.فإلغاء التفكير أو الوعي هو الذي يحقق عدم الوجود.فصار ممكنا أن تتحقق الأمنية عبر إلغاء التفكير،لذلك فإن طيب العيش في هذا العصر يتطلب العيش في السطحية واللامبالاة بالأحداث.فإذا كان الإنسان الجاهلي تمنى عبر لسان حاله تميم بن مقبل أن يكون (متحجر الإحساس)،وتعجب:ما أسعدَ الحجر.فالإنسان المعاصر في العالم الثالث ود لو كان (متحجر العقل) من مبدإ الشاعر ملك اليوم وليلة:
وحلاوة الدنيا لجاهلها
ومرارة الدنيا لمن عقلا
يمثل نصف البيت معادلة هي:ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر=ما أضيق العيش.لكن في الجانب الآخر هناك من اختاروا أن يربوا الأمل،ويمثلهم الطغرائي حين صاغ نقيض بيت تميم بن مقبل على نفس الإيقاع:
أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
يحق لبعضهم أن يقرأ فقط من البيت ربعه:ما أطيبَ العيشَ ! متغاضيا عن بعضه.هؤلاء ينظرون إلى الواقع كما يشاؤون،ويحبون أن يروا فقط محيطهم من زاويتهم الضيقة،ذاك أن بعض الأغنياء في بلداننا المهمشة يستنكرون وجود فقر فيها.ومن حقنا أن نتمنى أن نكون حجارة،ولو أنها أمنية مستحيلة.من يعرف كثيرا يشق كثيرا،وهذه هي أزمة الإنسان المثقف اليوم،فليت المثقف حجر !

شاهد أيضاً

أيُّهما أولى : حياة مجتمع المواطنة أو موت”الوباء” ؟

      (ثقافات)                *  سعيد بوخليط                                                             …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *