الرئيسية / إضاءات / الكائنات ألفاظ.. والألفاظ كائنات

الكائنات ألفاظ.. والألفاظ كائنات


*محمد الأسعد


في أزمنة قديمة، ونعني أزمنة التفكير الخرافي والأساطير، كان بعض الملوك حين يصيبه الغيظ من أعداء بعيدين عن قبضته، يأمر بنقش أسمائهم وعناوين مساكنهم على أقداح من الفخار، ثم يقيم احتفالاً جماهيرياً مهيباً، ويقف على رأسه منذراً ومتوعداً، ويأخذ بتحطيم الأقداح واحداً بعد الآخر، مؤمناً إيماناً مطلقاً أنه بهذا الفعل يحطم أعداءه. 
صورة شيء من الأشياء، أو شخص من الأشخاص، أو مجرد الاسم فيما بعد، لم يكن سوى تجسّد من تجسدات الشيء ذاته أو الشخص بكامل حضوره، وليس لافتة خارجية كما اعتدنا أن نرى أمر هذا أو ذاك في الأزمنة الحديثة. فإذا امّحى اسم شخص ما أو ذكره في التقاليد العربية، أضحى وكأنه لم يكن. أما إذا ظل الاسم والذكرُ قائماً في لوح أو ذاكرة، فمعنى ذلك أن صاحبه قائمٌ وحيّ. كان هذا أسلوب تفكير وما ينجم عنه من سلوك قبل أن يكون مجازاً شعرياً. أي أن الناس كانوا يفكرون ويتصرفون على أساس الإيمان بوجود علاقة عضوية حتمية بين الشيء وصورته، وبين الشيء واسمه. وحين اخترعت الكتابة ازداد هذا الإيمان رسوخاً، فالكتابة ليست مجرد بسط صور أو حروف على لوح طيني أو قدح أو صحيفة، بل استحواذ على صاحب الصورة والاسم. وسيكون محو الصور والأسماء من على النصب التذكارية والجدران التي تنقش عليها الأخبار، محواً لأصحابها على وجه الحقيقة لا المجاز في ذهن الفاعلين.
يروي رسامٌ غربيٌّ هذه الحادثة.: شاهد أحد سكان أمريكا الأصليين رساماً أوروبياً من الذين غزوا أرضه، يرسم في دفتره صور الثيران البرّية، فتنهد أسفاً، وقال: «أنت أخذت كل الثيران، فلم تعد هناك ثيران بريّة يمكن اصطيادها». وفي حادث آخر، لم تكن دهشة بعض هؤلاء السكان حين سمع باكتشاف العلماء لكوكب في أقاصي السماء بمناظيرهم المقربة سببها الاكتشاف ذاته، فالاكتشاف مفهوم ولكن غير المفهوم هو؛ كيف تسنى للعلماء معرفة اسم الكوكب ذاته. صورة الشيء ترتبط به، وكذلك الاسم، والعكس بالعكس. ويُلاحظ هذا في الكيفية التي تحرك فيها كلمات شاعر عواطف الحشود، وخاصة حين يسمّي ويجسد، فيثير ردود أفعال تقترب من ردود الأفعال الغريزية. كل هذا بالطبع سلوك دافعه غارق في أعماق النفس الإنسانية تحت طبقات تسمى اللاوعي أحياناً. ونجد هذا في صناعة التعاويذ أو تكرار التعازيم، كما يحدث في الممارسات الطقسية، حين تنساق الجموع البشرية إلى حالات هستيرية، تتقمص فيها شخصيات غريبة عنها، أو تتصرف تصرفات تبدو شاذة بتأثير غناء أو رقص جماعي أو شعارات. ولعلنا لا نبتعد عن الصواب كثيراً حين نرى في هذا الربط البدائي بين الأشياء والأشخاص والأسماء، بحيث يحضر الشخص أو الشيء إذا ذكر اسمه، أو تنوب صورته عنه كأنه هي، أو كأنه هو صورته، جذر ما يطلق عليه التفكير الوثني، أي تقديس وتبجيل حجر أو شجر أو جبل، والنظر إلى تمثال يمثل معبوداً على أنه المعبود ذاته.
هذا النمط من التفكير، الربط بين الشيء أو الشخص وبين اسمه، وبينه وبين صورته، وما يقتضيه من سلوك، لا زال يعيش ويحيا في لاشعور البشرية حتى أيامنا الراهنة، وإن عجز بعض الناس عن فهم جذوره. 
ولنأخذ أبسط الممارسات مثالاً؛ فالكثير من الذين يعيشون بيننا لا يعتبرون تسمية المولود مجرد وضع علامة تدل عليه، بل هي هو في وقت واحد. والمؤمنون بهذا يقولون إن هناك أسماءً تلائم بعض المواليد، لأنها أسماؤهم الحقيقية، وهناك أسماء لا تلائمهم، لأنها ليست أسماءهم الحقيقية. وفي حالات كثيرة مشهودة تضطر عائلة إلى تغيير اسم المولود إذا كثر بكاؤه أو ألمه، وحجتها في هذا أن البكاء أو الألم، دليل على عدم التوافق بين الاسم والمولود فوجب البحث عن اسمه الحق الذي لا يلائمه إلا هو. ونجد هذا المعتقد شائعاً بوضوح في عادة عدم تسمية المولود، بقصد حمايته من الأرواح الشريرة، وكأن العائلة بهذه الممارسة تخفي مولودها، أو تجعل وجوده خفياً بعدم تسميته؛ لأن التسمية وفق هذا المعتقد تدل على المولود، فتعرف الأرواح الشريرة أو الشيطانية مكانه. وهكذا يطلق على المولود هذا الاسم «بلا اسم» ليظل مجهول الهوية ومحمياً. ويُنطق هذا الاسم في الشائع الشعبي من القول بصيغة «بلاسم». والطريف أن من العادات الشائعة تجنب ذكر أسماء الأشياء الشريرة والضارة، سواء كانت مرضاً أم شيطاناً، وحين يضطر أحدهم إلى ذكر شيء من هذا يطلق عليه لفظة «ذاك الذي لا يسمى»، أو «اللي ميتسماش» بالعامية. 
حتى الآن ليس من خطر في هذا الميراث «السحري»، و «الأسطوري»، ولكن خطورته تتجلى في الخطابات بشكل عام، والخطاب السياسي بشكل خاص، حين نجد الزعيم السياسي يمحو في خطابه المشكلات والمعضلات بجملة واحدة أو جملتين، أو يمحو الأعداء بالأسلوب نفسه. ويذكرنا هذا الزعيم بالملك صاحب الأقداح الفخارية، وبممارس السحر الذي يسجل أسماء وصفات الأعداء على دمية ثم يغرس فيها دبوساً أو سكيناً أو يلقي بها في النار. واجتماعياً، تذكرنا هذه الممارسات بمشهد المتظاهرين الذين يحرقون الدمى أو الأعلام في الأزمنة الراهنة، ثم عودتهم إلى بيوتهم مبتهجين. وكل هذا يعيدنا شئنا أم أبينا إلى العصر الحجري وطقوسه ومعتقداته، في عالم لم يعد ذلك العالم فيه إلا ذكرى. 
من بقايا ذلك العصر على صعيد الآداب، دهشة بعض الناس وذهولهم حين يبدو وكأن سحر مسهم تحت تأثير «بلاغة» قول أو خطاب ما، رغم تفاهة مادة القول والخطاب، وضحالة تفكير صاحبها. ويعلل هذا البعض الأمر بتأثير سحر الكلام أو بلاغته، بغض النظر عن مضمونه، من دون أن يدري أنه يختزن في أعماقه شخصية ذلك البدائي الذي ترتبط في ذهنه الأسماء بالأشياء ارتباطاً حميماً، إلى درجة أن ذكر «الاسم» بالنسبة له يعني حضوره، سواء كان اسماً مزعجاً أم ساراً.
آلية هذا التفكير الخرافي الموروث واحدة، وقد أعطِيت في الأزمنة الحديثة تسمية «التفكير الرغبوي»، وتعني تفكير من يفكر بشيء يرغب في حدوثه، ويتصرف وكأنه حدث فعلاً، كما رأينا في مناسبات عديدة، وخاصة في الأوساط السياسية، حين كان يكفي بيانٌ صاعق حول المجتمع الجديد القادم يعني أنه قدم فعلا، وعلى الناس أن يتصرفوا ويفكروا على هذا الأساس، وأي انتقاد لمثل هذا «الواقع الماثل توهماً» يعرض صاحبه لشتى التهم، وقد يلتهمه عداء الجماهير.
في الفلسفة يكتسب هذا الموروث تسمية الأقوال الخطابية في مقابل الأقوال البرهانية، فتؤدي الخطابية وظيفتها في الإقناع بكل الطرق، المغالطة والصوت العالي والتهديد والتخويف والتهويل، باستثناء طرق العقل في جلاء مناهج التجريب والتمحيص والاستدلال والاستنتاج، وربط المقدمات بالنتائج. 
التفكير السحري أو الرغبوي أو الخطابي ينتمي إلى عالم آخر غير عالم قوانين الطبيعة والمجتمعات بظواهرها المادية والنفسية؛ إنه ينتمي إلى عالم يبطل فيه أن يكون الواقع واقعاً، واقع تلغيه وتحل محله الصورة فالكلمة، والرمز المجرد في نهاية المطاف، وربما الإيماءة، عالم تختفي فيه العلاقة بين دالّ ومدلول ودلالة، ويلتهم الدالّ كل شيء، ويتلبس وظيفة المدلول الذي يشير إلى وجود الواقع، ومع اضمحلال كل ما هو خارج الدالّ والدلالات، تتحول الكائنات إلى ألفاظ، والألفاظ إلى كائنات، تماماً كما كان الحال في عالم يسوده التعويذ والتعزيم بدل ممارسة الفعل والتغيير، فبوساطة هذين «الفعلين» يحدث التغيير والتطوير بمجرد التلفظ.
_______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

محمد علي شمس الدين : حين يحدث حدثٌ جللٌ أهرع إلى قصائدي لأرى هل كنتُ رأيت…!

حاوره: عبداللطيف الوراري هو إحدى الشخصيّات القلقة في شعرنا المعاصر، لكنّنا لا نعدم في رؤيته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *