الرئيسية / إضاءات / هل أفسدت جوائز الرواية الثقافة العربية؟

هل أفسدت جوائز الرواية الثقافة العربية؟


*داليا عاصم


هل أضرت جوائز الرواية بالثقافة العربية؟ هل تسببت في قلة الاهتمام بالأنواع الإبداعية الأخرى، كالشعر والقصة القصيرة؟ وهل الكم الكبير من الروايات الصادرة في السنوات الأخيرة يعبر فعلا عن حاجة إبداعية، أم أن الجوائز المغرية المخصصة للرواية لها دور في ذلك؟ ولماذا لا تلقى جوائز الشعر والقصة القصيرة الاهتمام ذاته كما هو الحال في الغرب؟
استطلعت «الشرق الأوسط» آراء عدد من المثقفين حول الوطن العربي، فكانت الآراء في مجملها ترى أن الرواية فن فرض نفسه، بغض النظر عن الجوائز، وأننا نعيش عصر الرواية.
يقول الكاتب والناقد السوري المقيم في فرنسا بدر الدين عرودكي، لـ«الشرق الأوسط»: «لا أظن أن الجوائز، قد أضرت الثقافة العربية. لقد وجدت جوائز الرواية أساسا في الغرب، وكان هدفها التشجيع على قراءة الرواية الفائزة أولا، والروايات الأخرى المتنافسة تاليا. وكان الإعلان عن الفائز وعن الروايات المتنافسة، وما يرافق ذلك من ضجة إعلامية يستجيب لتطلعات الناشرين إلى تسويق منشوراتهم بكميات يتيح مردود بيعها ازدهارَ مهنتهم. لكنه كان في الوقت نفسه يستجيب لتطلعات الروائي على صعيدين: كثرة القراء الذين سيقبلون على شراء الرواية ومردود المبيعات الذي سينال حصته منه. ولذلك؛ وباستثناء الجوائز العالمية كجائزة نوبل، كانت القيمة المالية لمعظم الجوائز الأخرى في الغرب أتفه من أن تذكر. لكن بيع 300 ألف نسخة من الرواية الفائزة، مثلا، يمكن أن يعود على مؤلفها بمبالغ طائلة، فضلا عن التكريس الذي سيحصد ثماره مع مؤلفاته التالية».
ويضيف مترجم «ثلاثية حول الرواية» لميلان كونديرا: «لا أرى من حيث المبدأ على كل حال أي ضرر للجوائز في مجالَي النشر والكتابة. يبقى السؤال (إلى أي حدٍّ أدى منح الجوائز في عالمنا العربي، وهي جوائز لا تقتصر على الرواية، إلى رواج الكتاب؟). من المؤسف أن دور النشر العربية بخلاف مثيلاتها في أوروبا لا تقدم، حسب علمي، بيانات إحصائية عن مبيعاتها من هذا الكتاب أو ذاك، أو عن عدد النسخ المطبوعة لدى كل طبعة بصورة دقيقة. لكن عدد طبعات بعض الكتب وحماس الناشرين لحصول منشوراتهم على الجوائز يحمل على الظن بأن الجوائز أو بعضها، ولا سيما جوائز الرواية، بدأت تعطي ثمارها».
ويضيف: «نادرا ما كانت مكانة القصة القصيرة أو مكانة الشعر في المقام الأول من اهتمام القراء باستثناء مبدعات الكبار في المجالين، الذين كانت مواهبهم الاستثنائية لا تحتاج إلى جوائز من أجل ترويج دواوينهم أو مجموعات قصصهم القصيرة. ما أودّ قوله هو ألا شيء يمكن أن يقف في وجه الموهبة أو في وجه الإبداع الحقيقي، كما لا يمكن لإغراء أي جائزة أن يصرف المبدعين الحقيقيين في هذا المجال أو ذاك عن مجال إبداعهم.
هذا الكم من الروايات الصادرة في السنوات الأخيرة ظاهرة صحية أيًّا كانت ضروب التفاوت في الأهمية أو في المستوى الإبداعي. وهو لا يستجيب إلى إغراء الجوائز المخصصة للرواية بقدر ما يستجيب إلى متطلبات حالة ثقافية عامة وراهنة هي نفسها حصيلة تطور تاريخي واجتماعي وثقافي طويل بدءا من نهاية القرن التاسع عشر وحتى أيامنا هذه. ربما كان الشعر هو الأقل حظا في مجال الجوائز. أما القصة القصيرة، فقد كرست لها جوائز عدة في بلدان المشرق العربي وكان آخرها جائزة الملتقى للقصة القصيرة التي أطلقتها الجامعة الأميركية، والملتقى الثقافي في الكويت في نهاية العام الماضي. وباستثناء الكبار في المجالين، يبدو أن الرياح في الغرب كما في العالم العربي لا تجري كما يشتهي الشعر أو القصة القصيرة!».
ويتفق معه الناقد الأدبي د. حسين حمودة، حول أن وجود عدد كبير من جوائز الرواية هو نتيجة الحضور الكبير للفن الروائي في هذه الفترة التاريخية. وعلى ذلك؛ فليس السبب في كثرة جوائز الرواية مرتبطا بوضع آخر غير الانتشار الروائي، وكثرة الجوائز ليست السبب في تزايد أعداد الروايات المكتوبة، بل العكس هو الصحيح».
ويلفت إلى «تزايد عدد الجوائز المخصصة للرواية ظاهرة صحية في كل المستويات، ونتمنى أن تكون هناك جوائز للأنواع الأدبية الأخرى، لكن لا يمكن للجوائز وحدها أن تقود إلى وضع أدبي ليس له جذور في الحياة الثقافية؛ بمعنى أننا لا يمكن أن نجعل فنا أدبيا يزدهر بسبب أن له جوائز تشجع عليه؛ فالنوع الأدبي ينتشر لأسباب أخرى».
ويستطرد موضحا: «انتشر الفن الروائي في العصر الحديث، ليس فقط في حالة اللغة العربية، بل في كل لغات العالم، لأسباب كثيرة، أهمها: هو أن إمكاناته، وأنه لا حدود لقدرته على أن يستوعب كل المتغيرات المعقدة والمركبة والمتعددة في عالمنا هذا، إضافة إلى أن الشكل الروائي قادر على أن يستوعب ويمتص الكثير جدا من الأنواع الأدبية الأخرى، بل يستوعب الوثيقة الاجتماعية والسياسية، كما يستوعب التاريخ والمعلومات العلمية، وغيرها.. فالشكل الروائي متسع ومتعدد وقابل للتجديد والتغير؛ ما جعله أكثر انتشارا من الأنواع الأدبية الأخرى».
ويؤكد «لطالما كانت الجوائز مفيدة للأدب ومنه الفن الروائي، ربما هناك انتشار كبير جدا للكتابة الروائية، لكن هذا الانتشار لا يرتبط بكثرة الجوائز فقط، بل يرتبط بسهولة النشر الآن عن الفترات السابقة، إضافة إلى أن وسائل الاتصال الجديدة كالإنترنت، أتاحت الفرصة لكثيرين من الكتاب المحترفين وغير المحترفين بسهولة ويسر». بينما يرى السيد فضل، الناقد الأدبي وأستاذ الأدب العربي في الجامعة الأميركية بالقاهرة، أن «الجوائز العالمية والمحلية كلها موضع مناقشة وقبول ورفض ودهشة، ولا يمكن اعتمادها مقياسا وحيدا على الجودة والتفرد. والأمر في الجوائز المحلية أكثر اضطرابا؛ فقد فازت روايات جديرة وروايات غير جديرة والأسباب كثيرة، منها الجانب السياسي، ولكِ أن تتخيلي إذا كانت الجائزة قطرية، مثلا، فلن تمنح إلا عبر توجه سياسي قطري لا محالة، وإذا كان التسييس طال (نوبل) فيمكنه أن يلحق بالجوائز العربية التي تعبر في الغالب عن فرز عربي معروف ثقافي وسياسي يظهر بأشكال مختلفة، منها توزيع الجائزة بالدور بمعنى ينبغي أن تمر الجائزة من المصريين مثلا لغيرهم».
ويشير فضل إلى أن «دور النشر صار لديها أدوات فاعلة في توجيه الجوائز؛ إذ تبدأ دار النشر حملتها مبكرا، وصار من المألوف أن تصنع حملة إعلامية قوية ومؤثرة بتكاليف عالية تجعل (من الفسيخ شربات) كما نقول في مصر».
ويقول: «ينبغي أن نعترف بأن تشكيل لجان التحكيم يخضع لاعتبارات تجعل من دور مؤسسة الجائزة أقوى من اللجان ذاتها؛ مما يؤكد الدور الفاعل والمؤثر للناشر. أما سر تقدم الروايات عن كل ما عداها من أشكال الإبداع؛ أن الرواية بطبيعتها لديها قبول للقراءة على نطاق أوسع من الشعر في الوضع الراهن، لذا صارت المنتج الأول لدور النشر». ويوضح: «الواقع أن ما تؤديه دور النشر يتقدم على ما عداه في الظاهرة موضوع السؤال، كذلك ارتباطات أعضاء اللجان بدور النشر محل اعتبار. أحيانا يخيل إلي أن الجوائز مباريات بين دور النشر، تكسب فيها الدار التي تفلح في إدارة حملة قوية وعريضة ومؤثرة». ويشير إلى أن «منح الجوائز داخل المؤسسة الثقافية في مصر ملف خاص جدا لا يخضع بالضرورة لكل ما سبق».
من ناحيته، يقول الروائي الأردني الشاب، فادي زغموت، صاحب رواية «عروس عمان» التي ترجمت إلى الانجليزية: «أجد أن جوائز الرواية ساهمت في إثراء المحتوى العربي، وتشجيع الإنتاج الروائي، وإبراز أعمال أدبية مهمة لم تكن لتلاقي الانتشار المحق لها من دون ذلك الضوء الإعلامي الذي سلطته عليها تلك الجوائز. نعرف جيدا تراجع الثقافة العربية بشكل كبير خلال العقود الماضية، والتراجع الكبير في أعداد القراء؛ لذلك فإن الشق الإعلامي، الذي يبرز الإنتاج الأدبي، ويقدمه بشكل لائق، شأنه شأن الأفلام والموسيقى وغيرها من المنتجات الثقافية، مهم لإعادة الاعتبار للرواية».
أما عن الشعر والقصة القصيرة؛ يضيف صاحب «جنة على الأرض»: «فأعتقد أن الاهتمام بهما سيعود بعد وقت. أرى أن النهوض بالرواية العربية وتحقيق الانتشار المطلوب للرواية، كما ونوعا، وازدياد عدد القراء والاهتمام الشعبي والثقافي بالقراءة سيزيد الطلب على أشكال إبداعية أخرى، وسنرى منافسة وانتشارا للشعر والقصة القصيرة تماما، كما هو الأمر في الرواية اليوم».
أما الشاعر المصري شريف الشافعي، صاحب ديوان «رسائل يحملها الدخان»، فيقول: «بغض النظر عن الملابسات التي تعتري جوائز الرواية المتعددة في عالمنا العربي، والانتقادات التي تدور بشأنها من عدم الحيادية والمحاصصة الجغرافية، وعدم أهلية لجان التحكيم بسبب كونهم غير مختصين في بعض الأحوال وغير ذلك من أمور لا تخلو من صحة، فإن هذه الجوائز، في المجمل، تبدو وقد أحدثت حراكا إيجابيا في المشهد الروائي العربي. هذا الحراك الإيجابي في المشهد الروائي العربي يعكس ما تقصده الجوائز عموما كفكرة، من تحفيز شهية الكاتب من جهة، واستثارة شغف القارئ من ناحية أخرى، فضلا عن الترويج بمعناه التسويقي للأعمال الروائية المتنافسة والفائزة من جانب ثالث».
ويوضح صاحب «الأعمال الكاملة لإنسان آلي»: «لا أميل إلى تحميل هذه الجوائز فوق طاقتها بالقول إنها أثرت بالسلب في الاهتمام بالألوان الإبداعية الأخرى، كالشعر والقصة القصيرة والمسرح؛ فمجمل تأثيراتها الإيجابية، وربما السلبية أيضا، تأتي في حقل الرواية بصفة أساسية».
بالنسبة للشعر، فيشير: «هناك أكثر من جائزة عربية ضخمة التمويل مخصصة له، بعضها برعاية قنوات تلفزيونية. لكن الواقع أن جوائز الشعر العربية الكبرى، كلها بلا استثناء، تقوم بأثر عكسي، وتلعب دورا سلبيا بامتياز لحساب رجعيات بالية وصور نمطية متهالكة للشعر والثقافة عموما. وأتصور أن سيطرة الحكومات، والمؤسسات الموالية لها، ورأس المال الانتفاعي الموجه، على مثل هذه الجوائز الشعرية المثيرة للسخرية، يحيلها إلى تكريس مقصود ومتعمد لما هو جاهز ومعلب؛ فالتغيير عموما أو إعمال الفكر من شأنه زعزعة استقرار سلطات ومركزيات نخبوية تتخذ من الثبات والخمول ركيزة لاستمرارها ووجودها». التعليقات عبد القادر دقاش البلد: السودان 17/04/2016 – 09:36 المبدعون الحقيقيون لا يكتبون من أجل الظفر بالجوائز، بل من أجل كتابة نصوص روائية خالدة. حمى الجوائز أصابت الثقافة العربية في مقتل، وخاصة أن كثير من الجوائز أصبحت تمنح لدواعي غير إبداعية، فضلاً على أن الأعمال التي تحظى بهذه الجوائز ليست بالضرورة أن تكون أفضل الأعمال. فالأعمال هي من تسعى للجوائز لا العكس. 
________
*الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

رابطة الكتاب الأردنيين تنظم مهرجاناً للتضامن مع الشعب الفلسطيني

* عليان عليان  أقامت لجنة فلسطين في رابطة الكتاب الأردنيين السبت  الماضي 29-5-2021، مهرجاناً تضامنياً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *