الرئيسية / قراءات / مملكة الفراشة لواسيني الأعرج.. مُساءلة الرواية والتاريخ

مملكة الفراشة لواسيني الأعرج.. مُساءلة الرواية والتاريخ



محمد الأمين بحري*



خاص ( ثقافات )


يبدو التاريخ رهاناً كؤوداً على الروائي العربي الذي يجد نفسه في موضع تجاذب بين تيارين، أحدهما ديدنه وفنه وهو الرواية وفنون تخييلها، وثانيهما التاريخ، وهو أحد همومه وإن لم يكن أحد علومه، خاصة وأنه يشهد في اطلاعه على هذا الموضوع معاناة المؤرخين أنفسهم وجناياتهم بعمد أو غير عمد، لينتهي الكل إلى مسلمة مفادها: أن الكتابة عن التاريخ مجازفة غير مضمونة العواقب فكيف بمن يتسلح بالتخييل الأدبي أن يكون وفياً للحقيقية التاريخية؟؟ 
أولاً- الرواية التاريخية بين النمط الغربي والنمط العربي
إن كان التاريخ المتخيل هو خصيصة الفن الروائي فإنه مع ذلك لا ينبغي أن يكون تزييفاً للتاريخ الواقعي.. بل عليه أن يحفظ صدقيته حسب جورج لوكاتش في كتابه الرواية التاريخية، حيث نبه على ضرورة: “أن تكون الرواية أمينة للتاريخ، بالرغم من بطلها المبتدع وحبكتها المتخيلة(1).

يضيف لوكاتش بشأن نقل الخصوصية التاريخية في التخييل الروائي محدداً: “هدف الرواية التاريخية هو تمثيل واقع اجتماعي معين في وقت معين مع كل ألوان ذلك الوقت وجَوّه الخاص، وكل شيء عدا هذا.. أي كل من الصدامات والأفراد التاريخيون، العالميون، الذين يبرزون فيها ليس إلا لهذا الغرض.(…) ولما كانت الرواية تصور كلية الأشياء، فإن عليها أن تتغلغل إلى التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية”(2).

ما يعني أنه من أجل نقل خصوصية اللحظة الحضارية والاجتماعية والنفسية للزمن التاريخي المستهدف في الرواية تصبح الشخصيات والأحداث التاريخية مجرد وسائل عمل، وتقنيات مساعدة لتحقيق معايشة الخصوصيات التاريخية المستهدفة بكل تفاصيلها لأن الكاتب لا يستهدف إعادة التاريخ بقدر ما يرمي إلى معايشة التاريخ. وإن كانت هذه المحاذير قد رسخت تقاليد الكتابة الروائية الغربية، فإنها لم تسهم على ما يبدو في بناء الرواية العربية على المسار نفسه، بل إخالها قد عملت عملاً معاكساً مع الروائي العربي في كثير من الأحيان، حين يداخل بين الحدث التاريخي والحدث التخييلي، وهذا يعني أن منطق التخييل الروائي مرهون بمنطق التمثيل الوقائعي للأحداث وتزمينها داخل النص، وبين المنطقين تعثرت روايات عربية عدة ومن بينها الجزائرية التي نختص أحد نماذجها هنا بالدراسة والتمثيل. وهي رواية مملكة الفراشة لواسيني الأعرج، وإن لم تكن رواية تاريخية بقد ما كانت رواية تشتغل على التاريخ كوسيلة ومرجعية سردية.

ثانياً – “مملكة الفراشة” تفكك المنطق الزمني وارتباك المبنى الحكائي.
تنتمي رواية مملكة الفراشة -الفائزة بجائزة كتارا العربية لسنة 2015-(3)، إلى ذلك النمط من الروايات التي وظفت التاريخ وكتبت به كوسيلة وأداة، دون أن تكون تاريخية في حد ذاتها، وسنعرض لنقدها من منظور زمني لنبين الفرق بين هذا النمط الذي يوظف التاريخ كوسيلة في خطابه، وثانيهما (الرواية التاريخية) التي توظف التاريخ كهدف في خطابها مثل رواية كتاب الأمير مثلاً.

ستعرض دراستنا لهذه الرواية تحليلاً لعنصر الزمن بنوعيه: الأول هو ما يطلق عليه فنياً: “زمن القص”، والثاني: “زمن الخطاب” اللذين شهدا في هذه الرواية تفككاً بنائياً من شأنه إن حدث في أي نص سردي أن يهدمه من الأساس، باعتبار بنية الزمن بشقيها القصصي والخطابي، هي عماد الكتابة السردية التي لا تقوم الرواية إلا بها، خاصة إن كانت هذه الرواية تتناول حقبة زمنية أو حدثاً تاريخياً. والزمن في هذا النمط من الرواية انشطاري التركيب؛ فهو من جهة حامل للسمة التاريخية المرجعية للنص (زمن القص). وهو من جهة ثانية بنية تخييلية تحكم منطق السرد وحبكة الحداث الدائرة بين الشخصيات والعالم السردي، (زمن الخطاب).

1- زمن القص:
إن الرواية التي توظف التاريخ المرجعي في أحداثها تنتمي دوماً إلى ما يطلق عليه بنمط السرد المرجعي، أي ذلك السرد الذي يتكئ على أحداث فترة زمنية لها مرجع معروف في الواقع حيث: “تكون الأحداث حقيقية أو مقدمة باعتبارها حقيقية، وتكون قد حدثت بالضرورة في زمن تاريخي سابق للسرد”(4).

في هذا النمط من الزمن تستوحي رواية مملكة الفراشة مرحلة العشرية السوداء، أو الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات، باعتبارها زمناً مرجعياً لأحداثها، وما إن يتأسس القارئ على هذا المنطق الزمني حتى يجده زمناً مفككاً مضطرباً لا يأتلف مع ما يقع فيه من أحدث.. بل يبدو تركيباً نشازاً بين مرحلتين غير مؤتلفتين مرحلة الحرب الأهلية ومرحلة الثورة المعلوماتية التي انغمس فيها الشباب العربي كأحد وسائط التواصل الاجتماعي ممثلة في الفيسبوك.. فما هي الحدود الزمنية بين المرحلتين، وهل يمكن أن تأتلفا في سيرورة ومنطق زمنيين؟؟

إن دخلنا أحداث الرواية سنجدها تدور حول فرقة موسيقية شبابية أطلقت على نفسها فرقة (ديبوجاز)، هاجر عدد من أفرادها إلى منافي أوربية بعد اشتداد الحرب الأهلية والأزمة الوطنية (العشرية السوداء) لكنهم بقوا على اتصال عبر وسائط التواصل الاجتماعي ممثلة في الفيسبوك؟؟

وإن كانت هذه العشرية محددة زمنياً في أعقاب توقيف المسار الانتخابي سنة 1992، فإن العشرية انطلاقاً من هذا التاريخ تكون قد انتهت قبل 2002، علماً أن الفيسبوك قد تم اختراعه من طرف الأمريكي مايكل زوكربارغ كوسيلة تواصل حصرية بينه وبين أصدقائه في الجامعة سنة 2003، وقد عم الولايات المتحدة في أواخر 2004، بينما اكتسح أوربا بين سنتي 2005- 2006، وقد عرفته بعض الدول العربية المتطورة تقنياً في الخليج بين سنتي 2006 و2007، فيما كانت الجزائر من أكثر الدول تأخراً عن الركب العربي وحتى الإفريقي في إدخال تكنولوجيا المعلومات، (ولا تزال للأسف عيوب الإنترنت تعيق التواصل الاجتماعي والاقتصادي بين الفراد والمؤسسات حتى يومنا هذا). وإن كنا أكثر تفاؤلاً فلنقل إن العائلات الميسورة في الجزائر كانت قد حظيت بهذا النوع من التواصل الاجتماعي الافتراضي حسبما علمته من بعض هذه العائلات والمؤسسات (مؤسسة بريد الجزائر)، بين سنتي 2008-2009، ليكتسح الفيسبوك بقية طبقات المجتمع ويشيع على أوسع نطاق في 2010 حيث صار استعماله رائجاً بين كل فئات المجتمع. وهذه هي إحداثيات التاريخ المرجعي الذي تستند عليه رواية مملكة الفراشة لواسيني الأعرج، فكيف تعامل هذا النص مع مرجعه التاريخي هذا؟

في مستهل الرواية يكتب فادي (فاوست) حبيب البطلة (الراوية) ياما وزميلها السابق في فرقة (ديبو جاز) الموسيقية في رسالة فيسبوكية: [ستنتهي سنوات الخوف والعزلة، سأحبك أنا أيضاً لدرجة الهبل] (ص 56)، وهذا أول مؤشر زمني على أن الحرب الأهلية لم تنته بعد؟؟ وحسب هذا التعبير أن التواصل الفيسبوكي كان منتشراً ومتداولاً بين فآت الشباب آنذاك، وهنا يمكن أن نطرح كقراء تساؤلاً جرّنا إليه هذا المقطع: هل دخل الفيسبوك بيوت الجزائريين أثناء الحرب الأهلية التي أطلق عليها إعلامياً (العشرية السوداء)؟؟ أم أن هذه الوسيلة السيبرنية قد حلت بعد العشرية السوداء بعشرية أخرى؟؟

واعتماداً على معيار شيوع الفيسبوك بين عامة الفئات الاجتماعية للشعب الجزائري بداية من العشرية الثانية من الألفينيات، فهل استمرت العشرية السوداء حتى هذا التاريخ ليتم التواصل بين شخصيات الرواية في رسالة فيسبوكية تعلن أن سنوات الخوف والحرب لم تنتهِ بعد؟؟
تقول البطلة ياما لحبيبها فادي في مقطع آخر: [أنا لا أملك الأسلحة الجبارة التي أقاوم بها خوفي ووحدتي إلا هذه المملكة الزرقاء التي تسمى الفيسبوك، قلت لحبيبي(…) لي فقط وردة من يديك، وقبلة مسروقة في غفلة من القتلة (…) قبل أن يداهمني الموت في مدينة أصبحت توفره بسخاء]، (الرواية ص: 24-25).

وبعد بضعة فقرات يرد عليها حبيبها فادي (فاوست) في رسالة فيسبوكية: [من قال إن هذه الحرب انتهت مادام الموت حاضراً وربما أكثر مما كان عليه على مدى عشر سنوات الحارقة] (الرواية ص 53).

تتم هذه المحادثة في رسائل فيسبوكية بين شابين جزائريين، وتشير بوضوح إلى أن الأمن لم يستتب والمدن لازالت توفر الموت بسخاء، وهذا يعني أن الحرب الأهلية ما تزال قائمة حسب الوصف الذي قدمته البطلة القاطنة في الجزائر لصديقها المهاجر!! بينما منطق زمن الفيسبوك لم يكن ليتكرس لدى الجزائري قبل (2008-2010- أي تقريباً مع نهاية العشرية الأولى وبداية العشرية الثانية من الألفينيات)، فهل استمرت العشرية السوداء حتى هذه الفترة؟؟

ويضيف فادي(فاوست) في رسالة أخرى: [أنهار الدم لم تتوقف إلى اليوم] (ص68).
إن هذا المقطع لوحده -فضلاً عن بقية المقاطع السالفة، وغيره من المقاطع التي تمتلئ بها الرواية- كفيل بأن يربك زمن القص ويفسد منطق السرد وتلقي القارئ معاً، حينما عبث بإحداثيات زمن القص المقصود في الرواية، كأن يجد القارئ نصه يشير إلى زمن رواج الفيسبوك (2008-2010) بين شخصياته تدردش في رسائل إلكترونية في هذا الزمن الذي تدعي شخصيات الرواية أن الحرب الأهلية فيه لما تتوقف بعد، بل نجها في النص قد اشتدت أكثر مما كانت عليه!!؟؟ ثم لا يلبث البطل أن يقول في الصفحة نفسها بعد أن أكد على اشتداد الحرب أكثر مما كانت عليه: [لقد انتهت الحرب منذ عشرة سنوات] (الرواية ص 53) علماً أن البطل هنا يتكلم عن لحظته الحاضرة، أي إنه يقول بوضوح: إن العشرية التي يقصدها تقع قبل لحظة كلامه هذا وهي منطقياً السنتين الأولتين بعد الألفين (2002)، التي انتهت بها العشرية السوداء، فهل كان هذا زمن للفيسبوك؟؟ هذا ما تقره الرواية بكل غرابة. ولو كانت الرواية غرائبية.. لا ترتبط بحدث تاريخي ولا تشتغل على مؤشرات الزمن والتاريخ كمرجعية لها لكان هذا الأمر عادٍ ومبرر فنياً.

فعن أية عشرية يتحدث البطل؟؟ عن عشرية التسعينيات (الدموية)؟؟ أم العشرية الأولى من الألفينيات التي شهدت ولادة الفيسبوك في الولايات المتحدة وأوربا، أم عن العشرية الثانية من الألفينيات التي راج فيها الفيسبوك في الجزائر؟؟ أم عن أزمة دموية افتراضية اجتاحت العشريات الثلاث معاً؟؟ ونظراً لهذا الارتباك الذي تداخلت فيه أزمنة غير متكافئة في سياقاتها الحضارية والثقافية وخصوصياتها التاريخية المرجعية، فقد تضاربت خطابات الشخصيات مع مقتضيات المنطق الزمني الواقعي الذي تتمرجع به أحداث الرواية. حيث يبدو للعيان العجز العميق في تثبيت إحداثيات زمن القص، التي بدت تائهة، تمتد فيها عشرية الأزمة من 1991، إلى ما بعد 2008. زمن دخول الفيسبوك إلى الجزائر، أما رواجه شعبياً بين جميع الفئات فلم يكن قبل دخول الجيل الثالث والرابع من الإنترنت على أجهزة وشبكات التواصل، أي بعد 2012.

يضع واسيني قارئ رواية مملكة الفراشة أمام مأزق زمني إذا عليه أن يتخيل شخصيتين من عامة الشعب الجزائري المقهور يتبادلان الرسائل الإلكترونية إبان الحرب الأهلية التي شبت في التسعينيات، ولا يزال أحد الطرفين (فادي) مشرداً في المنافي وها هو يصف في رسالة فيسبوك إلى حبيبته (ياما) وضع البلد قائلاً: [أنهار الدم لم تتوقف إلى اليوم] وتارة أخرى: [الموت حاضر أكثر مما كان عليه على مدى سنوات]؟؟ وعلى القارئ أن يتدبر أمر هذا المنطق الذي يتنافى مع منطق الحياة الثقافية والسياسية والحضارية لهذه الفترة من التاريخ التي عليه أن يقحم فيها الفيسبوك ضمن منطق الحياة ويوميات الجزائري أثناء مكابدته لأهوال الحرب الأهلية في العشرية السوداء التي يؤرخ لها التاريخ بفترة التسعينيات. بينما يمنحها الكاتب خصوصيات تاريخية تتجاوز تلك الحقبة بعشريتين؟؟

وبهذا المنطق السردي المرتبك بقيت العشرية التي يتحدث عنها الروائي عائمة ومتضاربة، على مدى عشريتين من الزمن دون أي تحديد؟؟.. وهذا ما يصعب هضمه لدى القارئ. 

وإذ ينسب الروائي تقنية أو سمة حضارية لمرحلة سابقة لم تتهيأ لها، ويجتلب تفاعلات إلكترونية تخص مرحلة تطورية شهدت دخول ثورة معلوماتية ويقحمها في صلب أحداث تلك المرحلة الدامية من تاريخ الجزائر التي لا تحتملها بأي منطق كان، فإن هذا الاختلال البنيوي يضر باستيعاب منطق الحقيقة التاريخية التي يتأسس عليها منطق زمن القص في الرواية الذي تبعثرت إحداثياته أمام قارئ لا يقع خارج التاريخ، ولا يجهل منطق السرد المؤسس عليه، وهو تشوه بنائي في زمن القص يصعب ترميمه تحت أي منطق مهما صب فيه الروائي من تخييل، إذ لا يجب أن يكون التخييل الروائي وأبطاله المبتدعين في السرد غطاءً لانتهاك الحقيقة التاريخية وخيانتها كما قال جورج لوكاتش(5). وهذه هي الحدود الفنية التي تتيح للروائي أن يتخيل كما يشاء لكن دون المساس بالحقائق التاريخية المعروفة التي يتمرجع بها النص دون أن يدمرها، ويشتغل عليها المخيال الروائي دون أن يشوه ملامحها أمام القراء. وهو الميثاق الذي لم تحفظه الرواية، فأسقطت الخصوصية التاريخية للمرحلتين أثناء انشغالها بنسج الحبكة وتحبير سحر اللغة المشحونة ببلاغة العواطف ودرامية الأحداث.

2- زمن الخطاب: 
المقصود بزمن الخطاب في السرد هو كيفية حكي وتزمين زمن القص المرجعي “وفق منظور خطابي متميز يفرضه النوع”(6) حيث يقوم الروائي بتخييل منطق سردي خاص متعلق بأحداث وشخصيات النص المعين دون غيره. أي الطريقة التي يروي بها السارد القصة وفق إنتاجية ذاتية يشد أفعالها رباط زمني ومنطقي(7) يستمد طاقته الإقناعية من الواقع محاكاة وانسجاماً. حيث يكون المعني الأول بهذا الزمن الخطابي هو الشخصيات المتخيلة التي تتأطر به وتحيا فيه، غير أننا حينما نطل على زمن الخطاب التخييلي في رواية مملكة الفراشة نجده أكثر تفككاً واضطراباً من الزمن الأول (زمن القص). مما يضع علامات استفهام كبرى حول قيمتها الفنية لدى القارئ، ومبناها الحكائي لدى الناقد والدارس، وكذا مسألة تتويجها كأفضل رواية عربية لسنة 2015 حسب مؤسسة كتارا.؟؟

في فضاء زمن الخطاب هذا يعلن فادي (فوست حبيب البطلة ياما)في الصفحة 26، عن مدة منفاه التي ناهزت العشرة سنوات قائلاً: [ماذا أقول عن منفاي الذي قارب عشر سنوات] (الرواية ص 26)، غير أن البطلة ياما تفاجئنا في مستهل الفصل 2، وبالضبط في الصفحة 34، عن تحديد مختلف لغيبة حبيبها فادي فتقول: [لا أحتمل غيابه الذي استمر ثلاثة سنوات وشهرين وخمسة أيام وثلاث ساعات وعشر دقائق وسبع ثواني بالضبط (…) فاوست لا يدري أن امرأة تحب رجلاً…] (الرواية ص34-35). وحتى إن حاولنا توجيه كلام ياما إلى صديقها [ديف] الذي تحدثت عنه في الفصل الأول، فإننا لن نستطيع ذلك بالتأكيد، لأن كلامها هنا افتتحت به فصلاً جديداً، وأول شخصية تذكرها بعد ذلك التحديد الزمني هي [فادي الملقب بـ: فاوست] وهذا ما يحدثنا به المقطع السابق بكل وضوح.

وفي الصفحة 57، وعبر رسالة فيسبوكية.. يرد فادي على حبيبته ياما قائلاً [حبيبتي.. تبدين متعبة تخيلي رجلاً لم ير أرضه عشر سنوات ظل ممتلئاً بها].(الرواية ص57).

وهكذا يعيد فادي خلط الإحداثيات من جديد ويصرح أنه غاب عشر سنوات بعد أن أخبرتنا حبيبته البطلة(الراوية) ياما أن مدة غيابه استغرقت فقط ثلاث سنوات، فمع من سيسير القارئ؟؟ مع زمن ياما أم مع زمن فادي في زمن الخطاب أم مع زمن الحرب الأهلية في عشرية التسعينيات أم مع زمن الثورة المعلوماتية في نهاية عشرية الألفينيات في زمن القص؟؟

ثالثاً- ملاحظات القراء.
وسط هذه الفوضى الزمنية العارمة التي يغيب فيها البطل تارة عشر سنوات وتارة أخرى ثلاثة سنوات في زمن الخطاب الذي يشهد منطقه تضارباً فضيعاً بين الشخصيات، وتتقلص العشرية السوداء في(زمن القص) في مرحلة التسعينيات، ثم تتمدد تارة أخرى لتبلغ حدود العشرية الثانية من الألفينيات.. شعرت مثل كثير من القراء أن الروائي يكتب أي شيء، وكما اتفق، دون أن يأبه لتشكل منطق السرد ولا زمن القص المرجعي ولا زمن الخطاب التخييلي، الذي يفترض أن يكون في حده الأدنى اتفاقياً بين الشخصيات على الأقل، ولم يكن هناك اعتبار حتى للسيرورة الزمنية ومنطقها السردي الذي تلاشى في النص قبل أن يتلاشى لدى القارئ.. وقد تنبه طلبة السنة الثانية ليسانس في جامعتي لهذه التناقضات في المنطق الزمني للرواية من أول قراءة وبعضهم كانت هذه أول رواية يقرأها، فتوقفوا مستغربين من هذا التضارب بين الأزمنة التي لم يعرفوا لها منطقاً بين الشخصيات، فكيف يغيب هذا الخلل عن لجنة تحكيم دولية يفترض أن لها باع طويل في قراءة مئات الروايات قبل هذا النص؟؟

من هنا يشرع لنا التساؤل كقراء للرواية حول تتويج عمل يتناول فترة تاريخية مرجعية، ويعاني كل هذا الاضطراب على مستوى بنية الزمن التي تعد العمود الفقري في مثل هذه الروايات. ومعلوم أن البنية الزمنية هي عماد كافة البنيات الأخرى في النص، وأن باختلالها أو هدمها يتقوض أساس المعمار السردي، من فضاء مكاني(والمكان يتأسس على جدل بنيوي مع الإطار الزمني) وشخصيات (وهي التي تحيا ضمن فضاء الزمن ويحيا الزمن في ذاكرتها وخطابها)، وأحداث (وهي الوقائع التي تتم داخل الزمن فتسمه بميسمها وبخاصة في رواية تشتغل على التاريخ كمملكة الفراشة). 

*- مساءلات:
– فهل يمكن أن نسمي عملاً ما رواية إن تم تفكيك فضائه الزمني الذي يشد سائر بنيات العمل الروائي؟

– وهل يعقل أن لجنة تحكيم متكونة من مختصين وأكاديميين ذوي باع طويل في النقد الروائي لا ينتبه فيها أحد لهذه الاختلالات الجسيمة؟؟ علماً أن تناقض منطق الزمن واضطرابه هنا أوضح من أن يخفى على أي قارئ مهما كان مستواه.

– وهذا يعني أحد أمرين: إما أن لجنة التحكيم قد انتبهت للخلل الواضح للعيان، وهذا بديهي إن هي قرأت النص مرة واحدة، ومع ذلك لم تشأ الإشارة إليه أو أغفلته تحت ذرائع في نفس يعقوب.
– والاحتمال الثاني وهو الذي لا أريد شخصيا الإيمان بوجوده حتى في الخيال، وهو أن اللجنة لم تقرأ النص، على اعتبار أن عنصر الزمن المهلهل في الرواية كان أول ما سيستوقفها، فتخرج الرواية منطقيا من السباق.

– وفي الاحتمالين يوجه السؤال للجنة هذه الجائزة الفتية طبعتها الأولى 2015، عن سر تتويج أعمال تعاني عديد الاضطرابات البنيوية الواضحة للعيان مثل نص مملكة الفراشة، وقد استوقفنا اختلالات منطقه الزمني بشقيه القصصي (المرجعي) والخطابي (التخييلي). وتشرذم خطابه التاريخي الذي يستوحي فترات تاريخية متعاقبة ثم يداخل بينها ويبعثر منطقها وخصوصياتها أمام القارئ بشكل لا يمكن هضمه بأي منطق واقعي أو تخييلي. ولا يبقى بعد انهيار البنى التأسيسية لهذا النص (الزمن والتاريخ) سوى فرضية استهداف الجوائز الفتية للقامات الروائية بعيداً عن قيمة ما تكتبه من نصوص إبداعية. ولا يمكن للمثقف أن يقف صامتاً أمام هذه الانزلاقات الخطيرة التي تذهب فيها روائع النصوص الأدبية المرشحة ضحية الاختيارات والتوجهات الاستراتيجية لبعض الجوائز بعيداً عن الأعمال التي يدخل الأدباء باسمها.

وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن ما أبديته هنا من انتقادات سواء لعديد السقطات الفنية والموضوعية التي اعتورت النص أو للجنة تحكيم الجائزة التي توجته لا يمس بقيمة صاحب النص كقامة إبداعية عربية محترمة في مجال الرواية محلياً وعربياً غير أنه لا وجود لأعمال فوق النقد، أو ممنوعة منه، ومن الطبيعي في حياة الكاتب أن تخونه لحظة الإبداع فيصدر أعمالاً دون المستوى فيتلقى النقد كما الانتقاد، كما قد تحالفه لحظة الإبداع وتواتيه الصنعة فيكتب أعمالاً مشهودة، تعزز صرح الساحة الروائية في صورة ما كتبه واسيني في نصوص: نوار اللوز وسيدة المقام والمخطوطة الشرقية، وهي أعمال يمكن عدها من عيون النصوص الروائية العربية، وبالنهاية ما ثار نقاش أو جدل نقدي حول عمل ما إلا وكان في مصلحته خاصة ومصلحة الحراك الثقافي والإبداعي في الحياة الثقافية للأمم عامة.


————————————–
هوامش
(1) – جورج لوكاتش: الرواية التاريخية، تر، صالح جواد الكاظم، دار الثقافة والإعلام، بغداد ط2، 1986، ص 215.
(2) – جورج لوكاتش: المرجع نفسه، ص 213.
(3) – كل الاستشهادات من رواية مملكة الفراشة لواسيني الأعرج، مأخوذة عن طبعتها الأولى المرفقة بمجلة دبي الثقافية، عدد85، يونيو 2013.
(4) – محمد القاضي وآخرون: معجم السرديات، دار محمد على للنشر، تونس، ط1، 2010، ص230-231.
(5) – ينظر جورج لوكاتش: الرواية التاريخية مرجع سابق، ص 215.
(6) – سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط4، ص: 89.
(7) – محمد بوعزة، تحليل النص السردي، تقنيات ومفاهيم، منشورات الاختلاف/ ناشرون، ط1، 2010، ص71.

*- ناقد وأكاديمي جزائري

شاهد أيضاً

جماليات الشجرة في قصص سورية معاصرة

(ثقافات) جماليات الشجرة في قصص سورية معاصرة د. علياء الداية تشترك قصص سوريّة معاصرة في عنصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *