الرئيسية / إضاءات / موت الأدب بين «حلم غيتس» و«نبوءة يوسا»

موت الأدب بين «حلم غيتس» و«نبوءة يوسا»


*سلمان عز الدين


وقف بيل غيتس أمام أعضاء الأكاديمية الملكية الإسبانية، في مدريد، ليعلن الاقتراب من تحقيق «حلمه الأكبر قبل أن يموت»، وهو وضع حد للورق، ومن ثم للكتب.
وقال مؤسس «مايكروسوفت» إن شاشات الكمبيوتر قادرة على القيام بمهمات الورق بشكل أفضل، فبالإضافة إلى كونها أقل مشقة، فهي تأخذ مساحة أقل، وهي أسهل للتنقل، كما أن نقل الأخبار والآداب إلى هذه الشاشات سيكون له فائدة بيئية، إذ سيتم إيقاف تدمير صناعة الورق للغابات.. واستدرك غيتس مطمئناً مستمعيه: «الناس سيستمرون بالقراءة، لكن على شاشات الكمبيوتر..».
ماريو فارغاس يوسا، الكاتب البيروفي الشهير، عض شفته متحسراً على عدم حضوره خطاب غيتس، وإلا «لأعلنت استهجاني لغيتس كونه قد أعلن بوقاحة نيته إرسالي أنا وزملائي الكتّاب إلى خط البطالة. ولكنت تنازعت معه بقوة بخصوص تحليله».
ويعترف يوسا، في مقال له تحت عنوان «لماذا نقرأ الأدب»، بأن الإنترنت يؤدي للكاتب مساعدة لا تقدر بثمن؛ لكن «امتناني لهذه الراحة لا يتضمن اعتقاداً بأنه يمكن للشاشات الإلكترونية أن تستبدل الورق، أو أن القراءة بالكمبيوتر يمكن أن تفي للقراءة الأدبية». 
ويقرر يوسا هذا التوزيع للمهام: فالكمبيوتر يفي بمتطلبات القراءة الوظيفية التي نبحث بها عن معلومة أو تواصل سريع. أما قراءة الأدب، القائمة على الأحلام ومتعة الكلمات والإحساس بالحميمية والتركيز العقلي والعزلة الروحية، فلا يمنحها إلا الكتاب.
وهو سرعان ما يختبر هذه القسمة على نفسه: «على الرغم من أني أستمتع بتصفح أخبار العالم من خلال الإنترنت، لا يمكن أن أذهب للشاشة لكي أقرأ شعراً لجونجورا، أو رواية لأونيتي أو مقالاً لباز..».
ثم يصل الروائي الشهير إلى هذه النبوءة: «أنا مقتنع، بالرغم من أني لا أستطيع إثبات ذلك، بأنه مع اختفاء الورق سيعاني الأدب ضربة مهولة، وربما مميتة».
لا يستطيع عاقل الاستخفاف بحلم بيل غيتس، فالإشارات تتعاظم على انحسار عالم الورق لصالح شاشات الكمبيوتر، وها هي الصحف الورقية تبدأ سلسلة من الانهيارات ربما تمتد لتطال صروحاً عريقة راسخة، كما أن سوق الكتب الإلكترونية يسجل ازدهاراً متنامياً، وعدد قراء الكتب على الشاشات في ازدياد مستمر. إذاً ربما تكون مسألة وقت فقط لكي يحقق غيتس حلمه، مع ملاحظة أننا لن نكون بالضرورة أمام انقراض للكتب الورقية بل انحسار إلى أضيق دائرة ممكنة، وربما تكون صناعة النشر في طريقها إلى الانضمام لبقية الصناعات (الفولكلورية) التي تتوجه إلى ناد ضيق من الزبائن ذوي الاهتمام الفريد والمزاج الخاص.
وبالمقابل من الصعب الاستخفاف بنبوءة فارغاس يوسا، فصاحب «حفلة التيس» لم يسحر قراءه بتقنياته الروائية المميزة فحسب، بل كذلك بعمق رؤيته وسعة ثقافته ورصده الذكي للعالم ومتغيراته.. ولكن هل يعني هذا التسليم بنبوءته؟
في المقال المذكور ترد عبارة «بالرغم من أني لا أستطيع إثبات ذلك»، فكيف لنا أن نسلم بصحة استنتاج دون القدرة على إثباته بأي طريقة؟.. هو على الأرجح حدس روائي، وهذا يكفي لأخذه على محمل الجد، لكن ليس باعتباره أمراً مؤكداً وإنما منطلق ملائم للتفكير والنقاش والتساؤل..
فلنتساءل إذاً عن الرابط الحتمي بين انتقال الكتب من الورق إلى الشاشة ونهاية الأدب؟، ولماذا علينا أن نكون واثقين من أن تغيير الوسيلة سيفضي حتماً إلى تدمير الغاية؟، ولنتساءل أيضاً عن هذه القسمة الصارمة بين عالم الورق بوصفه المكان الحصين للأدب، يمنحه الروحانية والمتعة والتأمل والتركيز، وبين الكمبيوتر بوصفه مكاناً بارداً ينزع الصفات القدسية عن الأدب ويحوله إلى رموز صماء وإشارات بلا معنى؟.
أما سؤال الحميمية فيجب توجيهه إلى أبنائنا لنعرف إن كانوا لا يشعرون إزاء أجهزتهم وشاشاتهم بالقدر نفسه من الحميمية التي تربطنا بكتبنا الورقية؟،
يقول يوسا في مقاله: «ربما يصدر تحيزي هذا لكوني لم أمارس القراءة الإلكترونية، كوني تعاملت بعلاقة أدبية طويلة مع الكتب والورق..»، وهو هنا ينطق بلساننا جميعاً، نحن جيل الورق، ممن تفتحت عقولنا على مرأى الكتب، وانطلقت أحلامنا بفضل كلماتها التي لطالما أعجبنا تشبيهها ب «الأرواح المسحورة».. أدمنت أصابعنا ملامسة الصفحات الرقيقة، كما أدمنت أنوفنا روائحها التي ستظل عالقة في ذواكرنا إلى الأبد.. فأي شعور بالفقد يثيره فينا تصريح غيتس؟
ولكن ألم تكن هذه هي حال أناس آخرين في أزمنة أخرى؟، ألم يكن هذا هو شعور الذين هددهم مرأى السيارة الأولى، أو القاطرة الأولى، بالتخلي قسراً عن عرباتهم التي تجرها الخيول؟ ألم يتساءلوا يومها باستنكار «كيف لنا أن نستعيض عن عرباتنا الجميلة التي تجرها أرواح أليفة بهذه الآلات الصاخبة الخالية من الروح»؟.
ألم يكتب أجدادنا في المدن والأرياف العربية، إثر مداهمة الكهرباء لهم، رثاء عذباً ل «ضوء الشموع الأنيس»، ورائحة الكحول المنبعثة من مصابيحهم العتيقة؟
ومن يدري، فربما كان شعورنا اليوم هو نفسه شعور أسلافنا وهم يودعون الأحرف المنقوشة على الحجر، أو الكلمات المخطوطة باليد على أوراق البردي وجلود الحيوانات.
يجب ألا نكون سذجاً فنعتقد أن المستجدات التكنولوجية هي مجرد أدوات ووسائل حيادية بلا أثر، إذ لطالما غيرت الاختراعات من سلوك البشر وعاداتهم وطباعهم. لقد غيرت الكهرباء ووسائل السفر الحديثة في أرواح الناس لكنها لم تدمر أرواحهم، وغيرت في أفكارهم، لكنها لم تجعلهم أناساً بلا أفكار.
لنأمل أن يعيش الأدب في الشاشات كما عاش في الورق، وهذا أمل مشروع طالما أن الرهان قائم على أن البشر سوف يحتفظون، وفي ظل أي مستجدات تكنولوجية، بأرواح تواقة وقلوب نابضة وعقول فضولية لا تكف عن السؤال.
ربما لا ينتقل الأدب إلى الشاشات بكامل عدته وعتاده، ولكن لم لا نراهن على أنه سيستطيع المزاوجة بين العمق والتركيز من جهة وبين التكثيف والسرعة والإيجاز من جهة أخرى؟ 
لا نملك أن ندحض نبوءة يوسا، ولكن موت الأدب خيار يصعب علينا تخيله.. ويجدر بنا ألا نقبله.
______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

غراميات جبران خليل جبران : مي زيادة ، ماري هاسكال.. ونساء أخريات 2\2

               (ثقافات)                     غراميات جبران خليل جبران : …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *