الرئيسية / نصوص / عزلة رامبو

عزلة رامبو


*محمود شقير




خاص ( ثقافات )

جاء رامبو إلى حيّنا على نحو مفاجئ. لم يخبرنا بأنه سيجيء، ترك الأمر سرّاً حتى اللحظة الأخيرة. جاء في سيارة أجرة مثل شخص عادي، فاستغربنا الأمر. توقعنا أن يأتي إلينا في طائرة هيلوكبتر عسكرية، كما عوّدنا في أفلامه التي أحبها معظم الشباب في حيّنا وأدمنوا عليها. جاء بغير سلاح، لا مدفع رشاش على كتفه ولا سكين على خاصرته. قلنا: ربما حذّره الإسرائيليون من مغبّة حمل السلاح. تساءلنا كيف ينصاع رامبو الجبار بهذه البساطة لأوامر الإسرائيليين؟ هل نسينا كم من انتصارات باهرة حقّقها على خصومه؟ وكم من بطولات أحرزها بعضلاته البارزة المكشوفة! 
جاء رامبو إلى حينا بعضلاته المكشوفة وبصدره العاري. رآه آذن المدرسة صدفة وهو يتجوّل في الزقاق، آذن المدرسة عرف رامبو على الفور لأنه كان من المعجبين به في زمن سابق، وما زال حتى اليوم يحنّ إلى ذاك الزمان. بادله التحية، وألقى نظرة فاحصة نحو شبابيك البيوت، للتأكد من خلوّها من نساء قد يرين رامبو وهو يعرض عضلات صدره وكتفيه، قال له: استر بدنك يا رامبو، لأن النساء في حيّنا لا يفارقن الشبابيك. أخرج رامبو من حقيبته قميصاً وردياً بكمين طويلين. قال آذن المدرسة: أنا ذاهب لصلاة المغرب. قال رامبو: اذهب على بركة الله. راقت كلمات الممثل الأمريكي الشهير للآذن، خصوصاً وهو ينطقها بعربية فصيحة لا غبار عليها. (عرفنا في ما بعد أن رامبو التحق بمعهد للغات في واشنطن، وداوم على تعلم العربية مدة سنة)
لم يمرّ مجيء رامبو إلى حيّنا مرور الكرام. قلنا ربما جاء لقضاء ليلة أو ليلتين في الحي، لكنه أطال المكوث بين ظهرانينا. اشترى بيتاً من الشَّعر من أحد الرعاة، (شقق فاخرة عرضت عليه للسكن فيها، إلا أنه رفضها كلها) نصب البيت في ساحة بوسط الحي، قريباً من الجامع ومدرسة البنات، اشترى حماراً معتدل الهيئة، صار يركبه أثناء تنقّله في الطرقات، اشترى كلباً وربطه قرب باب البيت. قال أحد أبناء الحي، وهو دليل يرافق السياح ويتكلم عدداً من اللغات: هذا تصرّف غير مقبول. أيَمْ شُورْ أوفْ ذات، رامبو قادر على الإقامة في أفخر الفنادق، ومن عادة السياح الأجانب أن يأتوا إلى المدينة ويقيموا في فنادقها، أما أن يأتي رامبو للإقامة في هذا الحي، وللسكن في بيت من الشعر، فهذا أمر لا تفسير له سوى الرغبة في بهدلتنا. قال: إنه قادر على اقتناء سيارة من أحدث طراز، وعلى السكن في عمارة فاخرة، فلماذا يكتفي ببيت من الشعر؟ وبكلب وحمار! قطع الدليلُ على نفسه عهداً، بأنه لن يحضر السياح إلى بيت رامبو لكي يلتقطوا صوراً تذكارية معه. وهنا وقع خلاف لم يكن في الحسبان، لأن صاحب الحانوت الوحيد في الحي رأى في قدوم السياح إلى الحي فرصة لبيع بضاعته. قال محتجاً: هذه نعمة أرسلها الله إلينا، فهل يجوز أن نعترض على نعم الله؟
كثيرون من الشباب تحمّسوا لمجيء رامبو إلى الحي. وجدوا في ذلك فرصة للتقرّب منه، وللتعرّف على أسرار قوته الطاغية. أخذوا يحتشدون كل يوم بالقرب من بيت الشعر الذي يسكن فيه، يراقبون حركاته وسكناته، يغتنمون أية فرصة للتحدث معه. لكنه كان مقلاً في الكلام. جاء عامل النظافة الذي يعمل لدى مراقبي الأمم المتحدة في المدينة، اقترب منه وقال: هاي رامبو! هاوْ آرْ يو؟ نظر رامبو إلى عامل النظافة بطرف عينه، ولم يفه بأية كلمة. استلّ عامل النظافة جملة أخرى من مخزونه اللغوي الضئيل: يُو آرْ جُودْ مَانْ رامبو. ظل رامبو ممعناً في الصمت، ولم يعر عامل النظافة أي اهتمام. استاء عامل النظافة، وكاد يستنفد حصيلته اللغوية: يُو آرْ نَتْ جُودْ رامبو. رامبو واصل الصمت. ابتعد عامل النظافة فارداً ذراعيه معتدّاً بتحدّيه للممثل العملاق على هذا النحو المكشوف. توقع الشباب أن يُبدي رامبو رد فعل ما، رغبوا في رؤيته وهو يحرك عضلاته ولو قليلاً، لكي يشبعوا شيئاً من تعطّشهم إلى مثال القوة والجبروت، الذي جسده رامبو في عشرات الأفلام، إلا أنه لم يحقّق ما رغبوا فيه. (يعتقدون أن كل شيء سينما) 
زعماء العشائر الخمسة التي تقيم في الحي، لم تفُتْهُم قيمة القوة الكامنة في جسد الزائر الغريب، ولم تغب عنهم خطورتها كذلك. سمعوا أخبار قوته منذ نزل الحي، وبعضهم ممن لا يشاهدون التلفاز، انضموا إلى الآخرين للتفرّج على فيلم يقوم ببطولته، شاهدوه وهو يتفنّن في مواجهة أعدائه ويقضي عليهم فرادى وجماعات، وحينما يرقّ قلبه لامرأة آسيوية، أنقذته من سجن الأعداء الفيتناميين، فيعطيها وعداً باصطحابها معه إلى أمريكا، تنقضّ عليها رصاصة من رصاصات الأعداء، منهية حياتها وأملها بالسفر إلى أمريكا، وهو ما جعل رامبو حزيناً، وربما شكّل سبباً من الأسباب التي دفعته للمجيء إلى حيّنا. منسّق حركة الأصالة والاعتدال في حيّنا قال: هذا الرجل شبيه بهرقل الجبار. قال: سنحاول إقناعه بأن يساعدنا على اقتلاع الجدار من أرضنا (يقصد جدار الفصل العنصري الذي يبنيه شارون) زعماء العشائر أيدوا كلام المنسق بقليل من الحماسة، لكنهم شعروا بالقلق من فكرة انحياز رامبو لعشيرة دون أخرى، ما سيؤدي إلى الإخلال بتوازنات القوة في ما بينها. أبرموا اتفاقاً جماعياً يقضي بإبقاء رامبو على الحياد، وهذا يعني بالضرورة عدم الموافقة على تزويجه من أية واحدة من بنات الحي، لأن مصاهرته لإحدى العشائر ستكون على حساب العشائر الأخرى (احتدم النقاش طويلاً حول هذه المسألة، فالرجل لا يتبع دين الإسلام، وإذا ما أعلن إسلامه، وأبدى رغبته في الزواج، فمن واجبه _لحفظ التوازن بين العشائر_ أن يتزوج بنتاً من كل عشيرة. لكنه لا يستطيع بحسب الشرع أن يتزوج أكثر من أربع نساء، والحي فيه خمس عشائر، ومش معقول نخلّي عشيرة من العشائر خارج الاتفاق)
ظلت مسألة الزواج هذه غير محسومة تماماً. ورغم الاتفاق المبرم بين العشائر الخمس حولها، فقد تطاير في سماء الحي كلام كثير، وبدا الاتفاق هشّاً أكثر مما ينبغي تحت تأثير هذا الكلام. قيل إن بنت الحاج معروف، زعيم أكبر عشائر الحي على علاقة سرية مع رامبو، يواعدها تحت شجرة الخرّوب وتذهب إلى ملاقاته هناك. وقيل إن بنت الحاج مصطفى زعيم العشيرة التي تلي العشيرة الأولى في النفوذ، داخلة في منافسة شديدة مع بنت الحاج معروف للفوز بقلب رامبو. الداشرة! تنتظره فوق سطح الدار حتى يأتيها هناك. (قد يكون كل هذا الكلام مجرد تلفيقات كاذبة) تشعّبت الصراعات الخفيّة بين العشائر، حينما شوهد رامبو وهو يحمل بين يديه كتاب “صحيح البخاري”، (قيل إن مؤذن الجامع قدّمه له، وقيل إن مسؤولاً في أحد التنظيمات الدينية هو الذي فعل ذلك) ما يعني أن الرجل على وشك أن يهتدي إلى طريق الرشاد، وهذا الأمر إنْ تم، فسوف يجعل الطريق ممهّداً أمامه لكي يتزوج بنتاً من بنات الحي. احتدمت الصراعات، إثر تصريح منسوب للقابلة التي سحبت أكثرية أطفال الحي من بطون أمهاتهم في زمن مضى، (أي قبل أن تتولى هذا الأمر، قابلات إسرائيليات يعملن في مستشفيات تقدم الخدمات لنساء القدس الراغبات في ذلك، على أمل أن يصبح ضمّ القدس إلى إسرائيل حقيقة واقعة) قالت: حلمتُ في المنام أن رامبو جاء لكي يتزوج امرأة عفيفة شريفة من بنات الحي، ولولا أنني لا أحب أن تقع فتنة بين الناس، لقلت لكم مَنْ هي المرأة المقصودة، لأني شفتها في الحلم وأعرفها مثلما أعرفكم. 
تأزّم الوضع بسبب حلم القابلة، ولم يخفّف من وطأته على النفوس سوى خبرين سريا في الحي مثل سريان النار في الهشيم: الأول مفاده أن رامبو شوهد عند منتصف الليل وهو ينزل من سيارة عسكرية إسرائيلية يقودها الكابتن جاك، (الإسم الحركي لضابط المخابرات) الذي أرسل العشرات من أبناء الحي إلى السجون. مش قلنا لكم يا ناس؟ هذا لم يجئ إلى حيّنا من أجل سواد عيوننا! والثاني مفاده أن رامبو شوهد في الحي وهو يحمل بين يديه كتاباً على غلافه صورة لكارل ماركس (جرت تكهنات كثيرة عمن أعطاه الكتاب، قيل إن الأخ الأصغر للمؤذّن هو الذي فعل ذلك، ثم جرى صَرْفُ النظر عن الأمر، وقيل في النهاية، إنه وصله من أحد الأشخاص من خارج الحي، وذلك كي لا تقع فتنة). 
لم يحفل رامبو بكل الكلام الذي راح يتطاير من حوله، ولم يقطع أهل الحي برأي جازم تجاهه. ظلت المخاوف تراودهم بين الحين والآخر، وظلت الآمال تعمر نفوسهم في الوقت نفسه، لعل مجيئه المباغت إلى الحي يهب الحيَّ منفعة ما، خصوصاً وهو يمتلك ثروة طائلة في بنوك أمريكا. (قيل إن رامبو جاء إلى حينا لتصوير فيلم حربي تبلغ تكلفة إنتاجه ملايين الدولارات، وسيحتاج في هذه الحالة إلى مئات الرجال والنساء، لأداء أدوار الكومبارس في الفيلم المنتظر) 
رامبو لم يحفل بالكلام، ولم يجهد نفسه لتوضيح أي شيء. كان يمضي قسماً من وقته وهو يلقّن كلبه بعض مفردات من اللغة الانجليزية قد تنفعه في قادم الأيام. الكلب أدرك أهميته كما يبدو حينما صار الأطفال ينادونه: كلب رامبو. صار لا ينبح مثل بقية كلاب الحي، يقعي على قائمتيه الخلفيتين، يرفع رأسه نحو السماء، ثم يطلق نباحاً ناعماً ممطوطاً متقطّعاً ثلاث أو أربع مرات في الليل، أما أثناء النهار فإنه، بعد الانتهاء من درس اللغة المضني، يمضي قسماً غير قليل من وقته نائماً مستغرقاً في أحلامه الخاصة. (مع ذلك، ظل كلباً طيباً محباً لأهل الحي) حمار رامبو أيضاً، لم يعد ينهق مثل حمير الحي. صار له أسلوبه الخاص في النهيق، وعند الضرورة القصوى لا غير، وحينما يركبه رامبو أثناء رحلته اليومية المعتادة في طرقات الحي، فإنه يمشي مختالاً ورقبته مشدودة إلى أعلى كما لو أنه حصان. وفي بعض الأحيان، يطيب له أن يهرول مسرعاً وأذناه منتصبتان، فيما تكاد قدما رامبو تلامسان الأرض، لعدم التناسب بين حجم الحمار وحجم صاحبه. 
بعد أشهر من إقامته في الحي، قال رامبو، للتخفيف من قلق الشبان: تعبت من التمثيل، نادوني سلفستر ستالون ولا تنادوني: رامبو، أرجوكم. زمّ الشبان شفاههم ولم يعجبهم كلام رامبو، تمنوا لو أنه لم يقل هذا الكلام، لأنهم سيجدون صعوبة في محو صورته التي تكرّست في أذهانهم طوال سنوات. صاح أحد الشبان: نحبّ صورتك التي عرفناها يا رامبو، ابقَ كما أنت. صاح شبان كثيرون بصوت واحد تقريباً: ابقَ كما أنت يا رامبو. لم يكترث رامبو لكلامهم. بدا شارد الذهن، سأله عدد من رجال الحي (كما لو أنه في مؤتمر صحافي): حضرتك شيوعي؟ قال: لا. هل ستعلن إسلامك في وقت قريب؟ لا. هل أنت متديّن؟ لا. هجم عليه عامل النظافة: شَتَبْ يُورْ ماوْثْ يا كافر! قبض أحد الشبان على ذراعه، ثبّته في مكانه، فلم يستطع الحراك، (بدا راغباً في ذلك خوفاً من رد فعل غير محسوب) لم يفكّر رامبو في أي شجار، واصل الاستماع إلى أهل الحي: حضرتك متعاون مع المخابرات الإسرائيلية؟ لا. أنت ضد الجدار؟ لا. هل تفكر في تمثيل فيلم حربي في الحي؟ لا.
مع مرور الوقت، صار رامبو مألوفاً في الحي، يركب حماره ولا يسأله أحد: أين تمضي؟ وفي وقت لاحق، أبدى عناية خاصة بنظافة الحي، صار يدور على البيوت بيتاً بيتاً، يدقّ على الأبواب، تطلّ عليه نسوة من مختلف الأعمار، يناولنه أكياس القمامة، (هذا الأمر أثار لغطاً كثيراً في البداية: كيف نسمح لنسائنا بالظهور أمام رجل غريب؟ ثم لم يلبث اللغط أن ذاب) يحملها ويذهب بها إلى الحاويات المركونة في طرف الحي، يضعها هناك تمهيداً لقدوم سيارة البلدية التي تحملها بعيداً. داوم رامبو على مهمته أحد عشر شهراً، توثّقت علاقاته أثناء ذلك بأهل الحي، وفقدَ، لأمر ما، ثلاثين كيلوغراماً من وزنه، ضمرت عضلاته، وأصبح نحيفاً (انهار حلم المنسّق بأسطورة هرقل الجبار) أخذت صورته التي عُرف بها على الشاشة تضمحلّ في الأذهان، ولم يعد بطلاً خارقاً، صار إنساناً عادياً، ما شجّع بعض أهل الحي على مناداته باسم قريب من قلوبهم: رام. 
ذات صباح افتقدنا رام ولم نعثر عليه. (ثمة من قال إن رامبو لم يجئ أصلاً إلى الحي. صدّق ذلك بعض الناس وكذّبه آخرون) ورغم ذلك، فإن كل الذي بقي في حيّنا منه، طفل ولدته امرأة عانس، له ست أصابع في يده اليمنى ومثلها في يده اليسرى. قالت إن رامبو تزوّجها سراً، وحلفت أغلظ الأيمان أن الزواج تمّ وفقاً للأصول المرعية. أكّدت ذلك، قابلة الحي التي سحبت رأس الولد من بطن أمه، وأقسمت أن هذه المرأة هي بالذات التي رأتها في الحلم، ولم تشأ أن تعلن اسمها على أهل الحي آنذاك، خوفاً عليها من حسد الحاسدات، وحرصاً على الحي من فتنة تأكل الأخضر قبل اليابس لا قدّر الله. 
_________

*روائي وقاص فلسطيني
– من مجموعته القصصية ” ابنة
خالتي كوندوليزا”.

شاهد أيضاً

من ماريا كازارس إلى ألبير كامو: ”حلمت بأني أجثو،ثم ينبعث صوتكَ،من أعلى محراب إيماني”

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *