الرئيسية / إضاءات / طرابيشي.. ترانيم روح مغتربة

طرابيشي.. ترانيم روح مغتربة



سامح إسماعيل



هاهو الفارس يلكز جواده أخيراً ليمارس ذلك العبور الحتمي إلى حيث لانهائية تتوق إليها النفوس التي اعتادت التحليق دوما خارج المسارات والأطر النمطية الضيقة. ربما غيب الموت جورج طرابيشي في تلك اللحظة الراهنة بكل ما فيها من ارتباك، ليمنحنا الفرصة لاستدعاء ذلك الرصيد المعرفي الذي خلفه في صمت ودون أن يثير أدنى جلبة.

ولعل أزمتنا المعرفية الراهنة بتساؤلاتها الإشكالية المزمنة حول التراث، قدمت لطرابيشي معطيات حاول توظيفها وهو يستخلص إجاباته، وبجهد نظري خالص توصل إلى مقاربات معرفية حاول من خلالها تفسير ذلك التعالي الغيبي للنصوص الثواني، قصد الوصول إلى فعل تأويلي يضع في اعتباراته قبليات القارئ وهوية المقروء وتاريخيته، هذا التموقع خارج سياقات الإرثوي تبدى بوضوح في كتابه “المعجزة أو سبات العقل في الإسلام”، حيث قام بتفكيك شبكة المقاربات الدوجمائية التي أحاطت بمركبات الثقافة العربية، وسبر أغوار التأطير الأيديولوجي الحاضن لرواية الحديث، الذي تحول بواسطة المنتج الفقهي المؤدلج إلى نص مقدس ومغلق، أحاط نفسه بسياجات ميثولوجية مفارقة، ليخلص في النهاية إلى أن منطق المعجزة الذي أقحم في السياق الإسلامي قوض كل مكتسبات الدين الجديد، فنبي بلا معجزة يطرح تجربته التاريخية بمنتهى العقلانية، كان يمكن أن يؤسس لمنطق مغاير بإمكانه احتضان مغامرة العقل العربي الأولى في طور بناء الدولة، تحول إلى معجز في كل شيء، فاستقال العقل العربي، ومضى يستمطر دوما عون السماء.

يمكن القول إن مشروع طرابيشي يملك ميكانزمات الاستدعاء، ولعله يطل علينا بين الحين والآخر، كلما دعت الضرورة، ولعل الجانب الأبرز في مشروعه الفكري هو ذلك التحليل السيكولوجي في رؤيته لعلاقة العرب بالتراث، وهو ما يتجلى في كتابه الأهم: ”العرب والتراث عصاب جماعي” حيث يشرح فيه تمثلات العقل العربي في تعاطيه مع التراث عبر تحليل بنيته الذهنية، وهو ما يجعل التجربة التاريخية التي غدت تجربة مفارقة هي الأخرى، معطى من معطيات العقل المستلب، الذي استبدل الهوية بالنص، وخلق من التراث عوالم مذهبية تشرنق فيها قرونا طويلة.

لا يسعى طرابيشي إلى (أرضنة) المفارق، وإنما يقدم تحليلا موضوعيا، لتشخيص الحالة، وهو ما يعنى (أنسنة) هذا المتعالي في محاولة جادة للتفسير، وهو ما يساعد على تغيير مسار هذا الحضور الطاغي للتراث في المشهد العربي وإخضاعه لشروط الراهن.

هنا يوظف طرابيشي التحليلات السيكولوجية النقدية، لتجاوز تلك النزعة الاختزالية الجامدة في تناول التراث، ويفتح آفاقا جديدة لاستدعاء العقل المستلب من سباته، وفتح مساحات لا نهائية للرؤية من خلال التحليل النفسي، وتتبع منطلقاته القائمة على وحدانية المطلق وتعاليه.

في الترجمة، حاول طرابيشي الوصول إلى مناطق جديدة، والخروج من الدوائر النمطية، حيث تمكن القارئ العربي من خلال ما قدمه، من الاطلاع على الأحدث، فتعرف على إيميل بريهييه، وكانت موسوعة علم الجمال الهيجلي من أبرز ما قدمه طرابيشي للمكتبة العربية، ولم يكن طرابيشي يعانى تلك النزعة الأنوية التي ربما تتلبس كثيرون من أرباب الفكر وهم يمارسون فعل بالترجمة، كان طرابيشي هو صاحب ذلك القلم المفرط في رشاقته، والصارم في أمانته، يوظف ذللك التراكم المعرفي في شرح المقاصد، وعرض رؤية الكاتب بموضوعية ودقة متناهية.

لعل المرتحل في عوالمه الجديدة قد آنس حريته التي مارسها على الورق، لتهب الإنسانية إبداعا ورقيا يسافر فينا ونرحل إليه كلما ضاقت بنا السبل، وبينما تصدح هنا ترانيمه التي وهبها للأحياء، تمنحه الأبدية سلاما ربما تاقت إليه نفسه كثيرا.

* القاهرة.

شاهد أيضاً

سيمون دي بوفوار.. روائية في عالم مابعد الحقيقة

*لطفية الدليمي   لن تنسى ذاكرتي الباريسية أبداً ذلك المشهد الدراماتيكي صيف عام 2008 عندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *