الرئيسية / إضاءات / فرجيل.. الشاعر الذي طالب بحرق ملحمته

فرجيل.. الشاعر الذي طالب بحرق ملحمته


*د . يسري عبد الغني عبد الله


خاص ( ثقافات )
فرجيل شاعر روماني شهير ، نظم ذات مرة قصيدة موجهة إلى صديقه إسينيوس بوليو ، تنبأ فيها بمولد طفل سيكون له شأن عظيم في إدخال عهد جديد من السلام والازدهار في ربوع العالم ، ولما كانت تلك القصيدة قد نظمت قبل ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) بحوالي أربعين سنة ، فإن المسيحيين الأوائل اعتبروا فرجيل رجلاً متنبئًا ، لأنه تمكن من التنبؤ بميلاد السيد المسيح .
وقد زاد من هذه الشهرة أن والدة فرجيل وكانت تدعى ماجيا ، وهي كلمة مشتقة من اللاتينية ماجوس ، ومعناها الساحر أو الساحرة ، أما اليوم فلا يظن أحد أن فرجيل كان ساحرًا ، إلا أن شهرته كواحد من أعظم شعراء اللاتينية قد زادت ونمت .
فرجيل الذي اعتبره الشاعر الايطالي / دانتي صاحب (الكوميديا الإلهية) ، آخر عظماء الشعر الوثنيين ، وقد اختاره دليلاً في كتابه (الجحيم والمطهر) ، عندما قام بالرحلة التي تخيلها إلى العالم الآخر ، وبالطبع لم يكن من الممكن اصطحاب فرجيل إلى الجنة لأنه لم يعمد أو لم يدخل الديانة المسيحية!!!.
ولد بابليوس فرجيليوس مارو ، يوم 15 من أكتوبر عام 70 ق . م ، وهي قرية صغيرة قريبة من مانتوا التي تقع في وادي نهر ألبو في شمال إيطاليا ، كان والده مزارعًا بسيطًا ، وقد عاش فرجيل في الريف الإيطالي حتى الثانية عشرة من عمره ، فنشأ شديد الحب للريف ، وقد ظهر أثر ذلك جليًا فيما بعد في الكثير من أشعاره التي تغنى فيها بجمال المناظر الريفية .
و بدأ فرجيل دراسته في كريمونا ، وعندما بلغ سن السادسة عشرة أرسل إلى ميلانو ، فمكث بها عامًا ثم انتقل إلى روما ، حيث التحق بإحدى مدارس أدب اللغة ، وبجوار ذلك درس الطب والفلك ، كما أنه حاول أن يعمل في مهنة المحاماة ، ولكن من الواضح أن هذه المهنة لم تكن تناسب طبيعته التي كانت تتميز بالخجل وغرابة الأطوار ، والواقع أنه لم يظهر في المحكمة سوى مرة واحدة ، ويبدو أنه خسر القضية التي كان يترافع فيها ، فكان ذلك سببًا في أنه غير خططه وعاد إلى مسقط رأسه شاعرًا بالخيبة والمرارة .
لم تكن حالة شاعرنا الصحية تتحمل الإرهاق ، ولهذا نجد أنه لم يشترك في الحياة العامة ، سواء كجندي أو كسياسي ، ومع ذلك فإن الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين أغسطس و بروتس ، على أثر مقتل يوليوس قيصر ، كانت سببًا في إلحاق الأذى به ، ذلك أن أغسطس أراد أن يكافئ جنوده المخلصين ، فأمر بمصادرة بعض الأراضي في منطقتي كريمونا و مانتوا ووزعها عليهم ، وكانت مزرعة فرجيل من بينها ، فصودرت ظلمًا وعدوانًا وطرد هو وأسرته منها ، وعلى ذلك اتجه مرة ثانية إلى روما ، ولكنه في هذه المرة كان أسعد حظًا من سابقتها .
كانت العاصمة روما تمر بفترة سلام وازدهار ، وكان الإمبراطور أغسطس ، تدليلاً منه على إحلال السلام ، قد أمر بإغلاق أبواب معبد جانوس ، التي لم تكن تفتح إلا في حالة الحرب ، كما أن النمو التجاري قد أضفى على المدينة المزيد من الثراء ، فازدهرت الآداب والعلوم والفنون ، وأقيمت أقواس النصر ، وشقت القنوات ، وشيدت المسارح التي لا يزال الكثير منها باقيًا إلى يومنا هذا .
وكان مايكناس ، أحد نبلاء الرومان في ذلك الوقت ، مشهورًا برعاية الشعراء والفنانين ، ومن بينهم هوراس الشاعر الروماني الأشهر ، وقد أصبح مايكناس وأغسطس راعيين لفرجيل ، ومنذ ذلك الوقت أخذ فرجيل يقسم وقته بين روما ونابولي ، وأصبح شاعر العهد الجديد الذي كان الإمبراطور / أغسطس قد شرع في إقامته .
لقد كان فرجيل يستلهم أشعاره بصفة خاصة من الريف ، وكانت باكورة أعماله ديوانه عن الزراعة ، ومجموعة أشعاره الرعوية ، وفيها يصف الحياة الآمنة في الريف ، كما يصف مختلف أنواع الزراعة ، وقد نظم تلك القصائد بناءًا على اقتراح أغسطس ، الذي كان يرغب في تنمية حب الريف في قلوب الرومان ، الذين جعلهم الثراء يحتقرون أعمال الفلاحة الشاقة ، وقد استغرق فرجيل في نظم هذه الأشعار وتنقيحها قرابة سبع سنوات ، فقد كان يقرض الشعر بتؤدة ، فيكتب أبيات في الصباح ، ويقضي باقي اليوم في صقلها وتصحيحها وتجويدها .
وقد أمضى فرجيل السنوات العشرة الأخيرة من حياته في تأليف أشهر أعماله وهي (الإنياذة ) ، التي حيى فيها تاريخ الرومان وعظمتهم ، من خلال أسطورة آينياس القائد الطروادي ، الذي يقال أنه كان مؤسس الشعب الروماني أو الجد الأكبر للرومان ، وقد أصبحت الإنياذة مصدر جميع المعارف للشعب الروماني ، بل يعتبرها البعض من كتب التنبؤات ، وقد كان الرومان يعتقدون أن الصفحة التي يفتح عندها الكتاب بطريقة عشوائية أو عن طريق المصادفة ، تشتمل على النبأ المرتقب ، والنصيحة المنشودة .
حل المرض بفرجيل ، كان ذلك خلال رحلة يقوم بها للشرق ، كان يأمل من خلالها أن يتم ملحمة الإنياذة ، وفي أثناء رحلة العودة اشتد عليه المرض ، وما أن وصل إلى برنديزي ، التي كانت لا تزال ميناء إيطاليا الرئيسية لليونان ، حتى شعر بدنو أجله ، وكان يحمل معه مخطوطات الإنياذة التي كانت لا تزال في حاجة للمراجعة والتصحيح والصقل .
وقد آثر الشاعر فرجيل ألا تنشر إحدى مؤلفاته بالحالة التي كان يعتبرها غير كاملة ، فأوصى بأن تحرق الإنياذة بعد وفاته .
كانت وفاة فرجيل في العشرين من شهر سبتمبر عام 19 ق . م بالقرب من نابولي على طريق أصبح اليوم مغمورًا بمياه البحر ، وقد أمر الإمبراطور / أغسطس بعدم تنفيذ وصية الشاعر فرجيل ، والتي طالب فيها بحرق الإنياذة ، وبذلك احتفظ لنا بإحدى روائع الشعر في جميع العصور .
وعلى قبر فرجيل توجد بعض أبيات من الشعر يقال إن فرجيل نفسه هو الذي كتبها ، وضمنها ملخصًا لتاريخ حياته وأعماله : ” لقد ولدت في مانتوا ، ومت في كالابريا ، والآن تحتضني نابولي ” ، ويقول أيضًا : ” لقد قلت الشعر في الرعاة ، وفي الزراعة ، وفي الأبطال ” .
وتحتفظ المتاحف الإيطالية بمجموعة رسومات معبرة ، نجد فيها فرجيل وهو يقرأ على مايكيناس بعض الأشعار الرعوية ، ونرى أيضًا الإمبراطور / أغسطس يحول بأوامره دون حرق مخطوطات الإنياذة مخالفًا بذلك وصية فرجيل . 
_________
* باحث وخبير في التراث الثقافي

شاهد أيضاً

حوارات مع جوليا كريستيفا

   حوارات مع جوليا كريستيفا :   إبداع المفاهيم،التحليل النفسي،مجالات البحث، فرديناند سيلين…         …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *