الرئيسية / إضاءات / فاطمة المرنيسي..الكتابة تحت السرّة

فاطمة المرنيسي..الكتابة تحت السرّة


*لؤي ماجد سلمان

لم تكن فاطمة المرنيسي ضد الديني وإن كانت ترى في الحجاب وسيلة لإيذاء المرأة اعتمدها المنافقون. دافعت عن موقف الإسلام من المرأة لكنها وجدت العلة في وعي المسلمين التقليدي.

منع الكتب المستخدم في البلاد العربية بمثابة الوحي الذي يوحي إليك ويأمرك أن: «اقرأ» فالمنع أول وسيلة لترويج الكتاب وتعريف القارئ العربي به، الوسيلة الأكثر احتفالية للتبشير بأن هنالك كتاباً ستجده مخبأً في مكان ما وتشتهي اقتناءه، هذا السبب الحقيقي الذي حرّضني على اقتناء كتب فاطمة المرنيسي؛ بالطبع كانت النسخ التي اقتنيتها من تلك غير الأصلية، فكلها كانت نسخاً مصوّرة، إلا أنها كانت تتداول وتجدها في المكتبات الكبيرة المهتمة بالقضايا الكبيرة والفكر العلماني، ومجرد ذكر اسم الراحلة على الكتاب تتنبأ أنك ستقضي رحلة شيّقة أهم سماتها الرفض والإطلاع على رؤى جديدة تخص الإنسان العربي والمرأة بالتحديد.
رحلة في الماضي حول المفاهيم الثابتة لكن برؤية معاصرة، وان كانت أغلب دراستها ونضالها موجهين للحرملك الذي خرجت منه في المغرب العربي، إلا أن أحداً لا يمكن أن يفصل تأثير الدين على المجتمع والمرأة في البلاد العربية والإسلامية قاطبة، سواء من خلال تسلط النخب الذكورية، أو الشريحة الواسعة لطبقة الجواري التي تضم بين طياتها الفلاّحة والعاملة وربّة الأسرة.
هوية مشوهة
أهم ما أثار الجدل في مؤلفات (المرنيسي) خرق السائد والخطوط الحمراء، فكل ما كان محظوراً ومحرّماً هاجسها تعلّق بالمرأة، فقد ركّزت صاحبة (الحريم السياسي) في أبحاثها ودراساتها على علاقة المرأة مع المجتمع من الناحية الاقتصادية، والعلاقة الزوجية التي لازالت مرتبطة إلى اليوم وفي كثير من المجتمعات بمفهوم الأب المضطهد للمرأة، ومفهوم الحجاب، والعمل بعيداً عن مفهوم اقتصاد الفرد لأن الاستغلال لم يكن حكراً على مجتمع المدينة الذي حاول استغلال حاجتها، بل يمكن التأكيد على الدور البائس الذي لعبته المرأة الريفية بشكل مجاني من غير أي مردود خاص بها لخدمة الرجل والعائلة والحيوان والطبيعة والعادات المتوارثة، مستخدمة منهجها التنويري والأفكار العلمية لتطهير النص الكلاسيكي وتقديمه برؤية معاصرة معتمدة على البحث والبرهنة وتقديم الدليل من المصدر ذاته الذي اعتمده البعض لتقييد الفكر، فكان القرآن والأحاديث التي شككت بصحة بعضها أهم مصادر (المرنيسي) ناهيك عن (الشريعة) التي كانت تعتبرها المتهم الأول في الوضع المزري الذي عاشته المرأة العربية، سواء من ناحية المساواة بين المؤمنين «الرجل والأنثى» التي طرحتها العقيدة، وبين عدم المساواة بين الزوج وزوجته المؤمنة، وكيف تكون هذه المساواة بعد تأطير الأنثى ضمن مفاهيم العفة والجنس.
لم تبرّئ صاحبة «ما وراء الحجاب» الأنظمة السياسية والديمقراطيات المشوّهة التي أنتجتها تلك الأنواع من السلطة؛ من مسؤولية تدهور النظم الاجتماعية والاقتصادية وزج المرأة في المجتمع كسلعة أو جارية مجردة من أي سلطات، خاضعة في الوقت ذاته لسلطة الذكر سواء داخل نطاق الأسرة أو خارجها والتي أنتجت بشكل طبيعي هوية ممسوخة للمرأة العربية وأظهرتها ككائن جنسي محتقر.
السفور والسترة
من أهم القضايا الإشكالية التي طرحتها أستاذة علم الاجتماع «الحجاب كظاهرة دينية» وضرورة تحرر المرأة العربية من عقبة تقف في طريق تقدمها وتحرمها من المساهمة في بناء مجتمع سليم معافى يعتمد على التحليل اللغوي والتاريخي، مجتمع مبني على عدم التفريق بين الذكر والأنثى يؤمن بتكافؤ الفرص، الحجاب حسب مفهومها ليس السبيل لستر العورة بل لستر الحياة والحرية فقط، واضعة هذا النوع من التشريعات في قفص الاتهام بحجة تناقضها مع مبدأ الحرية التي طرحها الإسلام في رسالته، المؤسف في الأمر أن الاستعمار هو من ضغط على الحكومات الإسلامية من أجل منح الفرد الحريات الشخصية والحقوق التي منحه إياها الإسلام، ففي العودة إلى ما ناقشته الباحثة في هذا الخصوص نجد أن الحجاب أعطى التبرير للاغتصاب على اعتبار أن من لم تكن تضع الحجاب ليست من الأحرار ومباح اغتصابها فالآية المعروفة طلبت من خاصة النبي من النساء والمؤمنات «يدنين عليهن جلابيبهن» وهي إشارة إلى أنه لم يطلب من الجميع وضع الحجاب، إضافة إلى أن البعض اعتبر فعل «يدنين» حسب التفسير لا يلزم ستر الوجه لغة أو عرفاً، وأن الحجاب جاء كعلامة تمييز بين الحرة والعبدة، حتى أنه ذكر عن الخليفة (عمر) أنه إذا شاهد أمَةً مختمرة، فضربها وقال: «أتتشبهين بالحرائر؟» فالعبد كان مسموحا إيذاؤه ويمكن اعتبار الحجاب رتبة فخرية في ذلك الزمان أو زياً يميز بين الأشراف والعبيد حسب مفهوم ذلك العصر؛ الأمر الذي جعل (المرنيسي) تعتبر الحجاب (انتصاراً للمنافقين الذين امتلكوا مساحة لإيذاء المرأة بحجة أنها غير محجبة)، والحقيقة التي لا لبس فيها أن البعض في هذا القرن يسير على هذا النهج في أغلب الدول العربية؛ إذ تعتبر المرأة غير المحجّبة مشاعاً لأشخاص مخصيين فكرياً ونفسياً توقف تفكيرهم في حدود ما تملي عليهم غرائزهم البهيمية.
كان من الطبيعي أن تزعج هذه الطروح والأفكار من يدّعي الفقه والعلم، لكن لا بد من الجرأة والثورة حتى تتحرر المرأة من التسلط والقمع والقهر والإقصاء وهذا تماماً ما تجلى في أبحاث ومؤلفات (فاطمة)، لكن لا بد من الانتباه إلى أنها لم تحاول إقصاء الإسلام أو نفيه أو حتى اتهامه كما فعلت نظيراتها في حركات التحرر؛ بل حاولت ربط الحداثة بالتراث الإسلامي من خلال سبر النصوص الشرعية لتؤكد دفاع الإسلام عن المرأة وتنفي المفاهيم البائدة التي اتخذت من الأديان غطاءً لإخضاع المرأة وفق مفاهيم سائدة: «الحرمة، الحجاب، التأثيم، ضلع الرجل الأعوج الضال».
التناقض والتحول
لا يمكن أن نقبل الاتهامات التي وجهت إلى (المرنيسي) خاصة التي ادعت أنها ابنة ثقافة غربية سفهت آراء العلماء والرواة والصحابة، وهاجمت الأحكام الشرعية وجرّحت فيها وأساءت لفكر الإسلام وما إلى ذلك من اتهامات، لاسيما أنها درست الكتب السماوية واستخدمتها كحجة ودليل إدانة، كما أثبتت في دراستها الكثيرة ويمكن الجزم أنها لم تكن ضد الإسلام ولم تقف على الحياد بل انحازت في أغلب أبحاثها للإسلام، إذ استشهدت برأي (العلماء) المسلمين بأشياء تخص العقل والعاطفة بينما اتهمت علماء الغرب أن فهمهم للعاطفة مشوّه لأنهم اعتبروها حالة مرضية، واستشهدت بأحاديث وآيات، لكنه قدر كل من يريد كسر قيد العادات والرقابة الصارمة، هي ذاتها السلطات في المجتمعات العربية سواء دينية أو سياسية؛ والتي تخلق عدوّاً لها وتناصبه الخصومة وتكيل له التهم؛ طالما يريد كسر الجليد وتحريك المياه الراكدة ويناضل للدفاع عن حقوق الفرد؛ فكيف إن كان العدوّ (عورةً) كلها، تريد الوقوف ضد سلطة المجتمع الذكوري وتسيّده، امرأة ناقصة عقل ودين حسب المفهوم العربي والإسلامي للأنثى.
لا ننكر أن (المرنيسي) تجاوزت المحظورات الثقافية والاجتماعية والدينية وسخّرت الشريعة والثقافة المكتسبة والمكان والزمان لخدمة قضيتها، لتثبت أن الفضاء مهما تغير لا يمكن أن يغير هواجس الذات ومعاناتها من الموروث القابع داخلنا، إنها إشكالية المرأة مع المجتمع، مجتمع عربي وإسلامي يرفض أي تغيير منذ سالف الزمان، وما تأرجحها بين الشرق والغرب إلا بسبب التطور المعرفي المكتسب للإنسان البعيد عن النموذج التقليدي الناتج من تراثنا المعقّد دينياً وأخلاقياً وفكرياً، وربما ما ميزها أنها استطاعت استثمار التحرر من رقابة السلطات الدينية والاجتماعية والسياسية وتسخير الانفلات الجغرافي لاختراق كل ما هو محظور وإشكالي في مكان الحدث الواقعي؛ بل ويخدم قضيتها النضالية الاجتماعية، لكنها لم تبتعد عن جذور الاستبداد الذكوري في الثقافة العربية.
في الثقافة الغربية ناضلت صاحبة (أحلام النساء الحريم) أيضاً ضد الاستبداد الذكوري عبر كتابها «شهرزاد ترحل إلى الغرب» لتبين للقارئ المكانة التي منحتها الثقافة الإسلامية للمرأة مقارنة مع ذكورية الغرب وعلاقته بنساء الشرق. ومع أن الفكر الغربي وإيديولوجياته سيطر على فرضيات وبحوث واستنتاجات المرنيسي؛ ودفع غلاة النسوية للاحتفاء بمواقفها ومؤلفاتها – إلا أن ذلك لم يمنعها من نقد وضع «حريم الغرب» وفقاً للمنهجية التحليلية الغربية ذاتها، معتبرةً أن الاهتمام بالمرأة الغربية فقط في مرحلة شبابها ونضارتها، بينما تعيش العزلة باقي حياتها على هامش غير محدد المعالم بعد تلك المرحلة هو انتهاك أخلاقي؛ مبرهنةً أن الاستبداد الذكوري واحد في الشرق والغرب، وأن حالة الاستبداد التي يحاول الغرب وصم الشرق بها – خاصة من خلال مفهوم الجنس – فالرغبة الشهوانية واحدة، والغرب لا ينظر للمرأة الشرقية أكثر من «شهرزاد» اللاهية على سرير شهريار؛ ومن نظرته تلك لمفهوم الكائن المحروم من الحقوق والاستقلالية، أتى مفهوم الحريم في الشرق بالنسبة للغرب وارتبط بالتاريخ وقصور الخلفاء وأولي الأمر؛ الذين كانوا يتخذون المرأة العربية جاريةً وقيناً لعوبا.
هي قراءة جديدة للتراث بأسلوب جريء اعتمد على كسر التابوهات، ونقد الفكر الذكوري التقليدي من خلال التقرّب من الخصم وإعلان مصادقته، ولا يمكن أن تصنّف دراسات (المرنيسي) وبحوثها مع أطروحات التحرر المفرط الذي نادى به بعض رواد الحركات التحررية في الغرب؛ والذي كان أن انتقدته عالمة الاجتماع الراحلة كما أسلفت؛ فلقد حاولت اللعب ضمن مساحة وحدود الأطر الشرعية لتفكيك السلطوية الذكورية في الوعي الإسلامي التقليدي؛ والذي استخدم الدين والشريعة للهيمنة على المرأة، بالحق كانت (المرنيسي) دعوة للبحث عن الحقيقة في مناطق مظلمة وتاريخ مقفل بعقول مغلفة، كانت دعوة للتفكير.
________
*السفير

شاهد أيضاً

جماهيريّةُ الشاعر تميم البرغوثي

*فراس حج محمد   في حديث سابقٍ عن الشاعر مريد البرغوثي استدعى أن أعرّج قليلاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *