الرئيسية / مقالات / مهنة الحرب

مهنة الحرب


*علي المقري


يبدو لي أنّ العرب سيحتاجون لسنوات طويلة قادمة إلى أقبية بصل، في كل مدينة يحلّون بها، لممارسة حق البكاء فيها، كما عمل شخوص قصّة «قبو البصل» لجونتر جراس؛ إذ يجتمعون لتقطيع البصل ويبكون!
فلم يعد هناك من قاسم مشترك يجمع بين العرب سوى البكاء على أحوالهم، فما أن يجتمع يمني وسوري وعراقي وليبي إلّا ويحضر البكاء، البكاء وحده، وإن لم يظهر في عيونهم. 
لقد امتلأت مدن وقرى هذه البلدان العربية بالمقاتلين من مختلف الميليشيات المذهبية والحزبية والجهوية والعشائرية القبلية ولا صوت فيها يعلو فوق صوت القذائف والرصاص. جميعهم يقاتلون باسم الله والوطن والوحدة ولا يتفقون سوى في فعلهم التدميري لمدنهم وقراهم.
يصرخون: «والله لنقاتل حتى آخر فرد منّا» دون أن يقولوا لنا ما الذي سيجنونه بعدها؟. 
لكن هناك أشياء كثيرة تختفي وراء هذه الكلمات الشعاراتية، حيث أصبحت الحرب مهنة للكثيرين، فالبعض يقومون بقصف المدن والقرى عشوائياً مستهدفين ترويع السكّان ليخرجوا من منازلهم ومن ثَمّ يعملون على نهب محتويات هذه البيوت.
هناك أيضاً تجّار أسلحة وسياسة يجدون في فشل الدولة فرصتهم للعيش، ولا يهمّهم بالتأكيد انتصار ميليشيا على أخرى بقدر ما يهمّهم مواصلة الكسب. هذا الكسب يتحقّق لهم عبر بث الكراهية أكثر بين كلّ الأطراف المتحاربة. فتراكم الخيبات بهذه الأوطان حوّل الكثيرين إلى كتلة من الضغينة، إلى أجساد أحقاد تمشي على الأرض ولا تقبل سواها. لهذا وجدوا أن مكانهم اللائق هو جبهة الحرب.
وهكذا يعيش السكّان الذين لم ينزحوا بعد بلا كهرباء وبلا ماء، وأحياناً بلا محلّات مفتوحة لشراء احتياجاتهم. لا محطات للبترول تملأ سيارات عابرة لتقلّ مرضى أو نازحين، لا مستشفيات تستقبل المرضى، ولا صيدليات لبيع العلاج، لا طريق آمناً للخروج ولا باب. 
هناك ملايين من العرب شرّدتهم القذائف، فقذف بهم البحر إلى أماكن بعيدة عن أوطانهم ومساكنهم، أو إلى خيم لا خدمات فيها أو رعاية. وأغلب هؤلاء لم تكنْ لهم أي علاقة لا بسُنّة أو شيعة، لا بجهة أو وجهة. فقط كانوا يعيشون فداهمهم الموت السلطوي الميليشياوي. حتى يمكن وصف أي عربي ما زال عائشاً، من هذه البلدان، بأنّه عبارة عن جثّة متحرّكة، أو أنّه، في أحسن الأحوال، يعيش في الوقت الإضافي الضائع من عمره.
ولهذا، حين يسافر واحد من هذه البلدان يقولون له «تروح بالسلامة» فقط! بعد أن كانوا يقولون له «تروح وترجع بالسلامة».
وما أظنّه، أن عواصف الحروب الحالية عصفت بكثير من المفاهيم المتراكمة في تاريخ وواقع المجتمعات العربية، كما أثارت الكثير من الأسئلة حول الأفكار والمفاهيم، كمفهوم الوطن والعدو والسلطة ومن نحن وما الآخر. ولم يعد هناك أي مجال لبلاغة فكرة وتحذلق رأي. فصار من الواضح للمتفحّص أن كل هذه الأحوال ليست دليل حياة لما قبل الدولة الوطنية، وإنما الدليل على انهيار سلطتها، والبرهان على فشلها، فشل أيديولوجيتها وممارساتها. ومن ثَمّ ليس هناك من أعداء في هذه الحروب، فإذا كان من الممكن القول بأنها حرب دوليّة، حرب أهليّة، حرب مناطقيّة (جهويّة)، حرب مذهبيّة، حرب قبليّة، حرب مدن، حرب شوارع، حرب حارات، حرب أزقة… إلخ فإنّه أيضاً يمكن القول بأنّه لا يوجد أعداء في هذه الحروب سوى نحن. 
كان أحد فلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر واسمه غبريل دو مابلي قد قال «إن الحروب الأهليّة قد تكون في بعض الأحيان علاجاً شافياً للمجتمع»، لكنني أظن أنّه لو رأى ما حدث ويحدث في العراق وسورية وليبيا واليمن لغيّر رأيه. 
لقد صارت الحياة، مع الحرب، مختزلة ومقطّرة بالألم. ويبدو أنها ستبقى، وإلى الأبد، غير آمنة للذين عاشوا هذا الجحيم.
________
*الدوحة

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *