الرئيسية / نصوص / مساواة افتراضية

مساواة افتراضية


*عبد الرحيم التوراني


خاص ( ثقافات )
في حانة فندق “وَانْ لوفْ”، جلس الفيلسوف على الكرسي الطويل أمام الكونطوار، وعيناه شاردتان. يستمتع بالتدخين وبالشرب بعد ليلة حب صاخبة. 
مر وقت قبل أن ينتبه إلى صاحبته الحسناء الفارعة التي تقف جنبه، تدندن بكلمات موسيقى “الرًّيغي” المبثوثة في الفضاء. 
عندما لعبت الكؤوس برأسه، التفت إليها:
– تصعد الأرواح إلى السماء فيتغير شكلها، ويصبح لها معنى جديدا. هذا هو بحثي القادم…يا روحي…
وبشفة مبتلة، قبل يدها ذات الأصابع الطويلة والنحيلة. تماما كما يفترض أن تكون يد “مانكان”.
بدلال وغنج تتقن استحضاره، حركّت الجميلة رأسها، مصطنعة الفهم والموافقة. ثم مدت يدها إلى علبة السجائر..
أشعلت السيجارة، وتابع هو الكلام:
– لكن ماذا سيكون رأيك إذا أخبرتك أن السماء افتراضية غير موجودة، أين إذن تذهب الأرواح؟
ثم أطلق ضحكة عالية وأتمم تساؤله الساخر:
– ترى إلى أين ستروحين يا روووحي…هههههه… 
عقدت اللعوب حاجبيها، طلبت من النادل العجوز كأس ويسكي آخر. وهي تحدق باستغراب في هيأة مخاطبها، كأنها تراه أول مرة.
نزل هو من كرسيه العالي، بدت هيأته أقصر. وبعد أن مرر أصابعه بين شعيرات لحيته الخفيفة، رفع رأسه صوب سقف الحانة، ملاحقا دخان سيجارته:
.. – هذا هو السؤال… كل شيء افتراضي
صدرت من الحسناء قهقهة ماجنة، حتى احتد الرجل غضبا. تبدلت ملامحها الجميلة. في لحظة تحولت إلى شر منذر.
ثم اتجهت إلى صاحبها:
– قل لي. بالله عليك من أين تجيء بمثل هذا الكلام؟
. – من السماء
– لكن السماء افتراضية.. أنت من يقول..
– نعم.. والأرواح كذلك. والليل والنهار وأنت وأنا. كل شيء افتراضي.
– افتراضي؟ تقصد وهْمٌ في وهْم..؟ 
والسيجارة في فمه حرك رأسه.. علامة الموافقة.
وضعت كأسها فوق الكونطوار وشدت بخناق الفيلسوف..
– لا تكن افتراضيا قبل أداء ما عليك… وبعدها تبخر أو حتى مت.. وافعل بروحك ما تشاء أيها النبي المزيف … 
قاوم قبضتها، وبصوت مختنق:
– عودي إلى صوابك يا سوسو.. سوسو .. سو.. توقفي.. أرجووووك يا روحي …
علت قهقهتها المجنونة أكثر من المرة السابقة:
– سأفترض أنك مجرد نصَّاب ينوي سرقة عرق عاهرة مسكينة. هذا هو عين الصواب.. هكذا فقط يمكنني أن أتساوى معك.. حتى أؤمن بنبوءتك.
______
*أديب من المغرب.

شاهد أيضاً

مطر مشاكس..قصة قصيرة

خلود المومني  سيدة الثلاثين الطاعنة في الوجع ،أيقظت الديك من نومه على صوت حركتها المستعدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *