الرئيسية / مقالات / الغيطاني وفِقْه الفراق

الغيطاني وفِقْه الفراق


*خيري منصور


قبل سبعة أعوام ربما كانت الأعجف في تاريخنا الحديث، رحل محمود درويش وكان قد قال في أمسيته الشعرية الوداعية: من أنا لأخيّب ظن القدر، فما من قلب يحتمل مليون عصفور حتى لو كان قلب شاعر، لهذا صرخ محمود في المرة الأولى التي خذله فيها قلبه: أيها القلب الكلب، وجرّب كما قال الموت لأقل من دقيقة فرأى البياض البكر، وفي المساء الذي احتجب فيه القمر خلف سحابة سوداء، لحظة إعلان رحيل محمود درويش، كان جمال الغيطاني معنا في منزل الصديق نبيل عمرو في المعادي، وهو الذي عانى كمحمود وسائر السلالة من قلب خذله وهو يعدو نحو نفسه، وكان جمال قد أجرى جراحة واسعة أو غليظة، كما كان يسميها لقلبه، وحاول أن يتأقلم مع ظرف جسدي، حرمه من الاستغراق في حوار أصدقاء مدخنين كنت أحدهم، وفي ذلك المساء تداعت الذكريات حول محمود وما أكثرها، وفي اليوم التالي كان جمال قد أنهى مقاله أو مرثيته لمحمود بعنوان فقه الفراق، وها هو الفراق يشمله أيضا، كما سيشمل الجميع، فالذين سيموتون هم وحدهم الأحياء، لأن الموتى نجوا من الموت، وتلك هي المفارقة الأبدية.
عرفته منذ كان ينهي مادة كتابه «حراس البوابة الشرقية»، واستوقفني بقوة حماسه لمشروعه الروائي، فقد جعل الكتابة فوق الحياة، وعاش ليكتب أكثر مما كتب ليعيش، لهذا أخذه فائض الأشواق إلى الماضي بأطلاله ونصوصه وما تبقى فيه من أزقة على قيد الحياة، فكان دليلا مزدوجا لأصدقائه كلما سمع صرير البوابات الشائخة في الجمالية والحسين والسيدة، ودليلهم أيضا في الكتابة، خصوصا في «التجليات» حيث كان لا بد من اجتراح لغة أخرى تليق بالمقام.
ولأن القاهرة اتاحت لي أن أكون جارا حميما لمن قرأت لهم في صباي، فقد دفعني ذلك إلى إعادة قراءتهم بعد أن أصبح لدي من القرائن ما يشحذ الفضول ويعزز هواجس الكشف. لكن ما الذي حفّز الغيطاني إلى تلك الهجرة باتجاه عالم له حفيف صوفي؟ وهل هي واقعية تاريخية تتفوق على التسجيل لتصبح فائقة حسب تعبير الناقد البيريس؟
لقد أجاب الغيطاني نفسه على مثل هذه الأسئلة، لكن على نحو غير مباشر، فهو ربيب أمكنة في القاهرة هي أزمنة بامتياز، فالسطح السياحي لعاصمة صاخبة قد يستدرج ويغوي كتابا ذوي رؤى سياحية وأفقية للعالم، ولعلّ نزوع الغيطاني إلى استبطان المكان وقراءته من داخله هو ما دفعه إلى تلك الهجرة، التي لم تكن قطيعةً تاريخية أو وجودية أو حتى سياسية مع الواقع العربي برمته، وحين اختار عنوانا ذا دلالة لأحد أعماله الأخيرة، وهو «نوافذ النوافذ» كان يشي لقارئه بأنه بلغ من النضج ما يكفي لأنه يكتب رواية الرواية. وليس الرواية فقط، بحيث يتسرب بوعيه عبر مسامات المخطوطات والجدران إلى ما هو أعمق وأبعد من المرئي بالعين المجردة.
لم يكن انجذابه إنسانا وكاتبا إلى ما توارى من مصر إلا تعبيرا عن أشواق للوصال مع أسلاف عبروا لكنهم لم يغبروا، فكل طلل أو حائط يجاهد لمنع السقف من السقوط ترشح منه كلمات مات أصحابها لكنها لم تمت، وذات يوم قلت له إنني أنوي عقد مقارنة بين ما كتبه عن نجيب محفوظ وما كتبه أنيس منصور عن العقاد، لأن الفارق بين العقاد ومحفوظ انعكس بقوة على كل من أنيس وجمال، لأن المكتوب عنه أحيانا يفرض إيقاعه وليس لغته فقط على الكاتب، لكنني لم أفِ بذلك الوعد وإن كنت أراه الآن دَيْنا علّي.
والافتراق بين ما كتبه جمال عن نجيب وما كتبه أنيس عن العقاد يتخطى الأسلوب والمعجم اللغوي معاً إلى ما هو أبعد من ذلك، فكتابة الغيطاني محسوسة وليست مجردة واستقرائية لمحفوظ أكثر مما هي قراءة، وما كتبه أنيس منصور يميل إلى تصوير الأجواء المصاحبة للعقاد وصالونه ومريديه أكثر مما يميل إلى نصوصه، لهذا بقيت الكتابة عنده وفية لعنوانها وهو صالون العقاد وليس العقاد ذاته.
الغيطاني من جيل ولد على تخوم الحرب العالمية الثانية، وشهد حراكات وثورات، وانتصارات وانكسارات، إنه جيل كان يلثغ بالنشيد الوطني في ثورة يوليو/تموز وتتضح مخارج الحروف من شفتيه أثناء العدوان الثلاثي على مصر، وهو أيضا الجيل الذي عاش هزيمة يونيو/حزيران وانتصار اكتوبر/تشرين الأول فهو جيل محظوظ بالتراجيديا لكنه سيئ الطالع في رؤية أحلامه تتحقق، ومما أثرى تجربة جمال الغيطاني عمله كمراسل عسكري في عدة حروب، لكنه لم يكن أسير تلك التجربة بحيث ينهل منها فقط وتأخذ ذاكرته شكل خوذة، تماماً، كما هو الحال بالنسبة لهمنغواي الذي كانت الحرب بالنسبة إليه منجماً لشخوص وحكايات ومواقف، لكنه لم يتوقف عن النّمو الروائي عند تلك المرحلة، فعاد إلى الحياة بكل ما فيها من سخاء وشحة وعنفوان وخمول، نعرف أنه ما من أوان للرحيل، بحيث نقول إن الغيطاني غاب قبل أوانه، لكنه ككل من لدغوا بشهوة الإبداع مبكرا، والذين يشمون رائحة موتهم بأنوف مدربة على التفريق بين خشب التابوت وخشب السّرير، هؤلاء يحاولون السباق مع الوقت فيكتبون بغزارة ودونما انقطاع أو ملل قبل أن تخذلهم قلوبهم.. هذا ما فعله محمود درويش الذي قال في أمسية الوداع من أنا لأخيب ظن القدر، وما قاله غسان كنفاني عندما عاد إلى حيفا قافزا على الجبال من قمة إلى أخرى قبل أن يعود أحد منا إلى مسقط رأسه!
إنه فقه الفراق الذي لن ينجو منه غير الموتى!
_____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

العلم كلمة سرِّ عصرنا

*لطفية الدليمي كثيرةٌ هي المرّات التي سمعنا فيها عبارة ( العلمُ نورٌ ) وهي تجري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *