الرئيسية / نصوص / أختي أمينة.. المرأة حينما تكون ضحيّة (4)

أختي أمينة.. المرأة حينما تكون ضحيّة (4)


*محمود شقير


خاص ( ثقافات )
الحلقة الرابعة
1
كانت في الصف السادس الابتدائي، حينما رأيتها وهي قادمة من المدرسة تتوسط عدداً من البنات. هي أطولهن قامة وأكثرهن تميزاً، تضع حقيبتها على صدرها وتقبض عليها بكلتا يديها. وهي في الصف الذي لا صف بعده في مدرسة القرية. وهي متميزة في دراستها، وعلاماتها في المدرسة هي الأعلى، وهي تطمح إلى الدراسة في المدينة بعد انتهاء السنة الدراسية. ولم أكن معنياً بأن تذهب للدراسة في المدينة.
جاءت معلماتها لزيارتنا (واحدة منهن اسمها رشيدة الدجاني، غادرت القدس إلى عمان بعد نكسة حزيران، وأصبحت ممثلة معروفة، وشاركت في عدد من المسلسلات التلفزيونية). هي وجهت الدعوة إليهن ونحن وافقنا على ذلك. أثنت المعلمات عليها أمام أمي وأمامي. ولم يكن أبي في البيت. 
انتهت السنة الدراسية، ولم نسمح لها بالذهاب إلى مدرسة المدينة. المزاج المحافظ المسيطر على الأسرة وعلى القرية فعل فعله هنا. ولم يكن أبي وحده الذي لم يتشجع لذهابها إلى المدينة. أمي أيضاً لم تتشجع، وأنا لم أتشجع. وأمينة لم يعجبها هذا الموقف الذي اغتال طموحاتها الصغيرة. أمضت ليلة كاملة في مخزننا الشرقي، تبكي ولا تنام احتجاجاً على موقفنا، ولم يستجب لاحتجاجها أحد، فأقلعت عن الاحتجاج. رمت المدرسة من خلف ظهرها واستكانت لمشيئة أهلها. 
تشكلت المدينة في وعينا باعتبارها مكاناً حافلاً بالغموض، وبالأشياء غير المتوقعة التي قد تتعرض لها البنات. اعتقدنا أن ذهاب فتاة في سن المراهقة إلى مدرسة في المدينة سيجعلها عرضة لكلام الناس، وسيعني محاذير قد تقع للبنت وهي تركب الحافلة التي تأخذها إلى المدينة، وسيعني تخوفاً من أبناء السوء الذين قد يظهرون للبنت أثناء مغادرتها للمدرسة. ثم إن أبي وأمي كانا على قناعة بأن تعليم البنت ترف زائد ونوع من الكماليات التي لا لزوم لها، لأن ذهابها إلى العمل بعد التخرج في المدرسة ليس وارداً، كما أن مصيرها معروف: البقاء في البيت إلى أن يأتي ابن الحلال الذي يتزوجها، ويبقيها في بيته خادمة مطيعة.
أصبحت تقضي كل وقتها في البيت تساعد أمي في شغلها المنزلي، وفي إحضار الماء من بئرنا الغربية، أو من البئر البعيدة التي تذهب إليها حينما ينضب الماء في بئرنا، مع سرب من بنات العائلة، لجلب الماء في تنكات من الصفيح، يحملنها على رؤوسهن مسافة كيلومتر واحد أو أكثر قليلاً. وفي أوان نضج التين، تذهب إلى كرمنا، تقطف التين عن شجرنا وتعود به إلى البيت. ويبدو لي الآن أنها انهمكت في شغل البيت لكي تنسى طموحها الذي وأدناه. ولم أعد أراها حتى ونحن نعيش في بيت واحد، كانت تنزوي عن ناظري، أو لعلني كنت لا أجد ضرورة لكي أراها، فأظل متخففاً من أي شعور بالمسؤولية تجاهها. 
غير أنني رأيتها حينما جرى حديث في بيتنا عن معلم في مدرسة القرية يرغب في طلب يدها. لم أكن أعرف ذلك المعلم، ولم أر خلقته أبداً. قيل يومها إنه كهل متقدم في العمر وهي صبية، وربما كان متزوجاً ثم انفصل عن زوجته، وهذا بحد ذاته أمر يدعو إلى التحسب والقلق. ظلت صامتة أغلب الوقت، لم توافق على الارتباط بهذا الشخص ولم ترفضه. انتظرت جوابنا نحن الذين نقرر مصيرها نيابة عنها. أخيراً، لم نوافق على ذلك لاعتبارات كثيرة. ولم أدر يومها كيف كانت مشاعرها تجاه هذا الأمر. 
رأيتها مرة أخرى حينما تزوجتُ وأنا في العشرين. وهي آنذاك في السادسة عشرة، طويلة القامة رشيقة سمراء. رأيتها ترقص وسط النساء هي وأختى التي تصغرها بثلاث سنوات. ترقصان وأنا أراقبهما من موقعي إلى جوار عروسي التي جئنا بها قبل ساعة، من بلدة صويلح المجاورة لمدينة عمان. كانتا ترقصان في رشاقة أثارت إعجاب النساء. 
ثم رأيتها بعد زواجي بأشهر وهي تلازم زوجتي وتتخذ منها صديقة لها. آنذاك، بدأتُ أدرك شيئاً من حقوق النساء بعد أن أصبح لي انتماء سياسي. صرت أحدثها أحاديث عامة عن النضال وعن المساواة بين المرأة والرجل، وهي تصغي بانتباه. لكنه إصغاء لجهة التصديق والإذعان اللذين لا يطلبان حقاً في الاختلاف أو في التوقف عند ما يقال وما يجري على أرض الواقع، وبالذات في بيتنا الذي لا يعترف بحقوق النساء ولا بالمساواة معهن. إنها على استعداد للتجاوب مع هذا الجديد الذي أعرضه عليها، إلا أن حركتها محكوم عليها بأن تبقى داخل البيت، فما نفع الأفكار الجديدة حينما تصبح مجرد تمنيات طيبة أو تطمينات؟
ولم تحجب عنها هذه الأفكار مصيرها الذي أوصلناها إليه.
2
لو أنها تمردت على القرار. لو أنني ساعدتها على التمرد. لو أن الأفكار التي انتميت إليها غسلت ما في داخلي من رواسب ومن إذعان لسطوة التقاليد. لو أنها زاملتني في رحلة الحياة. لو أنها ذهبت معي لحضور الاجتماعات. لو أنها قرأت ما قرأتُ من كتب. لو أنها قرأت ما كتبتُ من كتب. لو.
3
جاءها رجل من أبناء عشيرتنا، متزوج ومطلق غير مرة. لم تكن رأته أو عرفته من قبل. كل الذي تعرفه أنه أحد أبناء العشيرة، وهو راغب في خطبتها وفي الزواج منها. تردد أبي بعض الوقت، ثم خضع لضغوط من بعض وجهاء العشيرة للموافقة على هذا الزواج. لم يطلب أحد منها أن تبدي رأيها في الأمر. ولم يطلب أحد رأيي. الرأي الأول والأخير لأبي. تظاهرت بأنني صاحب رأي في الموضوع، بحيث تماثلت مع رأي أبي وتحمست لهذه المصاهرة، غير عابئ بفارق السن بين أختي وعريسها، وبتجاربه المخفقة في الزواج. وبغض النظر عن مدى قدرتي على التأثير في قرار الوالد، فإنني أبديت رغبة في إنجاح المصاهرة مع أسرة من العشيرة، لتقوية مكانة أسرتي داخلها، تلك المكانة التي تضعضعت في السنوات الخمس عشرة الماضية، وكان لا بد من استعادتها أو استعادة جزء منها (أبي أصبح مختاراً للعشيرة بعد جدي. قيل إنه مارس ظلماً على بعض أبناء العشيرة. وقيل إنه استفاد من كونه مختاراً على حساب العشيرة، فاحتدمت خلافات بينه وبين بعض أبنائها. ربما كان بعض ما قيل صحيحاً).
تمت الخطوبة وبذلتُ جهوداً غير قليلة للتقريب بين أختي وخطيبها، حاولت إيجاد موضوعات مشتركة للحديث. كانت أمينة تجلس قريباً من خطيبها وهي تشعر بالخجل، لا تعرف كيف تتحدث معه. كنت أشطح في الكلام على السياسة وعلى مستقبل أكثر عدلاً للبشرية وللنساء على وجه الخصوص، وذلك من وحي انتمائي السياسي الذي لم يمض عليه سوى وقت قصير (ولا أنسى بالطبع التحدث عن الوحدة العربية واستعادة فلسطين، وتأييد عبد الناصر حيناً وتوجيه النقد له حيناً آخر).
كان كلامي مجرد تمرين فج في علم السياسة.
________
*روائي وقاص فلسطيني 

شاهد أيضاً

السيد يوري – قصتان قصيرتان

*حسان الجودي 1-السيد يوري   لنفترض أنك تريد الذهاب لزيارة السيد يوري الذي يسكن في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *