الرئيسية / نصوص / حياتي القادمة..

حياتي القادمة..



*آسيا رحاحليه


خاص ( ثقافات )
في حياتي القادمة سأكون شجرة .. 
وارفة ، خضراء .. مثمرة .
جذوري تدغدغ رئة الأرض و أغصاني أراجيحٌ للعصافير ..
لن أعبأ بجذعي المحبوس في التربة ..
سأكون مكشوفة الشعر و العينين للريح الطيبة و المطر الكريم..
مكشوفة القلب و الروح لليل و القمر و الشمس . 
سأظل أرتفع ، في كل يوم قليلا ، إلى أن أبلغَ الحقيقة .
سأكون مستقيمة دائما .. لا أطأطئ 
إلا حين يمرّ الأطفال لكي يقطفوا من ثمري أو..
لكي أظلّل عاشقين استجارا بي من عيون العذال . 
و سأموت موتة راقية ..
أتحول ورقا يثمل بالحبر .
2
في حياتي القادمة سأكون عصفورة ..
صغيرة ، جميلة ، حرة .
جناحي بألوان القزح ، و منقاري أحمر مدبّب ..
سأقضي أيامي محلّقة ، طاوية المسافات البعيدة ، أحمل رسائل العشاق ، أرافق الأطفال إلى مدارسهم ، أغنّي للفلاحين و هم يتّجهون في الصباحات الشتوية الباردة نحو الأرض لكي يبذروها .
أواسي الحزانى و الثكالى و اليتامى و معطوبي الحب ..
أهمس للعصافير التي في الأقفاص انتقضوا أيها الجبناء .. سيقولون كيف ؟ و أقول : من ينشد الحرية لا يعييه السبيل .. و إنّ ” عصفورا وحيدا على شجرة ، مبلّلا بالمطر، ، أجمل و أثمن من عشرين مجتمعين في قفص من ذهب ” ..سأكون عصفورة ذكية ، لن تخدعني الأقفاص .. و إن حصل فسألزم الصمت و أمتنع عن الغناء حتى ييأس سجّاني فيطلق جناحي للريح .
لا أحد يضع في القفص عصفورا أبكم ..
و ” لن أختبئ لكي أموت ” ..بل سوف أموت موتة راقية ..
ممدّدة في حقل سنابل ، محاطة بالعصافير و الفراشات .
3
في حياتي التي سوف تبدأ سأكون قطرة مطر ..
أوّل قطرة تنفصل عن أمها الغيمة لكي تصنع فرحة الأرض ..
نقيّة ، شفافة ، طيّبة و سخيّة.. أحمل بشرى الولادة لكل أرض عقيمة.. 
سيكون لي شرف تنظيف الشجر من أغبرة النفاق ، و غسل أسطح الأكواخ من ركام البؤس ..سأستمتع بالتلصص عبر زجاج النوافذ ، أراقب الأمّهات تصنعن الخبر لأطفالهن ..
زوجة تحضّر القهوة لزوجها قبل أن يخرج باكرا لحرث الأرض .
عاشقة تقرأ رسالة من الحبيب على ضوء شمعة ، خلسة عن حراس المشاعر ..
سأجوب السهول و الوديان قبل أن أسقط على خد حسناء تجلس في حديقة ، تسقي حبيبها إكسير الغرام . ” إنها تمطر .. لنعد إلى البيت “، تقول الجميلة لحبيبها .. ” لا عليك ” يقول الحبيب و سبابته تزيحني بلطف عن الوجنة المورّدة ” لن يؤذينا المطر.. المطر حبيب العشاق ” .. و أبتسم و أنا في طريقي إلى الــ …. التراب ؟ لا .. ستجعلني صدفة العاشقين أسقط على بتلة زهرة ، و صدفةٌ أخرى ستأتي بشعاع رقيق من حبيبتي الشمس .. و سوف أموت موتة راقية ..
أتبخّر.. و يضوع في الفضاء عطر الحب .
4
في حياة أخرى سأكون رصاصة . ..
صغيرة الحجم ، قوية المفعول ، فولاذية لامعة ، وفيّة ، شريفة ..
رصاصة سلام سأكون .. لا تسكن أبدا بنادق الصيد .. لا تؤذي الأطفال و لا الحمام و لا البط و لا الغزلان ..رصاصة رحمة .. مهمتي الوحيدة أن أقتل قتلة الحياة ..أينما كانوا..
لن أقف أبدا بين ريتا و عيونك يا محمود درويش و لا بين دراويش الحب و حبيباتهم ..
و أعدك يا صاحبي ، يا حبيب الحياة و الحب و الخير لن أخذلك أبدا و لن أخطئ عدوّك ..عدو الحياة ..
سوف أكون مطيعة دوما إلا إذا صوّبتني نحو صدر أخيك فإني لحظتها أستدير بكل خفة و سرعة ، و بكل أسف ، أستقر في قلبك .
5
في حياة أخرى سوف أكون حرفا من حروف الأبجدية .
سأكون ” الألف “..
مقصورةً على الخير ، ممدودةً بطول الحب و عرضه ..
و لن أموت ..
_______
*أديبة جزائرية.

شاهد أيضاً

ثلاث قصص قصيرة لخلود المومني

بيت العائلة   فتحت الباب، استقبلتني رائحة الحنين. لبيوت الأمهات حميمية لا يعرفها إلا من تجرع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *