الرئيسية / قراءات / الخطاب الروائي ” المحلي ” في مختبر الهمِّ ” الإنساني ”

الخطاب الروائي ” المحلي ” في مختبر الهمِّ ” الإنساني ”


*زيد الشهيد


خاص ( ثقافات )
” بحر ساركاسو الواسع ” للكاتبة الدومنيكية ” جين ريز “
تأخذ مسألة التحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمعات التي تتشكَّل فيها إرهاصات التغيير أهمية في التناول السردي ليس في واقعنا المحلي والعربي فحسب بل والمدى العالمي الكوني أيضاً ، وهي مسألة بالغة التأثير في عقلية المتناوِل والمتناوَل / المرسل والمتلقي . فالمجتمع أيُّ مجتمع لا ينهض إلا بزحزحة بناه القديمة وإرباكات أسسه التي تجذرت وغدا _ اعتقاداً _ استحالة تفكيكها أو قلعها حتى .
والتحوّلات لا تغرز وجودها بحلمٍ لا يَنظرُ إلى آفاق مستقبل التغيير ، ولا تعتكف التطلع في هواءٍ علَّ معجزةً ميتافيزيقية تحل أو عاصفة تأتي من عطفات الأعاصير المنسية ؛ إنّما من رؤى تجيش ، وأفكارٍ تسعى للتحقق ، وتضحية ترسم وجودها بالدم والعرق والآهات . ولقد شهد العالم وفي مواقعَ شتى صوراً من هذه التحولات وما صاحبها من اقتتال وحروب وسفك دماء . إلا أن هذا الاقتتال وتواليه يتفاوت من مجتمعٍ لآخر ، ويتحدد الانسجام فيه طبقاً للتطور الحضاري والثقافي . حيث يبدو واضحاً أنَّ العنف يكون أقلَّ شراسةٍ في البلدان المتحضرة منها قياساً بالأخرى المتخلفة ؛ والانسجام يكرِّس وجوده في أجواء الحرية حيث الفرد له الواجب والحقوق على السواء . وعندما تنعدم هذه المعادلة يرتبك الوضع فتتهيأ بواعث التحوّلات عبر العنف المُهيأةُ بيئته للانفجار … والتفاوت الطبقي الذي أوجدته مرحلة الإقطاع كجذر لواقع ظهور البرجوازية على خرائب انهيار العبودية وحضر كافرازٍ مهول ، ووجود ماثل فجّر ولو بعد قرون ثورةَ التغيير . وأطاح بهيبة المالك لصالح المملوك ؛ أو باقتصاد صاحب رأس المال لصالح العامل والأجير . ولا بدَّ من حدوث تخلخل في البنى الاجتماعية فتحدث جراء ذلك حالة من الفوضى والارتباك . ويصبح من الضروري الاحتياج لوقتٍ كي ما تتشكَّل معادلة أخرى تأخذ حيَّزها في البعد الزمني الآني ، والحقبة التالية من متوالية الزمن … وفي واحدة من بقاع الأرض ( دومنيكا ) كأنموذج من نماذج التحوّلات في الثلاثينات والأربعينات من القرن التاسع عشر جرت إرهاصات التغيير وتواليه . فبعد أن تحرر العبيد وصارت لهم حقوق تسير متوازية مع ( الذين كانوا ) مستعبديهم استحال الوضع مواراًً جائشاً لحالٍ يتطلّب وقتاً ليس بالقصير من أجل ترتيب البيت الاجتماعي . فعمّت جراء ذلك حالةٌ من الفوضى ورد الفعل . انقلبت المعادلة ، والرموز تداخلت . فبعدما كان اللون الأبيض يتحكم بالأسود ويديره أنّى شاء تحت راية العَسف والاضطهاد الإنساني المر صار الأسود يعلو متهكماً من تراجع الأبيض ؛ أو هو اندفع يفبرك الصدام مع الأبيض ويختلقه كصورةٍ من صور رد الفعل أو تسديد دين من الديون الاضطهادية الذي استمر خلالها الابتزاز الإنساني المر وسحق الذات البشرية السوداء قروناً طويلة مُرهقة … إزاء ذلك انحطت الحالة الاقتصادية للبيض وبات من الصعب عليهم العيش بتلك الهالة من الترف والنزق والسلوك المترفع . وبات كذلك بالإمكان مشاهدة رثاثة ملابسهم ونحافة أجسادهم ، والإهمال المقصود من لدن الذين تحرروا ؛ فتدهورت الأراضي وهُجرت ؛ واستحال المساحات اليانعة بخضرتها وثمرها جرداء مهملة فيما تجزأت ذات القيمة وتقسمت.

هذه البانوراما من التصوير والتوصيف تستعرضها الروائية الدومنيكية جين ريز ؛ هذه الآتية من خليط أجناسي ( أبوها ويلزياً من انكلترا ، وأمها من الكريول سكان جزر الهند الغربية وأمريكا اللاتينية المنحدرون من أصل أوربي أو اسباني ) لتتخذ من موضوعة التغيير الحاصل في المجتمع الكريولي ونتائجهُ فكرةً لتجسيد المأساة التي طوَّحت بالبنى الاجتماعية والسياسية والنفسية ( والجانب النفسي هو ما ركّزت عليه صانعة الخطاب في عملها السردي هذا ) وقلبت المعادلة . هذا التغيير لا تتناول أسسه وحيثياته من خارج تأثيره إنّما جاءت هي من وسطه واكتوت بلفح تأثيراته . فرسمت شخصية ” انطوانيت كوسوي ” في روايتها هذه ” بحر ساركاسو الواسع ” لتكون _ بديلةً عنها _ وريثة الآلام التي خلفها تزاوج الأوربيين القادمين من ما وراء البحار بالنساء الكريوليات بنات السكان الأصليين لجزر دومنيكا وجامايكا وغيرهما من جزر الهند الغربية.

الرواية .. المنحى والاتجاه
يتَّخذ الجانب النفسي في الرحيل السردي لهذه الرواية منحاً لا تجاهها وإن هي استعانت بجوانب القص والتفصيل اليومي للحياة ، استعراضاً للشخوص وتدويراً للأحداث ؛ وإنْ هي تناولت جغرافية المجتمع وتضاريس السلوك الجمعي للمتحركين على سهوب الروي ؛ وإن هي جسّدت وصف الأماكن وتوصيف حركة الزمن . فالانفعال والكبت ، واغضب ، والحزن الدائم ، والهروب إلى الداخل ، وانفراط العلائق ، وتفتت الأواصر ، والقلق من المصير المجهول ، والتحسّب للتصرّف الأخرق الذي قد يبدر من الآخرين ؛ جميعاً يمثل الخشية التي تتنامى لدى العائلة التي وجدت نفسها وحيدةً بعد تماسك اجتماعي رصين ، وفقيرةً بعد يسر حالٍ ظاهر ، ومنبوذةً بعد عزٍّ وجاهٍ عظيمين . هذه الأسباب وما تراكم بعدها ولّد بيئة طبيعية ومحفّزة لانبعاث حالة من حالات الشعور بالكآبة التي قادت إلى مراتع الجنون . وهو تصرف لا غرابة منه ؛ وهو مرض لا مَحيد عنه . لأنَّ الإنسان بلا جماعة تربطه وإياهم الألفة مخلوقٌ ضائع ، من اليسير قيادته نحو الجنون و ” أشد ما يخيف الإنسان من العقوبات الحبس الانفرادي ، لأنّه يحول دون إشباع حاجاته الأساسية المرتبطة بانفعالاته ورغباته إلتي يجدها في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه .(** )
و” انطوانيت كوسوي ” الفتاة التي رمت بها صانعة الخطاب لتكون الشخص والشاخص الرئيسيين في عملية القص ترى إلى بيتِ لها وقد تهاوت أركانه المعنوية؛ وضيعة ” كوليبري ” التي تقطنها مع أمها وأخيها الصغير وقد غدت محط استياء وسخرية وامتعاض من قبل الذين كانوا خدماً فيها . فالأم تواجَه يومياً بمَن يستهين بها ويُظهر فكاهةً مقصودة ” كانوا يحدّقون فيها ويضحكون أحياناً . وتيقى هي بعدَ أنْ يبتعد الصوت ويصبح واهناً ، مغمضة العينين مضمومة القبضتين لمدة طويلة .” ص22 هذا السلوك المثير للأعصاب والتصرف الذي يبعث على الحنق حدا بالسيد ” لوتريل ” ذي الجاه المُضاع إلى الانتحار : ” ذات مساء هادئ أطلقَ النار على كلبه وخاض في الماء إلى البحر ليختفي إلى الأبد ” .. ” بقي بيته فارغاً ؛ مصاريع تطفق في الريح ، وعلى الفور قال عنه السود أنه مسكون وأنهم لن يقتربوا منه ، وهكذا لم يقترب منّا أحد . ” ص20 .
الفتاة التي تأخذ الجزء الأول من الروي في الخطاب المقسم إلى ثلاثة أقسام . تحكي هوية أمها التي عرفت أنها تزوجت الأب ( كزوجة ثانية ) بعمر فتاة تصغره كثيراً ؛ وعاشت هي وأخوها الصغير بيير مع الأم والزوج الجديد في وحدةٍ ، وبيت يخدم فيه ” جودفري ” الذي غدا عجوزاً و ” كريستوفين ” التي قُدِّمت هديةً للام بعد الزواج وهي لمّا تزل فتاة … والسرد عبر المطالعة يضخ سيل المعلومات بشكل جرعات أو تسلسل معرفي وئيد فنعرف أن اسم الأم آنيت ، وأنَّ الذي تزوجته يدعى ” مايسون ” رجل ميسور الحال ، له ضيعة في ” ترينيداد ” وأملاك في ” انتيجو ” ، وأنه ساعد العائلة بانتشالها من وطأة الفقر ، وأنَّ له ولداً من زوجته الأولى يسمى ” ريتشارد ” ، هو الآن في انكلترا فلم تعرف ” آنيت ” ولا ابنتها عنه الكثير ، وأنَّ ” مايسون ” فضَّل البقاء في ضيعة ” كوليبري ” في حين كانت ” آنيت ” الزوجة وألام تصر على تركها والانتقال للعيش في مدينة أخرى مستندةً من أن النظرات والسلوكيات العدائية التي تجابه بها من قِبل السكان المحيطين والذين بلغ بغضهم وعدائيتهم حد الهجوم على الضيعة وحرق البيت في ساعة هدوء منتصف أحدى الليالي فتفر العائلة بعربةٍ صوب بيت أحد البيض في مكان بعيد . وهناك تفقد الأم ” آنيت ” وابنتها ” انطوانيت ” وعيهما . ويعرف الجميع أن الطفل ” بيير ” ثالث أفراد العائلة مات في الطريق بفعل حروقٍ أصابته … والمشهد يثير هنا في ذاكرة المتلقي صورة مقلوبة للحدث . فبعد أن كان البيض هم مَن يغيرون على مساكن السود فيعيثون بموجوداتها ويحرقونها صار السود هم الذين يغيرون ويحرقون بنفس مقدار الحقد والاستهانة اللتين كانوا يتلقونها من البيض . ويؤول الضياع بالراوية انطوانيت بعد موت الأم إلى ديرٍ تجد فيه بواعث نقاء النفس . هكذا تظن لأنَّ ما يدار وما ]ُلقَّن فيه من تعاليم وأفكار وممارسات قدسية تجعل من الفرد المُنظَم إلى حلقة الرهبنة يسمو أو يتدرج في الوصول إلى السمو على مغريات الدنيا . وانطوانيت التي دخلت بعمر التفتح ونهلت من منهل الطمأنينة والاستقرار مع قريناتٍ لها سرعان ما أخذت تراودها تأرجحات الحال بين حياة فانية ، وموتٍ آتٍ . بين ممر للعيش ، ودوام للهناء أو العذاب . وهنالك الخطيئة التي ليس على المؤمن ارتكابها . وهنالك الحياة ضوءٌ ، والموتُ ظلام . وهنالك القلق الذي سرعان ما يتنامى مع تنامي الوعي وتفاقم الاسئلة الأزلية عن الوجود وأسراره ؛ والموت وأحاجيه .
إنَّ الدخول في غمار الشيء يعني العيش فيه ، والتعامل والتحاور مع تفاصيله . ومخلوقةٌ كأنطوانيت اقتحمتها سيول من العذابات والاحباطات ، والمزاج المتعكِّر ، والمواقف المؤسية لا بدَّ أن تكون بيئةً خصبة ، وحاضنة متوفرة لمقاربة الأفكار المثيرة للحيرة والشك والإبهام . ولا بدَّ للموت من أن يكون الهاجس اليومي سواء جاء بهيئة المتواري المختلس ، أو الكيان المقبول المرغوب … والنظرة الثانية هي ما كان لها حظ التواجد في نفس انطوانيت الفتاة . ففكَّرت أنَّ الانتحار ، الوسيلة اليسيرة لإدراك الموت ، يمكّن الإنسان من التخلص من منغِّصات الحياة وثقل الفصول . ” هكذا كان الحال إذن . ضوء وظلام ، شمس وظل ، جنة وجحيم . إحدى الراهبات كانت تعرف كل شيء عن الجحيم ، ومن لا يعرف ؟ لكن واحدة اخرى كانت تعرف عن الجنة وحسنات الأتقياء التي ليس الجمال السامي إلا أقلها شأناً . أقلها تماماً . لم أكن لأحتمل انتظار هذه الملذات كلها ، وقد صليت ذات مرّة وقتاً طويلاً من أجل أن أموت . ثم تذكّرتُ أن هذه تُعد خطيئة . جرأة ويأس ، نسيت أنهما خطيئة مهلكة ، لذلك صليت وقتاً طويلاً آخر للتكفير عنها . لكنَّ الفكرة راودتني حينها . ” ص66 
هذه الأفكار الرمادية ، وهذا التوجس الغائم . وهذه البيئة الداخلية المهيأةُ لها أجواءُ النمو سنجدها تؤدي فعلها الكبير حيث ستقود في ما بعد إلى الجنون ؛ ثم تقبّل فكرة الانتحار لغلق ملف الحياة التي رأتها انطوانيت ليست إلا هباءً ؛ سيما وقد وجدت نفسها مقذوفةً في دير وقد ماتت الأم والأخ الصغير ولم يعد يزورها غير زوج أمِّها السيد مايسون ليغدق عليها بعضاً من حنانه ويوصي لها أعضاء الدير كي يقدمون المساعدة المرجوة ؛ وقد ظهر على سلوكها شيءٌ من ارتباكات السلوك وتلعثمه .
القسم الثاني .. تفاصيل الانكفاء
ويأتي القسم الثاني من الخطاب الروائي والذي يأخذ ثلثي حجم الرواية يملك ذات الطابع الوصفي لحال انطوانيت ومزاجها المتقلب الباعث على تشخيص مرضي نفسي على لسان السيد روشستر الذي قدِم إلى جامايكا وبات الآن زوجاً لانطوانيت بعدما أخرجت من الدير ، ولكن بعد خراب الدواخل وبيان ابتداءات هروب العقل وتزعزع الثبات . يأتي صوته ليسرد تفاصيل حياة زوجية مرتبكة وقلقة وحائرة ، بدءاً من انصراف بعض أيامٍ من شهر العسل الذي كان زمن شروعه يصف توجهه وانطوانيت تتبعهما خادمة تدعى أميلي نحو الدار التي ستقضيان فيها شهرهما الذي يُفتَرض أن يكون عسلياً حقّاً ، وحتماً .. الدار يطل على قرية أسمها ” ماساكر ” وهذه المفردة تعني بالانكليزية ” مذبحة ” ؛ فهل تقصَّدت صانعة الخطاب رسم هذه المفردة لتطابق فحوى ما سيحصل للزوجين من مآسٍ وارتباكات ؟ … لا شكَّ في كل هذا . فالمفردة هنا شفرة حادة أو ” كود ” يشي بتفاعلات ارهاصية جيّاشة ومحتدمة ستؤول إلى عنف جوّاني وانفعالي شديدين سيفضيان إلى هدم البيت الأسري وخرابه ، على عكس ما ظنّها ” روشستر ” الزوج أول الأمر ، حين قال : ” إذن هذه هي ماساكر . ليست نهاية العالم . ما هي إلاّ المرحلة الأخيرة في رحلتنا اللانهائية من جامايكا ، وبداية شهرنا العسلي الحلو . سيبدو كل شيء مختلفاً في الشمس . ” ص76
في البدء يشير الزوج الشاب ” روشستر ” إلى أن ثمة الحب والود ينموان في قلبه ويتفاقمان تجاه الزوجة الشابة ” انطوانيت ” . والايام الأولى ينصرف بهناء مؤكَّد . لكن اكتشافه لرسالةٍ أدخلت في جيبه سرّاً قلبت موازين الهناء إلى حالة من التشكك والريبة . كانت الرسالة تشير بطريقة تقريرية كما هو شأن الرسائل اسلوباً إلى تاريخ عائلة الزوجة واصولها الغارقة في الهلوسة والجنون ؛ كما احتوت الفبركة المرسومة لزواجه منها وهو لم يعرف عنها الكثير ، حيث اجراءات الزواج تمت على عجل ، وفي أيام سقوطه في الفراش عليلاً . الرسالة تحدثت عن أم انطوانيت المتكبرة المنكفئة على نفسها ، وكيف قضى على كبريائها قانون تحرير العبيد فباتت عبدة . ويرد في فحوى الرسالة حالة الأم الدانية من الجنون ” كنّا ننتظر جميعاً سماع نبأ سقوط المرأة من حافة الهاوية ، ولكن لا . إنها تتزوج من جديد رجلاً انكليزياً ثريا هو السيد ميسون . واستطيع أن أقول الكثير عن هذا الزواج ، لكنك لن تصدقني لذا فانا أغلق فمي . قيل انه يحبها كثيرا وان لن يتوانى لو امتلك العالم على صحن من تقديمه لها . ولكن لا فائدة ؛ جنونها يزداد سوءاً حتى يصبح من اللازم حجبها عن العالم بعد أن أقدمت على محاولة قتل زوجها ، وهو أمر لم يكن الجنون سببه .. تلك سيدي أم زوجتك . ” ص112 

ويشير جانب من الرسالة إلى اندفاع الشاب روشستر للزواج من انطوانيت سليلة العائلة المتوارثة للجنون من اجل المال ؛ وان هذا الاندفاع سيكون له ثمن غالٍ يكلفه التعاسة الأبدية . وقراءة متأنية لمجريات الأحداث عبر الرسالة المقروءة يمكننا كقرّاء وضع اليد على شفرة الرسالة التي استخدمتها المؤلفة ” جين ريز ” كخطوة ذكية لتبعد هيمنتها كمؤلفة وتقلل من خطأ اقتحامها لأجواء السرد لعرض تاريخ وتحليل شخصيات ، لا بصيغة تقريرية تجعلها تأخذ دور المؤرخ فتوآخذ عليها طريقة الطرح ؛ بل اتبعت ذلك بطريقة الرسالة المتفاعلة مع المستلم .
ويأخذنا تتبّع حركة السرد ووصف الشخصية لروشستر الزوج إلى تناص سبَّبت المؤلفة في حدوثه فأعادتنا رغبة الزوج المحتاج إلى مال للزواج من فتاة دون معرفة بها واستقراء شخصيتها ومن ثم اكتشافها مجنونة أو تحمل استعدادت الجنون إلى رواية ” جين إير ” للكاتبة الانكليزية شارلوت برونته ؛ حيث الشاب روشستر ( ونلاحظ هنا تطابق الاسمين في الروايتين ) يقترن بفتاة تمتلك دوافع الجنون . وبدلاً من أن يستفيد الزوج بما فكَّر من منفعةٍ نرى حياته تستحيل جحيماً ويروح يعاني من تعاسة متواصلة لا تتوقف . هذا التناص لم يأتِ من فراغ انّما كانت تأثيرات رواية ” برونتيه ” طاغية . ويلاحظ التشابه بين الشخصيات في الخطابين والأجواء وحتى الخدم الذين أشرفوا على العناية بالمجنونتين . إلا أن الروائية تبدي تعاطفها الكبير مع الزوجة على النقيض من شارلون برونتيه التي جعلت تعاطفها يقف إلى جانب الزوج روشستر ، التي أظهرته مخدوعاً وله الحق في أن يتصرف معها بالاهمال الذي نلمسه في عملها الروائي . 
وتدخل ” جين ريز ” في مسار حل العقدة بعد التوترات والانفعالات عن طريق الخادمة ” كريستوفين ” الذي أجابت عن عديد الاسئلة التي قيدت حب الشاب روشستر لزوجته انطوانيت ، وجعلته يشكك بأنّه سقط في فخ زواج فاشل ومجنون ، وأن حياته لن تستقيم وأن هذه العائلة لا خلاص منها فهي سليلة حالات جنون متوارثة .. يأتي دور ” كرستوفين ” في إيضاح أن والدة ” انطوانيت ” لم تكن مجنونة إنّما قادها سلوك الناس وتخطيطاتهم للإضرار بها ودفعها لأن تنعزل ؛ وساعدوا هم بذلك بحيث لم يجعلوا حتى ابنتها أنطوانيت أن تراها ، ولم يدعوا كل من لهم صله بها أن يقتربوا ، ما قادها إلى الانقطاع عن العالم . يضاف إلى ذلك مقتل ابنها الصغير ” بيير ” وما سبب لها من صدمة . وصارت حالة الجنون التي ادّعاها المخططون إلى تدميرها وكأنها فعلٌ واقع بينما راحوا هم يعبثون بها حتى وصل عبثهم إلى أنهم صاروا يمارسون الجنس معها وبعبثية وتقصّد في الفتك بها والاستهانة بتاريخها . وأبدت ” الخادمة ” كريستوفين ” نصيحة للشاب روشستر أن لا يقع في حبائل الذين يخططون لتدمير زواجه الجديد من أنطوانيت فيقودها إلى الجنون مثلما فعلوا بأمها ؛ وأن لا يسمع الإشاعات التي يتقصدون بثها وإيصالها إليه . بل عليه أن يكون صلباً وواثقاً بزوجته فهي رائعة وجميلة وحسّاسة . لكن الزوج كان أوهى من أن يقف بوجه ما يصل إليه فطفق يشكّك ، وراح يقلل من حميميته لزوجته حتى غدت الزوجة الشابة تكتشف ذلك وتنكفئ وسط عدمِ توافقٍ شرع يتنامى ما جعل الفتاة المرهفة تنسحب عن ارتياحها لتترك للقلق والأفكار الرمادية التي تبعث الشك في جدوى الحياة ؛ فعادت لها فكرة الموت التي نشطت لديها وهي لمّا تزل فتاة صغيرة في الدير الذي دخلته . وأصبحت تظهر قرفها من زوج لا يفهمها منشغلاً بالتقصّي عن تفاصيل عائلتها ونبش الماضي والتساؤل عن كلِّ شيء تافهٍ وصغير .

إن صانعة الخطاب رسمت في المسار المتتابع لأحداث الرواية أجواءً مهيأة لكل متطلبات خلق الجنون ، وجعلت من البيئة المحيطة حاضنة لكل بواعث القلق . فالوحدة التي تحيط بالفتاة وهي في بيت ريفي منعزل بلا أصدقاء من البيض أقرانها ومعارفها ، وسط أناس لا ينظرون لها ولأمها وعائلتها نظرة إنسانية واجتماعية طبيعية هي بالتأكيد تحصر حركة وتفكير الزوجة الشابة وتدفع بها إلى الشعور بأنها منقذفة ، لا أحد يعينها ، وقوفاً إلى جانبها بنصيحةٍ أو مشورة ؛ بل كان جميع الوسط عدائياً بمعنى الكلمة ؛ وليس لها سوى الناس الذين هم بمرتبة الخدم ؛ وفي نفس الوقت يساور هؤلاء _ وفي أغلب الأحيان _ شعور بالتشفّي من انحدارها اليومي وعزلتها كحالةٍ من الإحساس بدونية كانوا يشعرون بها وهم أمامها .
وكان لعدم توافق الاثنين ؛ وتنامي الهوّة بينهما وعدم خروجهما من شرنقة البيئة التي وجدوا أنفسهم يتحركون فيها ( وإن بدوا مقيدي الحركة فيها أصلاً ) أن جعلت إعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي أمراً غير محتملٍ ؛ إنّما من عداد المستحيل ما حدا بالاثنين إلى الشعور بأنهما خُدعا باقترانٍ لم يكن متكافئاً .” أنظر إليها فأرى الكراهية في عينيها واستشعر كراهيتي تنبثق صاعدة لملاقاتها . انه مرة أخرى التغيير الذي يبعث الدوار ، التذكر الانقلاب إلى الكراهية حد المرض . لقد اشتروني( أنا ) بنقودكٍ ، وكنتِ ( أنت) عوناً لهم على ذلك . لقد خدعتني وخنتني وأنتِ مستعدة لأن تفعلي ما هو أسوأ إن سنحت لكِ الفرصة ” ص202 هذا الشعور تجاهها يتفاقم في الوقت الذي لا تدري هي ذلك ، ولا تعرف عن هذه الأفكار وما إذا قد خُطِّطَ لزواجها منه من قبل السيد ميسون ( زوج أمها ) . فقط كانت تشعر في بداية زواجها أنها تقترن بشابٍّ يحبها ، وقد عبّر عن ذلك كثيراً أول اللقاء .
وكان عليه للتخلص من هذا الحال وتجاوز سوء الحظ أن يعود بها إلى انكلترا ، موطنه علَّ البيئة تتغيّر فيتغير الحال ويعود الزواج لمساره الهادئ والسعيد .
القسم الثالث ..
يأتي صوت انطوانيت ليتحدث ، معبراً عن فتاةٍ محجورة في غرفةٍ خلت من الأثاث النفيس والمرايا الصقيلة في دار للمجانين . أنطوانيت تتحدث بلسان مَن نُظر لها وعومِلت على أنها مجنونة يجب حجرها .” هنا لا توجد مرايا ، وأنا لا أعرف شكلي الآن . أتذكر كيف كنت أتطلع إلى نفسي وأنا امشط شعري ، وكيف كانت عيناي تتطلّعان إليَّ . ان الفتاة التي رأيتها هي أنا ؛ ومع ذلك فهي ليست أنا تماماً . منذ زمن طويل ، حين كنتُ طفلة يملؤني الشعور بالوحدة، حاولت أن اقبّلها لكن الزجاج وقف بيننا ، صلباً ، بارداً ومضبباً ” ص213 
إن صوت أنطوانيت هنا يأتي من وراء حجب فقدان العقل والذاكرة المهشمة التي تحاول استعادة بعضاً من التفاصيل . التفاصيل التي تحاول ممرضة الدار أن تعيدها ، فتتذكر من خلال بواعث الإعادة أن زوجها روشستر الذي وصفته الممرضة بالشاب المهذب قد جاء لزيارتها ، وأنها هجمت عليه بسكين كانت قد حصلت عليه من امرأة بعدما أعطتها قلادتها الثمينة ، وانّه قاومها ( تماماً كما فعلت زوجة السيد روشستر المجنونة في رواية جين أير لشارلوت برونتي . وهنا يظهر التناص فاضحاً وظاهراً جداً بي الروايتين باحداثها وتفاصيلها . ) .
الإنصاف في توزيع الأدوار
حافظت صانعة الخطاب في عملها هذا على تكافئ الآراء وتقديم الصور من رؤيتين مختلفتين ( الرؤية الأولى عالم انطوانيت وظروف زواجها من روشستر الشاب ) و ( الرؤية الثانية التي تخص روشستر نفسه وزواجه الذي ظنه سيفتح أمامه أبواب الإثراء والجاه ثم اكتشافه بأنه خُدع ، وإن كان الاكتشاف من باب الشك أو تقبل الإشاعة والكلام المنثور على المسامع ) . فكلا الرؤيتين منحتهما الروائية صفة الحيادية وتركت للمتلقي فرصة النظر ومجاله للتعرف ، ومن ثم الوقوف عند أية ضفة يجدها تستحق المناصرة . فالمتابعة تمنح الجانبين رغبة التعاطف ، لكنها في الوقت نفسه تقدم اللوم على عدم التروي في مواجهة الاحداث ، وعدم التحلّي بالكياسة السلوكية والحُلم الذي يمنح مُواجهُ المشكلة فسحةَ النظر ؛ السبر والاكتشاف . ومن ثم الحكم واتخاذ القرار . وهذا ما لم يحصل عند الاثنين .

يتبدّى خطاب ” بحر ساركاسو الواسع ” التي كتبته ” جين ريز ” عملاً روائياً مهماً دخل إلى مغارات الروح ؛ وتجول في المسارب والمنعطفات البعيدة لحيوات أناس وجدوا أنفسهم تحت رحمة قدر غدرَ بهم فاختطفهم من فيوض بهرجةٍ وعزٍّ وكبرياء ورمى بهم في قرارات ذل وخنوع وضياع لا مفر منه ؛ فاندفعوا متفككّين ، وتناثروا أشلاءً اجتماعية مبعثرة ..
=======================
(*) كتبت ريز أربعة روايات اتخذت جانب المرأة تناولاً : ( بعد هجران السيد ماكنزي عام 1930 ) و ( رحلة في الظلام عام 1934 ) و (صباح الخير يا منتصف الليل عام 1939 ) و ( بحر ساركاسو الواسع عام 1963 )
(** ) انظر كتاب ” المجتمع ” تاليف ( ر.م .ماكيفر ) و ( شارلز بيج ) .. ترجمة د. علي احمد عيسى . إصدار مكتبة النهضة .. الطبعة الأولى 1957 ” .
______
*أديب عراقي

شاهد أيضاً

هالة الكاتب و”نسوة في المدينة” لمؤلّفه فراس حج محمد

وفاء عمران محامدة* “ثمة أشياء ستحدث لي مع نشر هذا الكتاب، سيشيع بين القراء شيوعا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *