الرئيسية / إضاءات / الكتابة من أجل لقمة العيش: متعة أم عذاب؟

الكتابة من أجل لقمة العيش: متعة أم عذاب؟


*أليسون كنيدي / ترجمة: آماليا داوود

خاص ( ثقافات )
“يدعي كولم تويبين أنه لا يستمتع بالكتابة كثيراً، فهل يتفق معه الكتاب الآخرون في الرأي؟”.

تكمن المتعة في الكتابة من أجل لقمة العيش في أننا نستطيع أن نكتب كل الوقت، ويكمن العذاب في أن الكتابة تصبح واجباً سواءً كنت في المزاج أم لا، ولست أول كاتب يشير إلى هذا الموضوع الذي يشبه ممارسة الجنس من أجل المال فيكون قليل المتعة وغير حكيم أخلاقياً ولا نفسياً، فالجلوس وحيداً من أجل كتابة شخصيات ابتكرتها مؤخراً لديه العديد من الجوانب غير المرضية بطبيعتها، ثم من ناحية أخرى ابتكار شيء من لا شيء وقلب قوانين المكان والزمان، وساعات الغياب خارج النفس تجربة ممتعة من بدايتها لنهايتها. 

سوف نستعرض في هذه المقالة بعض آراء الكُتاب حول الكتابة من أجل المال: 

أميت تشودري*
كتابة الروايات ليست شيئاً ممتعاً، ولا الكلام بشكل عام ولا قراءة الروايات، قراءة الشخصيات والكتابة حول الروايات ليس ممتعاً دائماً، لأن القليل نسبياً من هذا النوع من الكتابة جيد.

هناك مجموعة من الكتاب الذين لا يستمتعون بكونهم روائيين، ولهم أنتمي، وحياتهم تتشكل دفعة واحدة وتحدد ويقعون في ذلك الشرك فعل الكتابة الروائية، وما زلت أعاني من صعوبة تصديق أن يطلق عليَّ لقب “روائي”، ولم يمنعني هذا من التفكير في مهن أخرى: صاحب متجر كتب مستعملة، أو عامل في شركة، مصور سينمائي. وهناك أسباب كثيرة لهذا الانزعاج وأحد الأسباب الرئيسة عدم الراحة مع السرد نفسه، وهذا يتضمن الاعتراف لنفسك بأن المتعة الأساسية تكمن بعدم معرفتك ما سيحدث لاحقاً، وهذا يجعلك تتمنى أن تكتب وأنت في مكان آخر، أو يجعلك تكتب من أجل أن تستوعب الرواية ذلك الدافع.

وهناك سبب آخر، وهو الاحتراف في المهنة، والذي يفترض أن يكتب الروائي بشكل منتظم وتلقائي مثلما تعطي البقرة الحليب، وفي مثل هذا القيد يمكن أن يكون المال متعة التعويض، ويكون إدماناً متناقضاً وخبيثاً وفاشلاً.

هاري كانزرو
أحصل على متعة عظيمة من الكتابة، لكن ليس دائماً أو حتى عادةً.
كتابة الرواية تمرين ممارسة الانضباط الذاتي، محاولة لتحقيق توازن بين مشروعك بينما تتفاوض مع حقل ألغام مكون من الاكتئاب والفزع.

البدايات شاقة، ووصولك إلى الوسط يشعرك بأنك سيزيف، والنهاية أحياناً تصاحبها خيبة أمل بأن مجموعة محدودة من الكلمات هو ما تبقى من فكرتك الغنية بلا حدود. وبموازاة ذلك هناك مطبات مثل الاشمئزاز الذاتي والملل والارتباك والشعور بالنقص، بالتناوب في بعض الأحيان مع نوبات هستيرية من تهنئة النفس لأنك تعتقد أن جملة معينة سوف تدخلك إلى صفوف الخالدين، وتستيقظ في الصباح التالي مع خليط مروع من الكليشيهات بأن ليس هناك إنسان عاقل سوف يقرأ دون أن يتقيأ، لكن عندما تكون في تلك المنطقة وتقوم بغزل الكلمات، يتملكك شعور بالرضا، أجل وبالمتعة.

جون بانفيل
أعظم اختراعات الحضارة الإنسانية هي الجملة، فمن خلالها نستطيع أن نقول أي شيء، وهذه المقولة صعبة وعملياً مؤلمة، رواية أو بريد إلكتروني مهما حاولنا أن نكتب، لدينا إحساس غريب بأننا لا نكتب كثيراً بل نُكتبْ، وأن اللغة تستخدمنا وسيلة للتعبير وليس العكس.

نضال الكتابة مشحون بالألم، الألم لمعرفة أنك لن تفعلها بالشكل الصحيح، وأننا سوف نفشل، وأن علينا فقط أن نأمل بأن “نفشل بشكل أفضل” كما يقترح بيكيت.
متعة الكتابة في التحضير وليس في التنفيذ، وبالتأكيد ليس في إنجازها، يومياً يجلس الروائي على مكتبه ليأكل الرماد، وإذا ما وجد الألماس فهو عرضة لكسر أسنانه، والمال ضروري لدفع فواتير طبيب الأسنان.

جويس كارول أوتس
الكتابة تسبب الكثير من البؤس، فلماذا تكتب؟ هذا اللغز الملازم للكاتب، وكل كاتب سئل هذا السؤال، وكل كاتب يجيب عنه بجواب جدير ظاهرياً بالتصديق، كإجابة الكاتب فلانري أوكونور الذي قال: “لأني أجيد ذلك”، ومن النادر جداً أن نجد كاتباً مثل كولم تويبين يعترف أنه يكتب من أجل المال، والسبب واضح لأن معظم الكتاب لا يكتبون من أجل المال، لأنه من خمسينيات القرن الماضي الكاتب يتقاضى أدنى الأجور في الولايات المتحدة، إذ تصل ساعته إلى دولار واحد.

لقد حذرنا د.هـ لورانس من الوثوق بالراوي، بل الوثوق بالحكاية لأنه من المرجح أن يكون الراوي كاذباً، ويشير علم النفس التطوري الدارويني أن لا أحد يعرف ما الذي جعلنا ما نحن عليه، ناهيك عن ذلك لماذا نتصرف بشكل لا مركزي كما نفعل، عندما نضطر إلى شرح أنفسنا نقوم بالكذب.

في عصر النهضة، زعم الشعراء أنهم يكتبون من أجل الأجيال القادمة، وفي المجتمعات الدينية كان ابتكار أي فن لمجد الرب، وفي المجتمع الرأسمالي يمكن أن يدعي الكاتب أنه يبتكر منتجاً من أجل المال.

بالنسبة لي، كتبت معظم حياتي كتابات متفاوتة المتعة والبؤس، وكأن الكتابة ترجمة واعية لدوافع عميقة لنشاط اللاوعي مثل الحلم، لماذا نحلم؟ لا أحد يعلم تماماً كما لا نعلم لماذا نتلهف للقصص، خاصة تلك التي في الروايات. تجربتي في الكتابة، كتابة تلك الجمل على سبيل المثال هي دائماً مزيج من البداية مستوحاة بشكل صارم ومتثاقل لإنجاز الإلهام. 

معظم الكُتاب يجدون المسودة الأولى صعبة بشكل مؤلم، مثل تسلق درجات مرتفعة لا نرى نهاياتها في الأفق وفقط عن طريق المثابرة، في النهاية سوف تصل إلى حيث تريد، وعندما تصل هناك لن تسأل لماذا؟ بل ستأخذ نفساً عميقاً قبل البدء في إنجاز إلهام جديد، مشروع آخر، والصعود مرة أخرى.

أقول دائماً: “الفن من أجلي” هذه كلمات د.هـ لورانس في رسالة خطية قبل الحرب العالمية الأولى هذه الكلمات يمكن أن تجيب عن الكثير من الأسئلة.

*أميت تشودري (مواليد 1962)، أكاديمي ومؤلف إنجليزي هندي، حصل على جائزة ساهيتيا الأكاديمية عام 2002 عن ورايته “عالم جديد”، وهو حالياً استاذ الأدب المعاصر في جامعة إيست أنجليا، وفاز في عام 2012 بجائزة إنفوسيس للدراسات الإنسانية الأدبية في مجال النقد الأدبي.

المصدر: theguardian

شاهد أيضاً

الشاعر أحمد الشهاوى: كيف نطلب التنوير وطلاب الجامعات والمدارس لا يلتقون المفكرين والأدباء والكُتّاب؟

حاورته: بشرى عبدالمؤمن يعدو كالخيل، يومض كالفراش، يطن كالنحل، لم ينصره الليل ولم ترحمه سوى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *