الرئيسية / فنون / أوليفر ستون ينقب في “التاريخ غير المروي للولايات المتحدة”

أوليفر ستون ينقب في “التاريخ غير المروي للولايات المتحدة”


أحمد ثامر جهاد*



خاص ( ثقافات )

الوثائقي بوصفه رؤية سياسية

عندما كنت صبياً في مدينة نيويورك ظننت أنني تلقيت تعليماً جيداً، درست التاريخ الأمريكي بشكل موسع، وكان ذلك منطقياً، فقد كنا محور العالم، وكان ذلك قدرنا. جلتُ العالم الآن، وأكملت دراستي كجندي مشاة في فيتنام. صنعت الكثير من الأفلام، بعضها تاريخي. أيقنت أن أولادنا لا يتلقون نظرة عن العالم أكثر صدقاً مما تلقينا، لذا أردت أن أروي القصة الأمريكية كما لم يروها أحد من قبل. سنقترح مجموعة منسية من الأبطال، بينهم أشخاص عانوا من أجل معتقداتهم ونسيهم التاريخ، لأنهم لم يكونوا مطيعين، وسنفضح زيف آخرين تؤمنون بهم، ليس بدافع الخبث لكن للاقتراب من الحقيقة، عبر إعادة سرد الوقائع. وما لم نُذكِّر أنفسنا بالجيد الذي فقدناه، لن نتمكن أبداً من صنع مستقبل أفضل. لقد ارتكبنا أخطاء ًجسيمة، لكن الفرصة ما زالت متاحة لنصلحها..

بكلماته هذه يفتتح المخرج الأمريكي “أوليفر ستون” سلسلته التلفزيونية الوثائقية “التاريخ غير المروي للولايات المتحدة-2012″، والتي يستغرق عرضها على الشاشة نحو عشر ساعات موزعة على عشر حلقات تغطي أهم حقب التاريخ الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية. ستون الذي يسرد وقائع التاريخ الأمريكي الحديث يعي جيداً معنى اختيار المحطات الحساسة التي رسمت صورة أمريكا وحددت موقعها في العالم، ليس فقط باعتبارها الفترات الأهم في تاريخ الولايات المتحدة وإداراتها السياسية، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى عهد الرئيس أوباما، وإنما لأن رواية تاريخ “القوة الأعظم” يعني من ناحية أخرى رواية تاريخ العالم، من أوروبا وأمريكا اللاتينية، إلى آسيا والشرق الأوسط، العالم المضطرب الذي ارتبطت أمريكا بأبرز نزاعاته، وكادت أن تنهيه في لحظة جنون مثلت النقطة الحساسة في مجرى الحرب الباردة بين القوتين العظميين؛ أمريكا والاتحاد السوفييتي. طوال مسيرته الفنية ظلت السياسة مهيمنة على أبرز أفلام ستون منذ فيلمه القصير (العام الأخير في فيتنام) عام 1971، وتالياً فيلم (سلفادور) ثم ثلاثيته المعروفة عن حرب فيتنام (بلاتون، ولد في الرابع من تموز، بين الأرض والفردوس) مروراً بأفلامه الطويلة عن الفترات الأشد التباساً وجدلاً في تاريخ الرئاسات الأمريكية (كينيدي، نيكسون، بوش الابن) ومن ثم وثائقياته المنبوذة هوليودياً عن الزعيمين الكوبي فيدل كاسترو (القائد، كاسترو في الشتاء) والفلسطيني (عرفات) بين عامي 2003 – 2012، فضلاً عن مساهمته في كتابة وإنتاج أفلام أخرى، روائية ووثائقية لا يبدو معظمها محبباً لدى الجمهور الأمريكي الذي لا يسره رؤية الجانب المخزي في سجل أمريكا السياسي والحضاري. 

شاشة صغيرة واسعة التأثير
خيار التلفزيون وسيلة لعرض السلسلة الوثائقية المثيرة للجدل كان بالنسبة للمخرج الأمريكي أوليفر ستون خيار مشاكسة وربما تحدياً لبروبغندا الإعلام الأمريكي الذي يحشو أدمغة الجمهور بترهات يومية عن بطولات أمريكية باهظة الثمن، لا تخالف كثيراً أساطير رعاة البقر. وعليه لا بد من أجل الوصول إلى جمهور أوسع، أدمن قنواته المفضلة، وبات لا يميز بين الحقيقة والتلفيق، أن يتم جذبه إلى ما لم يره من قبل. جمهور يجدد ثقته برؤساء يزجون به في حروب مجنونة، هو بحاجة، إلى شحنة وعي صادمة تكشف له المستور في تاريخ أمريكا، حروبها وسياساتها ونهبها القاري. وإذا كانت الشاشة الصغيرة بوسعها أن تجعل المخرج فناناً جماهيرياً على قدر نجاحه في مهمته، فإن وثائقي أوليفر ستون الذي يركز على الوقائع غير المروية والشخصيات التي تم استبعادها من التاريخ الرسمي للولايات المتحدة يشكلان عتبة مستفزة لمحاولة إعادة قراءة التاريخ الأمريكي، حتى لو كان ذلك من زاوية براغماتية قوامها الربح والخسارة في ميزان تحقق المصالح القومية العليا لأمريكا. 

وللإحاطة بتفاصيل مهمته الشاقة وتحقيق سفره الوثائقي هذا، بعد اتهامه بالانحياز لليسار والراديكالية في منجزه السينمائي الروائي، استعان المخرج بآلاف المقابلات الموثقة والمواد الأرشيفية من خطب وتصريحات علنية، فضلاً عن مئات من الصور النادرة التي تعود لفترات زمنية مختلفة، جرى توظيفها ومنتجتها بذكاء متقد، يعيد تعريف ما هو معلوم تاريخياً، لكن هذه المرة ضمن سياق توثيقي آخر يعي غايته، ويستفز برؤية مترابطة ومحددة، ما اعتدنا معرفته بشأن أحداث حساسة في التاريخ المعاصر: النزاع حول النفوذ في أوربا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، التآمر على ثورات أمريكا اللاتينية ودول أخرى حول العالم مناهضة للهيمنة الرأسمالية، أزمة الصواريخ الكوبية، الحرب الباردة وعقدة فيتنام ثم انهيار المعسكر الاشتراكي، القوة أحادية القطب وحرب الكويت، أحداث سبتمبر وحربي أفغانستان والعراق.
 
ومن المعلوم أن وثائق الماضي غزيرة وزاخرة بالحقائق والأفكار، ولم تترك لحظة زمنية إلا ودونتها كخطاب أو فعل إنساني عيني (المظاهرات والحروب وسواها) وهي بحاجة لإزالة الغبار عنها وإعادة استنطاقها برؤية فكرية تعي أهمية الصورة ودلالتها في علاقتها الجدلية مع الموضوع الذي يجري تناوله. في الغضون وبشكل يخالف ما اعتدنا مشاهدته وثائقياً، يعمد المخرج أوليفر ستون إلى إدخال عشرات اللقطات المختارة من أفلام سينمائية أمريكية لها صلة بالموضوع الذي يجري الحديث عنه، في سياق الوثائقي ذاته، وفي مواضع يبدو المشهد الفيلمي خلالها، تأكيداً أو دحضاً لمعنى ما، مشهد تهكمي أو إيضاحي أو نقيض لما تظهره الوثيقة التاريخية المعروضة، وهذه السمة الأسلوبية أضفت حيوية على شريط ستون وأبعدته عن ثقل سرد الفيلم الوثائقي الذي عادة ما يسرف في الاتكاء على رصيد المقابلات الطويلة والتحليلات الأكاديمية والرؤى الشخصية. من جانب آخر يتجنب ستون قدر الممكن الغوص العميق في الحقب الزمنية التي سبق له أن تناولها في أفلامه الروائية، والتي حفلت بتفاصيل لم تغادرها روح التقصي الوثائقي في أفلامه الشهيرة عن كينيدي ونيكسون وبوش الابن، فيتيح بذلك للمشاهد فرصة التمعن بمادته الوثائقية الممعنة بموضوعاتها بكل ما تتضمنه من سرد وتحليل.

حينما يرثي ستون الروح الليبرالية الأمريكية التي تجسدت في عهد الرئيس روزفلت في أهم حقب التاريخ الأمريكي (بيرل هاربر ومشاركة الجيش الأمريكي في جبهات الحرب العالمية الثانية) فإن جميع الرؤساء اللاحقين لا يسلمون من النقد في سياق الفيلم وبروح موضوعية تتقصى المتسببين بإزهاق أرواح الأمريكيين وهدر ثرواتهم وتشويه صورتهم أمام العالم. وبقدر ما يظهر الفيلم حكمة الرئيس روزفلت في العديد من المواقف والأزمات السياسية الكبيرة التي عصفت بالعالم، وكذا في تعامله مع حلفائه في النصر على الألمان “تشرشل وستالين” فإنه يوجه نقداً لاذعاً للرئيس ترومان الذي سرق الرئاسة من الشخصية الأهم التي ستبقى ذكراها ماثلة طوال زمن الفيلم، “هنري والاس” الوزير السابق ونائب الرئيس روزفلت. وكما في وهدة الأسئلة التي تقدم مساراً افتراضياً يخالف ما تحتم وقوعه، يعيد المخرج إلى الأذهان إشاراته الدالة: لو كان والاس هو الرئيس الأمريكي بعد رحيل روزفلت، لتغيرت حظوظنا، ربما لم تلق أمريكا قنبلتها الذرية على اليابان، ولم نهدر الوقت والمال والرجال في حرب باردة طويلة لمكافحة مخاوف عميقة صنعناها بأنفسنا، وتركتنا نهايتها غير المتوقعة أكثر غطرسة وهمجية مما كنا عليه سابقاً.

شواهد تاريخية وعِبَر
كلما ابتعدنا عن زمن وقوعها، تبدو مأساة هيروشيما وناجازاكي كارثة إنسانية لا يمكن تجاوزها بكل المعايير، مثلما يصعب مجرد تخيلها. وبالنسبة لوثائقي ستون فإنها انتحار سياسي للأمريكيين ووصمة عار أبدية في تاريخهم. بل هناك من يعتبر الفعل الشرير الذي سوغ إلقاء القنبلة على مدنيين عزل يتخطى كل ما فعله هتلر في أوروبا. في شهادته يقول الفيزيائي “فريمان دايسون” الذي كان ضمن أسطول قوة النمر الأمريكية: “وجدت ذبح اليابانيين العزل بعد ثلاثة أشهر على انتهاء الحرب، أكثر اشمئزازاً مما فعله الألمان. كان قد مضى عليَّ وقت طويل في الحرب، إلى حد أني بالكاد أتذكر السلام، لا يوجد شاعر حي يمكن له أن يجد الكلمات المناسبة لوصف الفراغ الروحي الذي سمح لي بالاستمرار في القتل من دون حقد أو ندم، لكن شكسبير فعلها على لسان ماكبث “إنني أقف في نهر من دم، المسافة إلى ضفته الأخرى، أقصر من طريق العودة”.

الجانب الإنساني الذي يركز عليه ستون في قضية هيروشيما لا ينفصل عن إدانة السياسيين الأمريكيين المتورطين في توسيع جبهات الحرب حينذاك، بشكل غير مبرر، فاق في سنواتها الأخيرة وحشية أفعال الألمان. فقد بلغ قصف قوات التحالف للمدن الألمانية حداً يستحق وصفه بالإرهاب المنظم. وحينما يعلو الجدل في بعض دوائر القرار السياسي حول الحد الذي ينبغي التوقف عنده في إطار معاقبة المدنيين العزل، يرد القادة العسكر” إذا كانت ثمة نقطة أخلاقية في هذه الحرب، فقد تخطيناها منذ زمن، وكانت سحابة الفطر العملاقة بلغت أعتاب السماء وشوت نيرانها أجساد اليابانيين وحولتهم إلى كتل متفحمة وبقايا رماد في أجزاء من الثانية، لكن المفارقة هي أن الرئيس ترومان يعتبر أن إلقاء القنبلة على اليابان كان شيئاً عظيماً، لكن ليس لغرض هزيمة اليابان المهزومة أصلاً، وإنما لتحذير الروس من التمادي في ابتلاع أجزاء من أوروبا كغنيمة، وهنا يلتقط ستون أبلغ رد على ترهات ترومان، من خلال عرض قول الواعظة الكاثوليكية المعارضة للحرب (دورثي داي 1897-1980): قتلنا نحو 300 ألف ياباني، وكان السيد ترومان مبتهجاً. الرئيس ترمان-الرجل الحقيقي. يا له من اسم غريب، إذا ما فكرنا في الأمر. إننا نشير إلى المسيح بالرب والرجل الحقيقي، أما ترومان الرئيس، فكان رجل عصره الحقيقي! 

حتى وهو خارج البيت الأبيض، بعد انقضاء سنوات على انتهاء الحرب، لا يبدو السيد ترومان نادماً على فعلته الشنيعة. ويقول بوجه باسم في لقاء متلفز “كان اجتياح اليابان سيكلفنا قرابة مليون مقاتل، قد يموت نصفهم. حينها كان لدينا ذلك السلاح التدميري. لم أشعر بأي تأنيب ضمير لاستخدامه، لأن سلاح الحرب هو سلاح تدميري في النهاية. لذلك لا أحد منا يريد الحرب، جميعنا ضدها. لكن حين يكون لديك السلاح الذي يجعلك تنتصر في الحرب، فسيكون من الجنون ألا تستخدمه”.
في سرده الوثائقي الذي يمكن اعتباره أهم إنجازاته الفنية، يعلمنا ستون أن أمريكا لا تتعظ من تاريخها. وتعيد إقحام قوتها في أزمات وحروب تكلفها المزيد من الكراهية. الحرب الكورية والفيتنامية والحرب الباردة والعديد من العمليات القذرة في بلدان أمريكا اللاتينية والصومال ولاحقاً حربي أفغانستان والعراق. يذكرنا ذلك بقول خروشوف “كم مرة عليك أن تحترق، قبل أن تحترم النار”. والأسباب خارج السياسة غالباً. إنها سطوة المصالح وإرادات القوة ونفوذ أصحاب الأموال. فالغرب وبحسب “هنتنغتون” لم يربح الحرب العالمية من خلال تفوقه الفكري أو الديني أو القيمي، بل لتفوقه في استخدام العنف المنظم. وغالباً ما ينسى الغربيون هذه الحقيقة، لكن غير الغربيين لا ينسون ذلك أبداً. وهو ما سيتسبب بحروب وأزمات لاحقة مع العديد من دول العالم، وتزاد صورة أمريكا بشاعة، وسيرتبط اسمها بأشد الممارسات لا أخلاقية. وكما هو الحال دائماً يريد السيد أوباما، هكذا يشير ستون إلى أن سوءات الماضي يعاد إنتاجها في الحاضر، لأمريكا أن تبقى حاملة لواء إدارة الحرب في العالم. هذا ما يجعلنا نختلف عن أولئك الذين نقاتلهم. رغم أننا والقول لأوباما، بخلاف الإمبراطوريات القديمة، لا نقوم بهذه التضحيات من أجل الاستيلاء على الأراضي أو الثروات، إننا نقوم بذلك لأنه الشيء الصحيح الذي ينبغي علينا فعله.

يا له من تبرير عبقري، وغطاء حكيم لشرور المصالح القديمة التي تهشمت في صخبها إمبراطوريات كبرى وهزمت في واحة أوهامها أمم عظيمة. في السياق التاريخي الذي يعيد روايته ليس أمام المخرج إلا أن يضع خيطاً هادياً يقود المتفرج إلى التفريق بين الرئاسات التي أرادت مخلصة إنقاذ أمريكا من الأزمات التي أقحمت نفسها فيها وبين آخرين انقادوا بفعل الضغوط أو الحمق السياسي إلى إشعال النار في غير مكان من هذا العالم. ربما لم يكن الوقت كافياً للرئيس كينيدي لرسم سياسة إصلاح متوازنة لأمريكا في الداخل والخارج، وبات الحلم الأمريكي في الرخاء عصيا اكثر مع سياسات جونسون ونيكسون وريغان، النجم السينمائي المولع بحروب الفضاء وسباق التسلح. وبدا الحلم باهتاً ومتردداً مرة اخرى في عهدي كارتر وكلينتون. لكنه أصبح أضحوكة هستيرية فاقت كل ما هو متوقع، وفرقت الجميع من حولنا في عصر إدارة بوش الابن وصقوره، الذين أنفقوا نحو 700 مليار على الحرب. هل ستتوقف الولايات المتحدة عند شهية الألف قاعدة عسكرية التي تملكها حول العالم؟ 

يتساءل المخرج في خاتمة سلسلته الوثائقية، هل كنا قوة خير تدفع إلى التفهم والسلام في العالم؟ هل تصرفنا بحكمة وإنسانية في سياساتنا وعلاقاتنا مع دول العالم؟ أم أن أخطاءنا مغفورة ووحشيتنا مبررة وجرائمنا لها دوافع خيرة؟ ألم يثبت التاريخ أن الإمبراطوريات لن تدوم، فقد انهارت خمس إمبراطوريات في حقب زمنية توازي عمر الإنسان على الأرض.

يختتم ستون تعليقه بكلمات تبدو مؤرقة للأمريكيين، وهو يستعيد بحسرة، شهادة مواطنه الأمريكي النائب “هنري والاس” الذي خاطب الأمريكيين، علناً قبل عقود من الآن: “الخوف هو مصدر جميع أخطائنا، وبسببه تتصرف الأمم العظيمة كالوحوش، وتفكر فقط ببقائها، مهما كلف الثمن”.

* كاتب وناقد سينمائي

شاهد أيضاً

مهنّا الدرَّة: صورة من بعيد

هاني حوراني   أواخر تشرين الثاني 2018، أقيم في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *