الرئيسية / إضاءات / سفيتلانا ألكسيفيتش نابشة قبر الاتحاد السوفييتي

سفيتلانا ألكسيفيتش نابشة قبر الاتحاد السوفييتي


أعلنت الأكاديمية السويدية المانحة لجوائز نوبل فوز الأديبة سفيتلانا ألكسيفيتش من روسيا البيضاء بجائزة نوبل للآداب عن «كتاباتها متعددة الأصوات التي تمثل معلماً للمعاناة والشجاعة في زماننا». وتصل قيمة الجائزة إلى ثمانية ملايين كرونة (972 ألف دولار).

ومع سفيتلانا اليكسيفيتش، التي فازت بالجائزة التي أعلنت الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت السويد أمس، فازت مكاتب المراهنات التي وضعت اسمها في رأس قائمة التوقعات. ومن الواضح، أن هناك العديد من العوامل التي ساعدت على هذه التوقعات، ليس أولها بالتأكيد الاستحقاق الأدبي الذي يميز كتابات الروائية البيلاروسية، الخارجة بوضوح على نهج الاتحاد السوفييتي السابق.
فمما لا شك فيه أن الكاتبة البيلاروسية، حصدت الجائزة، أو هكذا يبدو للمراهنين على اسمها، بسبب جنسيتها (السوفياتية السابقة)، وتبوئها لمهمة نبش قبر الإمبراطورية الشيوعية في أعمالها، خصوصاً كتابها الصادر قبل سنوات بعنوان «نهاية الإنسان الأحمر أو زمن زوال الأوهام». ونال هذا الكتاب جائزة «ميديسيز للدراسات» في فرنسا عام 2013، كما كرّسته مجلة «لير»، المتخصصة بالكتب، ك «أفضل كتاب للعام 2013».
وسفيتلانا اليكسيفيتش، باحثة وكاتبة وصحافية. من مواليد أوكرانيا، لأبوين كانا يعملان في التدريس. ترعرعت وأنجزت دراساتها في مجال الصحافة ضمن دولة بيلاروسيا. أقامت لسنوات في برلين بألمانيا قبل أن تعود للإقامة نهائياً في «مينسك» عاصمة بيلاروسيا. قدّمت العديد من الكتب، حيث كان كل منها حدثاً هاماً. ومنها: «الحرب ليس لها وجه امرأة» الصادر عام 1985، عن الحرب العالمية الثانية والدور السوفياتي فيها، حيث اتهمت سفيتلانا بمعاداة الروح الوطنية، لكن غورباتشوف الذي كان على رأس السلطة السوفياتية آنذاك، دعمها. ومن كتبها أيضاً «أصوات من تشرنوبل»، و«نعوش من الزنك» (1990)، حول الحرب في أفغانستان، و«التوسل» (1998) المترجَم إلى 17 لغة وفيه تقوم جوقة مؤلفة من النساء والرجال بسرد محنتهم في «تشرنوبيل».
بقي والد «سفيتلانا» شيوعياً إلى أن وافته المنية واعتبرته طرفاً معنياً بكتابها «نهاية الإنسان الأحمر»، فهو الإنسان الأحمر بكل تكوينه.. ولقد كان بإمكانه كصحافي متدرب أن يلمع ويحتل مركزاً مهماً في الحزب، لكنه اكتفى بمنصب مُعلم في إحدى القرى النائية بعيداً عن مدينة «منسك».. وبعد انهيار «الاتحاد السوفييتي»، أخذ يصوِّت لمصلحة الأوتوقراطي «لوكاتشينكو»، لأنه كان يعتقد بأن هذا الأخير يعمل من أجل البسطاء..
في كتابها «نهاية الإنسان الأحمر أو زمن زوال الأوهام» تتخذ سفيتلانا اليكسيفيتش من كل ما طرأ على يوميات الناس بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، خصوصاً لناحية النزعة الاستهلاكية، مادة تبني عليها سرديتها الرائعة. تتوقف المؤلفة مثلاً عند الجوع الذي كان يحفر بطون المتقاعدين وموجة العنف الجنونية التي اندلعت منذ التسعينيات حينما اختل النظام بأكمله وسرعان ما ظهرت أولى جثث ضحايا اللصوصية والسلب في الشوارع وانتشر الموت سرّاً، بحيث انتحر الكثيرون في مقرات «الحزب»، عبر الأقاليم، بسبب اليأس أو الخوف من الانتقام أو بسببهما معا.
وتصرح سفيتلانا إنها لم تقصد في كتابها هذا أن تجعل من «الإنسان الأحمر» مجرّد ضحية أو مجرد جلاد، بل تبغي فهم كيفية نهايته، وتقول «واجب الكاتب لكي يكون عادلاً هو إظهار العالَم بتفاصيله». «لكنني – تقول سفيتلانا – أشعر بأنني أقرب من أولئك الذين عرفوا الاتحاد السوفييتي من هؤلاء الذين يبدو أنهم، اليوم، أكثر نزوعاً نحو الماديات.. لقد تغيَّر العالم تماماً ولم نكن مستعدين.. إبّان زمن الشيوعية، لم يكن رجل الشارع مُهانا لأنه لا يملك شيئاً.. أمّا اليوم، فالعكس هو الصحيح.. فالفقراء، في الوقت الراهن، مَحْميُون هنا، عندكم (في أوروبا الغربية)، لكن في بلادنا ليسوا كذلك.. لا أحد كان يتخيل البؤس والعلاج بالصدمة وسرعة فقدان الديمقراطية اعتبارَها وتأثيرَها.. إننا لا نعرف ماذا نفعل بهذا الألم والعذاب.. إننا ننساق لاستيهامِ ماض مجيد بدل أن نفهم ما حدث.. فالذين نهبوا روسيا ويبحثون عن سلطة لتجميع الشعب، لم يبق لهم سوى رد الاعتبار إلى «ستالين».. فالنفوس على استعداد». وتضيف سفيتلانا بأن الإنسان الأحمر يموت وهو يتألم.. فالثورة قام بها «غورباتشوف» ومعه حفنة من المثقفين، من بينهم هي نفسها، لكن 80% من الناس، ومن بينهم والداها اللذان كانا يقيمان في مدينة صغيرة ببيلاروسيا، استفاقوا في بلد آخر دون أن يعرفوا كيف يدبرون سبل العيش والحياة.. وعلى هذا الأساس تعمد إلى جمع الشهادات والوثائق، لكي تجعل من كتبها وثيقة لا يمكن تجاهلها عن الموضوع الذي تتناوله.
وفي تقرير نشرته صحيفة لوموند الفرنسية عن كتاب نهاية الإنسان الأحمر..، فإنه يشِفّ عن إيمان مفقود في المستقبل، كما اعترفت بذلك مارغاريتا بوغربتسكايا حين قالت للمُؤَلِّفة وهي تسترجع ذكريات الطفولة: «كنا مرحين وفي اعتقادنا أن الغد قد يكون أحسن من اليوم».. وعبْرَ المحادثات المسموعة في الساحة الحمراء أو الأسرار المأخوذة على انفراد، تتردّد اللازمة التالية: ما الفائدة من كل هذه التضحيات وكل هؤلاء الأموات وكل هذه الحروب، إذا لم يعد في الأفق لا معتقدات ولا سُمو؟.
في الحياة كما في الكتاب، ليس من البديهي توزيع الأدوار بين ضحية وجلاد ومُنشق، كما في قصة «أنّا ماريا»، المهندسة المعمارية ذات 59 عاماً التي قبلت أن تحكي فصولاً من حياتها بين الدموع ولحظات الصمت، لتصرخ فتقول:لم نعد نجد أيّ شيء ذي طابع سوفياتي (…) أصبح التعارك والتدافع بالسواعد أمراً ضرورياً أينما كنت (…) هذا العالم ليس عالمي ولا أشعر بأنني في بلدي هنا .. وتستذكر: «لقد كان يتم وضع جثامين الأطفال الرّضع، أثناء فصل الشتاء، في براميل انتظاراً لدفنهم عند حلول فصل الربيع (…) لكنهم في الفصل الدراسي، كانوا يعلموننا كيف نحب ستالين».
—–
الاتحاد

شاهد أيضاً

حوارات مع جوليا كريستيفا

   حوارات مع جوليا كريستيفا :   إبداع المفاهيم،التحليل النفسي،مجالات البحث، فرديناند سيلين…         …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *