الرئيسية / إضاءات / إيزابيل إيبرهاردت: ينابيع الحياة الجزائرية

إيزابيل إيبرهاردت: ينابيع الحياة الجزائرية



محمد الأصفر


الفضول، ربّما، هو ما قادني إلى محاولة اكتشاف هذه المرأة التي ينتصب قبرها، على بعد أمتار من منزلي في عين الصفرا في الجنوب الغربي الجزائري، في مقبرة “سيدي بوجمعة”، جنباً إلى جنب مع قبور أهل المدينة”.

هذا ما قاله المُترجم بوداود عميّر، ردّاً على سؤال لـ”العربي الجديد”، عن سبب اختياره ترجمة نصوص قصصية للكاتبة والصحافية من أصول روسية، إيزابيل إيبرهاردت (1877- 1904).
صدرت الترجمة تحت عنوان “ياسمينة”، ضمن منشورات مجلّة “الدوحة” في عدد أكتوبر/تشرين الأول الجاري، متضمّنةً خمس قصص هي: “ياسمينة” و”الرائد” و”لمتورني” و”أزهار اللوز” و”منافسة مجرم”، إضافةً إلى مقدّمة للمترجم، رصد فيها سيرة الكاتبة ومحطّات مفصلية من حياتها التي لم تتجاوز سبعا وعشرين سنة.
وُلدت إيبرهاردت في جنيف وتوفّيت في الجزائر التي عاشت فيها جانباً من حياتها، مخلّفةً عدداً من الأعمال الأدبية التي تطغى عليها السيرة الذاتية، وتظهر فيها مناصرتها للشعب الجزائري خلال فترة الاستعمار الفرنسي، حيث نقلت يوميات الجزائريين، بعيداً عن الصورة الاستشراقية النمطية.
يتجلّى ذلك في مؤلّفاتها العديدة التي جُمعت ونُشرت بعد وفاتها، مثل: “في الظل الدافئ للإسلام” و”ملاحظات على الطريق” و”صفحات إسلامية” و”المتشرّد” و”في بلاد الرمال” و”يومياتي” و”كتابات حميمية” و”ملاحظات وذكريات” و”رسائل ويوميات” و”كتابات على الرمل” و”ياسمينة”.
يقول عميّر: “تمزج نصوصها بين التحقيق الصحافي والقصّة التوثيقية، وتوظّف المفردات العربية الفصيحة والدارجة الجزائرية، تاركة للقارئ الغربي حرية الولوج إلى المعاني من خلال السياقات النصيّة”.
يضيف: “تقدّم كتاباتها شهاداتٍ حية عن تفاصيل الواقع المعيش للجزائريين. ومن ثمّ، فإن إعادة قراءة أعمالها وترجمتها إلى العربية، من شأنه أن يميط اللثام عن جوانب خفيّة من نضال الجزائريين خلال فترة تاريخية ازدهر فيها ما يُعرف بالأدب الغرائبي، مُجسَّداً في أعمال غي دو موباسان وأندري جيد وغيرهما، والتي ركّزت على تصوير عادات وتقاليد بالية لشعب تفشّت فيه الأمية بنسبة كبيرة، بسبب السياسات الاستعمارية”.
كانت حياتها القصيرة حافلة بالمغامرات الوجدانية والترحال عبر صحراء مجهولة بالنسبة إليها. هناك، عاشت معاناة الجزائريين وشاركتهم نضالهم ودينهم أيضاً، قبل أن ترحل بشكل تراجيدي، بعد أن أغرق سيل جارف منزلها، ليجدها الأهالي، وهي بكامل لباس الفروسية، وتُدفن في “سيدي بوجمعة”؛ حيث سيتحوّل قبرها إلى معلم ثقافي.
يغلب على القصص اهتمامها بتفاصيل الحياة اليومية في الجزائر وتركيزها على معاناة المرأة وآلامها النفسية، جرّاء التقاليد والظروف الاجتماعية، كما تنعكس شخصيتها بشكل حاد في النصوص المتّسمة بالمغامرة والتمرّد على الواقع. اللافت أيضاً، هو تناولها لثيمة الصحراء.
عن ذلك يقول المترجم: “قضت إيزابيل معظم وقتها بين الكثبان الرملية، وقد قطعت الصحراء الجزائرية شرقاً وغرباً، على حصان أو سيراً على الأقدام. هكذا، تحضر في نصوصها كمكان وكحالة وكميلاد آخر”.
الكاتبة التي أُثير جدلٌ حول نسبها الحقيقي، وزعم البعض أنها ابنة غير شرعية للشاعر الفرنسي آرتور رامبو، قرّرت نمط حياتها منذ وطئت أقدامها رمال الصحراء الجزائرية، رغم أنها كانت مدركةً بأن حياتها الجديدة محفوفة بالمخاطر.
كتبت مرّة: “أنا التي لم يكفني أبداً العيش الرغيد داخل المدنية الأوروبية، سأحقّق مشروعاً جريئاً، وهو أن أرحل إلى الصحراء وأبحث عن السلام وعن المغامرة في آن معاً. أشياء تتلاءم وغرابة طبعي”.
كتبت أيضاً: “لحظة الخطر هي عينها لحظة الرجاء. أنا شديدة القناعة أن الواحد منّا لا يسقط خارج حدود نفسه، حين يتألّم قلبي أشعر بأنه موجود. توصّلت إلى قناعة بين هؤلاء الناس وعند البدو، بأنني كنت أرجع إلى ينابيع الحياة وأحقّق سفراً في أعماق الإنسانية”.
——-
العربي الجديد

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *