الرئيسية / إضاءات / مؤنس الرزاز..السياسي حينما يكون أديباً (3)

مؤنس الرزاز..السياسي حينما يكون أديباً (3)



*محمود شقير


خاص ( ثقافات )
الحلقة الثالثة
1
ولا بد من وقفة عند المشهد الحزين. المشهد صنعته رابطة الكتاب الأردنيين حينما نظمت احتفالية بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل مؤنس. في نهاية الاحتفالية تجمع عدد من أصدقاء الكاتب الراحل، واتجهوا مساء إلى بيته في جبل اللويبدة. كان مطر آذار ينزل هادئاً خفيفاً على وجه المدينة. دخلنا البيت الذي لطالما دخلناه من قبل، لزيارة مؤنس وللتشاور معه في شأن من شؤون الرابطة أو في هم من هموم الكتابة. مؤنس الآن، ونحن ندخل البيت، هو الغائب الحاضر بيننا. كانت الوالدة (أم أحمد في “اعترافات كاتم صوت”) تجلس فوق كرسي بعجلات، تغالب حزنها ومرضها، تقول كلاماً قليلاً بصوت خافت، وهي تتأملنا بعينين ذكيتين.
بقينا في البيت وقتاً. تجمعنا حول الوالدة. التقط لنا بعض الأخوة والأخوات صوراً، لعلها تستطيع أن تقاوم عسف الزمن. كان ذلك في إحدى أمسيات آذار، تحت مطر خجول، يغسل البيوت والجبل الوديع الجاثم هناك، في صمت رزين.
2
وكانت لنا أمسيات كثيرة أخرى.
واحدة في بيت مؤنس. 
ذات مرة، جاء وفد من الكتاب السوفيات إلى عمان، فاستضافهم مؤنس في بيته في جبل اللويبدة (كم كنا مغتبطين لوجودهم بيننا، لأنهم قادمون إلينا من بلد ثورة أكتوبر! وهذا وحده كان كافياً بالنسبة لنا لتوفير مساحة من الانسجام). لكننا جلسنا في البيت ونحن لا نعرف كيف نتفاهم معهم. وكنا ننتظر وصول زملاء لنا ممن يعرفون اللغة الروسية.

قمنا قبل وصول العارفين باللغة، بمحاولة لم تكن ناجحة. حاولنا إدارة حوار بيننا باللغتين الروسية والعربية، واعتقدنا أننا نتقدم في الحوار على نحو ما. حينما وصل زملاؤنا، روينا لهم تلك المحاولة المرتجلة، فاكتشفنا بحسب ما قالوه لنا، أننا كنا نحطب في واد، وأصدقاؤنا من الكتاب السوفيات يحطبون في واد آخر. لكننا مع وجود الترجمة التي تيسر التخاطب بين المتخاطبين، بقينا حتى ما بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً ونحن نشرّق ونغرّب حتى أشفينا غليلنا إلى التفاهم مع وفد صديق، قدم له مؤنس في بيته كل أشكال الحفاوة والاحترام.
وثانية في مقر الرابطة. 
لم نكن نحيا أيامنا دون خلافات واختلافات في وجهات النظر والاجتهادات. لم نكن نحيا أيضاً دون نزق يداهمنا في بعض الأحيان فيخرجنا عن أطوارنا. مؤنس كان أكثرنا نزقاً حينما يستفزه أمر ما. 
ذات مرة، أثناء اجتماع للهيئة الإدارية لرابطة الكتاب، التي كان مؤنس عضواً فيها آنذاك، وكنت أنا عضواً فيها كذلك، وقعت مشادة بين مؤنس وأحد الأصدقاء من القائمة المنافسة لنا، المشاركة في الهيئة الإدارية. مؤنس غضب غضباً شديداً والصديق الآخر ضبط أعصابه ولم يغضب. ثم كان عليّ أن أتوسط فيما بعد لإنهاء الخلاف ولإحلال الوئام بين المتخاصمين. الصديق الآخر قال لي: لا بد لمؤنس من أن يعتذر عما فعل. قلت ذلك لمؤنس فغضب مني لأنني أفاتحه بهذا الكلام، على اعتبار أن الخصومة لم تصل إلى الحد الذي يستوجب اعتذاراً (كان مؤنس شديد الحساسية تجاه ما يمكن أن يمس كرامته الشخصية بسوء. يثور ولا يعود قادراً على ضبط أعصابه. ثمة تعبير عن هذه الحساسية في روايته “سلطان النوم وزرقاء اليمامة” حينما يتحدث عن سليمان التوحيدي، أحد شخوص الرواية قائلاً: “كان حساساً تجاه كرامته الشخصية حساسية فيها غلو لا يتصوره خيال مهما كان جامحاً. وهذه الحساسية المفرطة تجاه كرامته الشخصية قد تقوده إلى مواقف لا يتخيل أحد من الذين يعرفونه أنه قد يقدم عليها” ص146).
الصديق الآخر لم يشدد على طلب الاعتذار، أبدى تسامحاً واضحاً وتمّ إنهاء الخصومة في غضون بضعة أيام. 
وثالثة في بيت مؤنس.
جاء دوري هذه المرة لكي أغضب، وجاء دور مؤنس لكي يقوم بدور المصلح الحكيم. كنا في بيت مؤنس، مجموعة من الأصدقاء الكتاب. أحدنا كان اتخذ قراراً بمقاطعة جلسات المجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت في عمان، بسبب خلاف مع قيادة فتح على السياسة وعلى البرنامج. لكنني فوجئت كما فوجئ غيري بمشاهدة الصديق إياه أثناء بث التلفاز لوقائع جلسات المجلس الوطني، جالساً في القاعة عضواً مع الأعضاء، فاعتبرت ذلك تغييراً لموقفه من النقيض إلى النقيض في زمن سريع، فلما التقينا بعد انتهاء جلسات المجلس في بيت مؤنس، عاتبته على موقفه الجديد الذي جاء مناقضاً لقراره المعلن. راح يبتدع لنفسه حججاً ومعاذير لم تلبث أن استفزتني، أو على الأصح، لم أكن قادراً على ضبط نزقي لتحمل محاولات صديقي إيجاد مخرج لنفسه مما التزم به أمامنا، فاشتد بيننا النقاش الذي تطور إلى صياح منفلت من عقاله، ومؤنس يخفف من حدة الخصومة وينصحنا بالهدوء وبالتأني في إصدار الأحكام.
ولم يدم التوتر طويلاً. لم يوافق مؤنس على مغادرتنا لبيته قبل أن ننتهي من هذه الخصومة الطارئة. وهكذا كان.
ورابعة في بيت مناضل كبير.
ظل اسمه يتردد على الألسنة في عمان والقدس والشام، منذ خمسينيات القرن الماضي. وكثيراً ما كنت أواجَهُ بالسؤال عن مدى القرابة التي تربطني به، فأقول: لسنا أقارب، ومع ذلك فثمة قرابة في الرؤى والأفكار.
ولم أتعرف إليه شخصياً إلا حينما اقترح مؤنس أن نذهب لزيارته في بيته. ذهبنا إلى البيت الذي لا يبعد عن مقر رابطة الكتاب كثيراً. البيت في جبل اللويبدة، والرجل لا يغادر البيت بسبب مرضه الذي ألزمه الفراش. (شرح أسباب هذا المرض في كتابه “من قاسيون إلى ربة عمون.. رحلة العمر” الذي أصدره أوائل التسعينيات من القرن الماضي وسرد فيه رحلة حياته. وفي سنوات لاحقة، صار يتحامل على نفسه ويغالب مرضه ويخرج لحضور بعض الفعاليات السياسية والثقافية، وكان حضوره موضع ترحيب من الجميع). 
لاحظت مقدار تواضع الرجل ورغبته في التواصل مع الآخرين. ولاحظت عمق العلاقة التي تربط مؤنس بهذا المناضل الذي تألق اسمه في فترة بناء الجبهة الوطنية أواسط الخمسينيات، وترشحه عنها مع شخصيات وطنية أخرى إلى مجلس النواب الأردني. عرفت من مؤنس أنه دائم التردد على بيت صديقه الذي كان في الأصل صديق أبيه. مؤنس يزوره بانتظام ويتشاور معه في أمور السياسة والثقافة.
ثابرت على زيارته في بيته عدداً من المرات. وفي أغلب هذه المرات كان مؤنس حاضراً، أو على الأصح، كان هو المبادر إلى ترتيب هذه الزيارات. كان الدكتور يفرح لزياراتنا له ويرحب بنا. وظل الأمر كذلك حتى غادرت عمان عائداً إلى القدس، وأجزم أن “مؤنس” وبقية الأصدقاء لم ينقطعوا عن زيارته. كان الدكتور صافي الذهن حاد البصيرة، وله قناعاته الراسخة التي جعلته موضع احترام. كان نصيراً للفقراء مؤمناً بالتقدم الإنساني. عاش حياته متحملاً آلامه الجسدية حتى النهاية. وقد حزنت عليه حينما جاءني نبأ وفاته. 
إنه الدكتور عبد الرحمن شقير. تذكرته بأسى وهو يغيب،(2 / 1 / 2006 ) وتذكرت “مؤنس” الذي غاب قبله بأربعة أعوام. 

وخامسة في المركز الثقافي الملكي.
بعد أسابيع قليلة من عودتي إلى عمان قادماً من براغ، نظمت الأحزاب والقوى السياسية الأردنية مهرجاناً تضامنياً مع العراق، بعد تلقيه تهديدات من الولايات المتحدة الأمريكية جراء غزو قواته المسلحة للكويت. احتشد جمهور غفير في قاعة المركز الثقافي الملكي، وتوالى الخطباء على المنصة لإلقاء الخطب.
قبل أن يبدأ المهرجان، التقيت “مؤنس” خارج القاعة. دار بيننا حديث سريع عن الصحة والأحوال. وكان هذا هو لقاءنا الثاني بعد عودتي من براغ. لاحظت أن ثمة تطورات جديدة في حياة النخب السياسية في عمان، وفي حياة المثقفين كذلك، جلبتها حقبة الديمقراطية. لاحظت أن ثمة تحشدات كثيرة وحراكاً سياسياً وثقافياً لا يستهان به، وأنني على نحو ما أضع نفسي خارج هذا الحراك (لم أعد صاحب دور فعال لا في رابطة الكتاب ولا في العمل السياسي هنا، بعد أن ارتبطت بالحزب الذي أعيد تأسيسه في الأرض المحتلة العام 1982). 

مؤنس كان في تلك الفترة في قلب هذا الحراك. بدا مهتماً بالمشاركة السياسية، لكنه لم يستمر طويلاً في ذلك لأن صفة المثقف الأديب، تطغى كما يبدو على صفة القائد الحزبي لديه، وافترقنا على أمل اللقاء من جديد (هل ظهر لدى مؤنس ميل لأن يتولى منصباً وزارياً مع دخول الأردن حقبة الديمقراطية؟ خصوصاً أن بعض أصدقائه من الكتاب والسياسيين فازوا بمناصب وزارية، هل عاش صراعاً نفسياً بين زهده في المناصب العليا وبين حث أصدقائه له على السعي إليها باعتبارها حقاً له، ما دام غيره وهو ليس أحق منه بها، قد فاز بها؟ ربما. أو هل كان عدم عرض منصب وزاري على مؤنس، سبباً من أسباب أزمته النفسية، على اعتبار أن من فازوا بمناصب وزارية، ليسوا أفضل منه ولا يمتازون عنه في شيء؟ ربما).
وسادسة في مؤسسة شومان. 
التقينا في مؤسسة عبد الحميد شومان الواقعة في حي الشميساني في عمان، حينما دعاني الدكتور أسعد عبد الرحمن، رئيس المؤسسة، إلى قراءة بعض قصصي في ندوة ثقافية. 
قدمني مؤنس إلى الجمهور الذي جاء للاستماع إلي (لم يكن الجمهور كبيراً. كان الناس في تلك السنة الأولى للعهد الديمقراطي متعطشين إلى حضور الندوات السياسية، التي ظلت تعقد بانتظام في قاعة المؤسسة وفي غيرها من القاعات) استذكر مؤنس دوري النقابي السابق في رابطة الكتاب الأردنيين، وقصصي القصيرة جداً التي كان معجباً بها، ثم ابتدأتُ القراءة. 
قرأت قصصاً قصيرة جداً مكرسة للانتفاضة الفلسطينية التي كانت على أشدها في تلك الأيام. كنت أراقب الانتفاضة من بعيد وأكتب عنها. كتبت قصصاً جيدة (كما أزعم) عن الانتفاضة، وكتبت عنها قصصاً ذهنية غاصة بالأفكار المباشرة، ما جعل حظها من التميز الفني محدوداً.
ولسوء حظي، رحت أقرأ في الندوة هذه العينة من القصص دون غيرها، اعتقاداً مني أن هذا هو ما يريده الناس. وتبين لي بعد انتهاء القراءة أنني كنت مخطئاً. 

عندما فتح مؤنس باب الحوار، كان الكاتب هاشم غرايبة أول المتحدثين. انتقد المباشرة في القصص، وانتقد نزعة المبالغة في تصوير بطولة الناس العاديين، كما لو أنهم أبطال خياليون ليسوا من لحم ودم. ظلت كلمات هاشم ترنّ في أذني، وأنا مقتنع بها. وحينما أتيحت لي فرصة إعادة طباعة كتابي الذي يحتوي على القصص المباشرة المؤدلجة، قمت بحذفها من الطبعة الجديدة للكتاب (انطلاقاً من ذلك، دعوت في مرحلة لاحقة، إلى إعادة النظر في فهمنا للواقعية الاشتراكية. وبالنظر إلى تجربتي الشخصية في هذا المجال، فلا بد من الاعتراف، بأنني كتبت بعض قصصي وأنا متسلح بموقف مسبق من الواقع. والشخصيات التي خلقتها في هذه القصص، كانت محكومة بنظرتي الإيديولوجية، بحيث يصبح بطل القصة نمطاً معروفاً سلفاً، وصفاته وتصرفاته يقررها موقفي الإيديولوجي من الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وليس السياق الذي يحكم القصة والشخوص، وما يعنيه ذلك، من احتمالات أن يتصرف البطل بطريقة مخالفة لما قررته له سلفاً. كذلك يتعلق الأمر بالنهايات المتفائلة لبعض قصصي، فقد كنت بحسب فهمي (فهمنا) المسطح للواقعية، وبسبب التنظيرات التعبوية التي تسللت في زمن ما إلى الواقعية الاشتراكية، معنياً بإسباغ التفاؤل، ولو كان غير مبرر، على نهايات القصص، بحيث تشتم رائحة التبشير والقصدية وحتمية انتصار قوى الخير، تلك الحتمية التي قد لا تكون هي الخيار الذي لا بد منه. ثم إن العمل الأدبي يمكن أن يحرض الإنسان على التحدي والرفض وعدم الخضوع، دون نهايات متفائلة مفتعلة).
وسابعة في بيت ابراهيم نصر الله. 
كانت أحزان مؤنس وصلت إلى ذروتها، حينما جاء محمود درويش في زيارة إلى عمان. دعاه ابراهيم نصر الله إلى بيته في المساء، ودعا عدداً غير قليل من الأصدقاء. اجتمعنا في بيت ابراهيم، وكان مؤنس يجلس إلى جوار محمود وهو متجهم الملامح، بسبب الهزيمة التي حلت بالعراق على أيدي الحلف الثلاثيني الذي شن حرباً ضارية على العراق، أعادته كما قيل يومها إلى عصر ما قبل الصناعة. ولم يكن حالي أحسن من حال مؤنس. كنت عائداً من براغ بعد هزيمة التجربة “الاشتراكية” هناك، ثم انضاف إلى أعبائي، عبء هزيمة العراق. كان الحزن مترسباً في أعماقنا جميعاً (سأزور براغ في ما بعد، سأفجع بالمدينة التي كنت أشعر فيها بالأمان. سأشعر بغربة تامة في مدينة يستبد بها منطق الربح والتجارة والاستغلال. ولن يشعرني بشيء من العزاء سوى بعض أصدقاء ظلوا مقيمين هناك).
وبسبب كثرة المدعوين، كان الحديث ينتظم أحياناً ليشمل الجميع، وفي أحيان أخرى كان يتخذ شكل أحاديث جانبية. وكنت ألاحظ انهماك محمود ومؤنس في حوار يتجدد بين الحين والآخر. روى لي مؤنس جانباً منه في ما بعد، تمحور تحديداً حول معاناة مؤنس من أوضاعنا العربية وما فيها من بؤس ومذلة وتخلف وهوان (في كتابه “فاصلة في آخر السطر” يقول على لسان “عابر السبيل الثاني: – الشارع تغير بعدما حطوك بالسجن. كان شارعاً قومياً، فصار الآن شارعاً إسلامياً. فقد الشارع طابعه القومي، وسقطت شعارات العروبة.) ص124
كان محمود هو محط أنظار الجميع في تلك الليلة، يطلق بعض التعليقات السريعة الظريفة بين الحين والآخر، ولم يشأ أن يستأثر بالحديث أو يثقل على السامعين. وكان مسك الختام في تلك الليلة هو الغناء. غنى كمال خليل وهو يعزف على العود بعض أغانيه الجميلة، وغنى لبعض المغنين المعروفين وفي الطليعة منهم الشيخ إمام.
كان مؤنس يحب الغناء، إلا أن مزاجه كان متعكراً في تلك الليلة وفي ما تلاها من أيام وشهور وسنين.

_________
*روائي وقاص فلسطيني 

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *