الرئيسية / إضاءات / عبود الجابري شاعر على الحدود.. ووصايا للمبدع النازح

عبود الجابري شاعر على الحدود.. ووصايا للمبدع النازح




حاوره: علي عبيدات*


خاص ( ثقافات )

من أرض النجف وهيبة الراقدين هناك، حيث ينام أبو موسى الاشعري وأشعثُ قيس والطوسي وأحمد الصافي النجفي ومصطفى جمال الدين نومَهُم الأخير، ومن قبلة محمد مهدي الجواهري حارس القافية القديم الجديد، جاء عبود الجابري وهمَّ بالحياة والشعر بينما كان العراق يمر بمأزق سياسي ليس بجديد عليه عام 1963.


الشاعر والمترجم عبود الجابري يحمل بكالوريوس علوم التمريض من جامعة بغداد وصاحب يد طولى في ترجمة العديد من الدراسات النقدية والنصوص الإبداعية عن اللغة الإنجليزية، التي انتقى منها بوكوفسكي وترجم له العديد من المختارات الشعرية. صدر للجابري ديوان” فهرس الأخطاء” 2007 ” ويتوكأ على عماه 2009″ ومتحف النوم 2012 و”فكرة اليد الواحدة” 2015″، وما زال الجابري يكتب الشعر منذ أن فارق العراق وأقام في الأردن عام 1993، مع عائلته، حتى الآن.

الجابري من شعراء جيل الحرب في الثمانينيات، وجيل الحرب تصنيف انتهجه النقاد ليشمل من كتبوا الشعر من شباب العراق في ثمانينيات القرن الماضي. وبين حروب العراق وغزو الكويت والحصار والفرار من العراق صار الجابري أرشيف سفر ورحيل في نصه الشعري المليء بالأسى والتغريب. فما فارق مسرح الرشيد شعره ويستحضر دائماً كل زقاق صرخ فيه بوجه الاستبداد بسيف نصِّه الشعري. وحول الغربة والشعر، أجرت “ثقافات” هذا الحوار مع الشاعر العراقي عبود الجابري:

1. هل تخفف القصيدة من حدَّة الغربة والتهجير القاسية؟ وكيف يصنع من لم يكن شاعراً وحكم عليه أن يكون غريباً نازحاً؟


لا شيء يخفف من حدة الغربة والتهجير، القصيدة في الغربة تشبه طرفة يلقيها عابر هو الغريب وتبقى متداولة بين جموع السامعين فيما يفكر هو بوجع آخر يشتق منه طرفة أخرى، الغربة بيولوجيا تضع جميع الحواس في امتحان التذكر، وهي تماماً مثل المؤمنين تتداعى جميعها بالسهر والحمى حين تتداعى واحدة منها.

وأرى أنها تكون أقل وطأة على من لم يكن شاعراً، فالشعر في أساسه غربة أينما حل الشاعر، هذا الكائن الذي يفنى مفكراً بخير الحلول التي يستدل بها على بلاد كلماته.

2. لو أخذنا مقطعاً رأسياً للشعراء الغرباء كالبياتي والجواهري ونازك الملائكة والسياب، من هو الشاعر الذى أرسى دعائم شعر الغريب على تلَّة عبود الجابري. وهل نجح شاعرك هذا في رسم معالم الذات البعيدة؟


جميعهم أساتذة شكلوا قراءاتي الأولى وحروفي المتأخرة لكن مسألة الغربة مختلف عليها فيما يخص كل واحد منهم، فنازك الملائكة غادرت العراق بعمر السابعة والستين بعد أن ذاع صيتها وعملت في جامعات العراق واختارت عزلتها في القاهرة طوعاً لتنضم إلى أسرتها هناك، كانت تعاني اغتراباً فكرياً alienation أفضى بها إلى القول مرة:

قلبي المجهول يحس شعوراً علوياً 
لا حساً يشبهه لا وعياً بشرياً 
أحب من البياتي ما قاله مرة:


يا لها من بنت كلبة. هذه الدنيا التي تشبعنا موتاً وغربة، على الرغم من أنه كان يكابر في بدايات عيشه خارج العراق مستعيراً لغته الأولى، لغة البروليتاريا والكهنوت اليساري الذي كانت تعج به نصوصه الأولى:

نموت في غربتنا، لكننا نولد من جديد
من رحم الليل ومن لحم جبال الأرض
متوَّجين بعذاب الرفض
وحاملين صولجان الشمس


لكنه سرعان ما يعود إلى الحقيقة حين تطول غربته ويأكل الحنين عنفوانه وجسده في نصوص هي من أجمل ما كتب.

وأعتقد أن غربة السياب لا علاقة لها بالمكان، وهي نابعة من فقره ومرضه والنكوص السياسي الذي كان يعانيه رغم شعوري بالتردد حين أقرأ قصائده التي كتبها عن الغربة، فهي تعج بالشكوى التي تظهره ضعيفاً واهناً، وذلك ما لا أتمناه لأي إنسان وكتب أكثر قصائد غربته إبان مرضه:

بين القرى المتهيبات
خطاي والمدن الغريبة
غنية تربتك الحبيبة
فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه


شخصياً أرى أن الجواهري العظيم يغذيني حتى يقوي عظمي فيما كتب عن العراق وطناً يحج إليه الحنين وتطوف حوله قوافل الأشواق، فهو يكتب دون أن يتكلف مدركاً أنه اقتنص من الحياة ومن العراق ما شاء له من الملذات اسماً وصيتاً، وحين أراد أن يجهر بحنينه كان يغني بلوعة المشتاق حقاً:

لي في العراق عصابة لولاهم
ما كان محبوباً إليَّ عراق
لا دجلة لولاهم وهي التي
عذبت، تروق ولا الفرات يذاق


3. إلام يلجأ الشاعر الغريب بعد القصيدة بينما يواجه ثباته على مبادئه ومغريات تجار القلم ومن ينتفعون بغربة الغريب ومبررات غربته، فتجارة الموقف اليوم رائجة ومجدية؟


قبل القصيدة هناك الحبيبة، فإن فكر أن يخون إحداهما ستنبري الأخرى وتشخص أمامه وتذكي قطرة العرق النائمة في جبينه، وقد قلت مرة:

أنكسر من جهة القلب
فأريحوا معاولكم
التي تحفر في رأسي


تجارة المواقف موجودة في كل زمان ومكان، في وطنك وخارجه، ويبقى السؤال الأهم هنا: ما روادعك في الحياة كي تحيا عزيزا أينما حللت؟

4. هل حُتم على الشاعر العذاب ليبدع؟ فيرى البعض أن فرن الصعاب مخاض القصيدة، رغم أن العديد من الشعراء عاشوا حياة رغد ودعة وقدموا مشاريع شعرية مهمة؟


أذكر من عبد الرحمن منيف قولاً يصف فيه المرأة على أنها (خرز ملون وكلمات حلوة)، أقتبسه هنا بتصرف لأقول لك إن العذاب وحده لا يصنع الشاعر حين تكون عظام لغته هشة، ثمة نزق فكري يقارب الجنون لحظة الكتابة لا بد من توافره لمن يريد الانضمام إلى معشر الشعراء، خرز ملون هي الكلمات التي تشكل قاموس الشاعر، يستل منها ما يراه مناسباً لتجميل عذابه حين يفكر بكتابة قصيدة يراد لها أن تبقى بعد موته.

5. لو لم يكن عبود الجابري شاعراً محسوباً على الغرباء ماذا سيكون؟ وهل أعجبته الحالة التي فرضت عليه واشتهر بها؟


تسمية الغريب تشبه تماماً (فقر الدم)، هذه الصفرة التي نصف بها شخصاً مصاباً به، تلاحق الغريب حتى لو أنفق حياته كلها في مكان واحد، شخصياً لا أعرف إن كانت هذه الحالة قد فرضت علي، فأنا لم أفكر بها رغم إحساسي أن الآخرين يلصقونها بي دون إرادتهم، فقد عشت في مكان واحد منذ تركت العراق ووصلت الأردن، وعشت فيه قصة حب أسطورية مع زوجتي (شادية) وأنجبنا ثلاث بنات وولدين، وكنت وما أزال فاعلاً في المشهد الثقافي الأردني والتقط من الشارع الذي أعيش فيه كلَّ حبة أرى أنها صالحة للكتابة الشعرية، وأعمل في كبرى مستشفيات عمان منذ أكثر من عشرين عاماً، ورغم ذلك يفرحني أن أسمع جاري يحدث ابنه عن جارهم (العراقي).

*شاعر ومترجم من الأردن.

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *