الرئيسية / قراءات / مراجعة: رواية “أبواب ضيقة” للكاتبة سلوى جراح

مراجعة: رواية “أبواب ضيقة” للكاتبة سلوى جراح



*الدكتور برهان شاوي



الحنين للعراق الذي نفتقده.. الحنين إلى السلام النفسي والاجتماع

خاص ( ثقافات )

حين انتهيت من قراءة رواية ” أبواب ضيقة” للصديقة الروائية سلوى جرّاح التي وصلتني قبل أيام، وجلست للتنويه بها معرفاً، تذكرت ما كتبته وقلته عنها حين قدمتها في لندن بعد صدور روايتها “صورة في ماء ساكن”، وهي روايتها الخامسة بعد “الفصل الخامس” و”صخور الشاطئ” و”أرق على أرق” و”بلا شطآن”.. فحينها قد كتبت: سلوى جرّاح في معظم رواياتها هي عراقية بامتياز، وإنها تقف بجدارة إلى جانب الأسماء الروائية المعروفة في السرد الروائي العراقي..”.

وهي في روايتها السادسة كما في الروايات الأخرى لا تبتعـد كثيراً عن عوالمها الأدبية التي رصدتها سابقاً، وأقصد هنا عالم الأسرة الحميم، وتفاصيل الطفولة والصبا والشباب، والخطوات الأولى في عالم الأنوثة، وارتعاشة الشفاه وهي ترسم كلمات الحب الأولى، والانكسارات الأولى للأحلام بسبب التحولات العنيفة لواقع المجتمع العراقي، فهي هنا تعيد التنويع الموسيقي على عالمها..: الفتاة الطفلة الخجولة.. أمها وأبوها.. أخوها.. صديقتها.. أحد إخوة صديقتها.. لمسات الحب الأولى.. الجامعة.. الحب الأول.. الحبيب اليساري الذي يضطر إلى مغادرة العراق.. وهنا تختلف النهايات لكنها تتقاطع وتتوازى، فالهجرة إلى الخارج.. حياة المنفى.. معاناة الذات والطمأنينة في عالم الذكريات.

والحقيقة أن الكاتبة سلوى جرّاح تعي بناء رواياتها وحركة أبطالها، وتمارس في هذه الرواية، “أبواب ضيقة”، تقنية جديدة تختلف عن رواياتها السابقة من خلال تهميش الكاتبة على سردها وشخصياتها.. لذلك تكتب في هامشها الثاني على فصول روايتها ما يلي: «يتهمني البعض، بأن عالمي الروائي محصور في الماضي، وكثيراً ما يضيفون، أن كل أبطالي من الطبقة الوسطى، وإني لا أتناول حياة “الناس العاديين”. من هم الناس العاديون؟ هل العيش في بيت مريح يخرج ساكنيه من محيط الناس العاديين؟ ألم يكن طموح الكثيرين أن يعيشوا في بيت جميل ويمتلكوا وظيفة توفر العيش الكريم؟ سأكتب عن الطبقة التي عرفت، وأتركهم يقولون ما يقولون،فأنا لم أختلق زمناً ومكاناً وحياة. كل ما أكتب عنه كان موجوداً ومعيشاً. كل ما أرويه عرفه العديد من أبناء وبنات جيلي، في العراق».

نعم.. سلوى جراح صادقة ومخلصة لعالمها.. أمينة لذاكرتها وتفاصيل حياتها وتجاربها التي تنوع عليها ألحانها الخاصة، الأقرب للرومانسية حتى في أشد منعطفاتها قسوة. وفي هذه الرواية تواصل سردها الروائي عن عالمها الذي تعرفه بتفاصيله، فتقدم لنا حكاية طويلة، شيقة، ناعمة، سلسة في سردها ولغتها، تستعرض حيوات شخصيات عديدة، لكنها تبقى أسيرة ذلك العالم العائلي الطيب.. روايات هي نوع من النوستولجيا والحنين لعلاقات وأمان وسلم اجتماعي نفتقده.

في هذه الرواية نتعرف على الكاتبة نوار حمدي الصاحب وهي تسرد حكايتها منذ أن كانت تلميذة في البصرة وانتقالها إلى كركوك بحكم عمل والدها، وتعرفها هناك على صديقة رحلتها فاتن.. وخطوات الحب الأولى، ثم الانتقال إلى بغداد وبدء الحياة الجامعية في قسم اللغة الإنجليزية وتعرفها هناك على عفراء التي تزرع فيها الأفكار الماركسية.. وتجرها للانتماء إلى الحزب الشيوعي.. وتعرفها إلى زميلها فلاح.. ونمو العلاقة إلى حب جارف، لكنه يمر بمنعطفات هي رحلة حبيبها فالح إلى لبنان هرباً من الوضع السياسي، والتحاقها به سراً دون علم أهلها وزواجها منه في بيروت، وعملها في إحدى المؤسسات الفلسطينية، ثم مرضه وانفجار الوضع السياسي والحرب الأهلية في لبنان، وسفرهما هي وزوجها إلى براغ، ورفضها العودة إلى بيروت الحرب والدمار.. بينما يعود زوجها التزاماً منه بقرارات الحزب ورحيلها من براغ إلى لندن وبدء رحلة العمل والمعاناة إلى أن تجد عملاً في صحيفة عربية هناك، بينما تنتهي علاقتها بحبيبها الذي يرسل لها ورقة الطلاق بالبريد في حين يبرز في عالمها شخص آخر.. صديق ومحب.

هذا هو بشكل عام المخطط السردي لأحداث الرواية.. بيد أن اعتماد الكاتبة لتقنية جديدة هي وضع الهامش على الفصول لتشرح أو لترد ميزة هذه الرواية عن سابقاتها، وحتى هذه الهوامش لم تستخدمها دائماً لأنها ألغت بعد عدة فصول دور الكاتبة المراقبة للنص واعترفت أنها هي نفسها لذلك ألغت الهوامش على النص؛ لكن ما استوقفني أنها ترد أحياناً على ما يقال خارج المتن الروائي، كما توقفت عند دقة بعص التواريخ والأحداث التي لم تؤثر على مسار السرد الروائي، وعلى سبيل المثال: إن “فالح” حبيب البطلة يغادر العراق هرباً مع أخيه المناضل الشيوعي في فترة الجبهة الوطنية بين الشيوعيين والبعثيين، علما أن التجربة السياسية العراقية في تلك الفترة تؤكد العكس بما كان يُسمى “عودة الكفاءات” ومعظمهم كانوا من الشيوعيين، وأن الهروب السياسي كان نهاية السبعينيات بعد انهيار ما سُمي بـ”الجبهة الوطنية!”.

لقد نأت الكاتبة بنفسها عن الغوص في تفاصيل الحياة اللندنية وعالم المغتربين العرب في مجالات العمل علماً أنها مادة غنية للكشف عن دواخل النفوس والصراع من أجل البقاء، بينما كان ذلك منهلاً مهماً للسرد والتنويع الروائي.. وأعتقد أن لدى الكاتبة سلوى جرّاح الكثير والكثير لكي تقصُّه في هذا الجانب.
والحقيقة أننا كقراء لا يمكننا أن نفرض أمزجتنا ولا رؤيتنا ولا فهمنا للعالم على الكاتبة، ولا أي كاتب أو كاتبة، وإنما علينا تأمل عملية تلقينا للنص، مع تفهم خصوصية تجربة الكاتبة وخصوصية عالمها الروائي. وهنا يمكننا القول بأن عالم سلوى جرّاح الرومانسي، وشخصياتها الشفافة، المليئة بالحب والتي تقودها إرادة الخير، والتي لا تعاني من أية مشكلات نفسية، هو عالمها الذي عرفته حقاً، كما أوضحت في أحد هوامشها على النص..

سلوى جرّاح في روايتها “أبواب ضيقة” تضيف نصاً سردياً ممتعاً وشفافاً لعالمها الروائي ولمسيرتها الإبداعية.. رواية تُعد تنويعاً جديداً ممتعاً عن عالم نفتقده.

أبواب ضيقة – رواية
المؤسسة العربية للدراسات والنشر
الطبعة الأولى – 2015


شاهد أيضاً

راشد حسين في دائرة الضوء من جديد

(ثقافات) *فراس حج محمد صدر عن دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافية رام الله وعمان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *