الرئيسية / فنون / تخفف العمارة: حين حرّر العلم التصميم من قيوده

تخفف العمارة: حين حرّر العلم التصميم من قيوده


نتاي أتشمز


تُعرّف العمارةُ بأنها تزاوجٌ بين العلم والفن. لكن ثمّة حيرةٌ في ما إذا كانت، على الأكثر، من الفنون التشكيلية أم من العلوم الهندسية، وهي حيرة امتدّت إلى القطاعات الأكاديمية في جامعات العالم، وأيضاً إلى دراسات المؤرّخين ومنظّري العمارة، الذين “احتاروا” بين رمزيّة مفترضة لأيديولوجياتٍ قديمةٍ انعكست أشكالاً ومبانيَّ، وبين متطلّبات إنشائية فرضتها مواد البناء المتوفّرة وفاعليتها مع البيئة التي قام عليها المبنى المعماري. وكثيراً ما بقيت الأسئلة بلا أجوبة شافية ونهباً لفرضيات متناقضة.
ما يميّز العمارة عن باقي الفنون هي متطلّباتها التقنية الضخمة (وبالتالي تكاليفها الاقتصادية)، سواءً لبنائها أو لاستخدامها أو لترميمها والحفاظ عليها، وهذه المتطلبات هي الأضخم، بما لا يُقاس، بين كلّ أنواع الفنون.

وبسبب ذلك أصبح للعلم (والتقنية تطبيقه العملي) القول الفصل في كلّ عمل معماري: بدءاً من الموافقة على بنائه، مروراً باستمراره وديمومته ووصولاً إلى صيانته الدائمة أو قرار إزالته، إن لم يتكفّل بها الزمن أو أخطاء تقنية في إنشائه.

لم يتقصر القول الفصل للتقنية، قديماً، على أساليب الإنشاء، بل امتدّ إلى الطرز المعمارية وأشكال الزخرفات التي حكمتها تقنيات القص والنحت والتركيب والبناء، وهي تقنيات متطلّبة في إتقانها وأدواتها، ما جعل لها مهناً قائمة ينقلها المعلّمون إلى تلامذتهم جيلاً بعد جيل.

وبالتالي، فإن تغيير أي طراز، هو عمليّة تحتاج تطوير المهارات لإتقان هذا التغيير وإدخاله في الدورة المهنية للبنّائين، وهذا الطرحُ ينفي الاعتقاد بانتساب أيّ طراز معماري إلى ثقافة حكّام عهدٍ ما، بل إلى قوّة اقتصاد دولته واتساع نفوذها.

في نهايات القرن التاسع عشر، ومع الثورة الصناعية والبدء باستخدام مواد بناء جديدة كان أبرزها الإسمنت المسلّح، بدأت الأفكار المعمارية تتبلور نحو انتقال جذري في الطرز المعمارية، بعد أن حرّرت التقنية المعماريين من متطلّبات البناء وفق المواد السابقة كالحجر والخشب.

على الرغم من مقاومة التقليديين، حُسم الجدل لمصلحة من عُرفوا بمعماريّي الحداثة، بعد أن قال الاقتصاد كلمته لمصلحة عمارة أقل كلفة وأكثر كفاءة. وعلى الرغم من أنّ عمارة الحداثة وما بعدها انطوت على تجارب عديدة، منها ما نجح وقُبل من الناس ومنها ما أخفق ورُفض، إلا أنّها شكلت قفزة كاملة نحو حوار معماريّ فنيّ وعلميّ انخرط فيه ــ ولأول مرة ــ العالمُ أجمع في دراسات نظرية ومشاريع عملية عابرة للقارّات.

بالوصول إلى القرن الواحد والعشرين عصر الأتمتة، بات التطوّر التقني العامل الأساسي في العمارة، ليس فقط في وسائل البناء، بل تعدّاها إلى وسائل التصميم ووضع الدراسات.

يبقى السؤال: هل تطوّرت التقنية نحو تنفيذ الخيال الفني (كما كان واضحاً في القرن العشرين) أم أن الخيال الفني هو الذي تأقلم مع التقنية في العصور السابقة؟ وما هو شكل عمارة المستقبل ودور التقنية فيه؟
نشهد حالياً تطوّراً هائلاً في مواد البناء وطرق توليد الطاقة البديلة بفعّالية عالية، خاصة مع دخول تكنولوجيا النانو (أو تكنولوجيا الأجسام المجهرية) حيّز التطبيق؛ فاليوم ومع الطباعة ثلاثية الأبعاد، بات من الممكن “طباعة” أبنية وتنفيذ نماذج معمارية.

كما لم تعد خيالاً صناعة مواد بناء تتجاوب مع البيئة، كالزجاج الذي يدخل كمية محدّدة من الضوء والحرارة، أو مواد تتجاوب ضمن مجال درجات حرارة محدّدة لتأمين العازلية أو الناقلية الحرارية، وفق الحاجة لتخفيض الاعتماد على التدفئة والتكييف، وبالتالي استهلاك الطاقة، وهو ما سيجعل تصميم مبانٍ تتجاوب مع معطيات البيئة (تأمين الحاجة الكافية من التشميس أو التهوية وموضوع العزل والكسب والفقدان الحراري) ضرباً من الماضي، إذ سيكون بالإمكان تصميم أيّ شكل وستتكفّل مواد بنائه بالتجاوب البيئي المطلوب.

كما أن توليد الطاقة من مصادر لا أحفورية، أو ما بات يُسمّى مصادر صديقة للبيئة، والتي أصبحت مع التطوّر التقني أكثر فاعلية. ففي حزيران/ يونيو 2014، تمكّنت ألمانيا ذات السطوع الشمسي القليل من إنتاج نصف حاجتها من الطاقة الكهربائية لمدّة عام عن طريق البطاريات الشمسية. كذلك تم اختراع كابلات كهربائية ينعدم الهدر فيها تقريباً وبطاريات تعمل لفترات طويلة وقابلة للشحن في زمن قصير جدّاً.
ومع توفر هذه التقنيات بأسعار باتت، أكثر فأكثر، مشجّعة للغاية، فإن كلّ ذلك سيشكّل تأثيراً هائلاً على العمارة في القريب العاجل. لن تكون ثمّة فائدة تُرجى من تبنّي تصاميم ذات طابع بيئي مستدام، بل سيكون للمعطيات الجمالية الدور الأساس.
قد نصل إلى رؤية تكون فيها العمارة فنّاً لا تأخذ الشروط التقنية حيزاً فيها أكثر مما تأخذه نوعية الطلاء المستخدم في الرسم مثلاً، وسيتحرّر المعماريون من معظم شروط العلم نحو رؤيةٍ فنيّة خالصة. والمفارقة أن العلم هو من سيحرّرهم.

——–
العربي الجديد

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم “حرب باردة”

* هاني يارد عام 2015 فاز البولندي بافل بافلكوفسكي بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *