الرئيسية / فنون / ميلوش فورمان:أشباح غويا.. أشباح كل عصر

ميلوش فورمان:أشباح غويا.. أشباح كل عصر




*أحمد ثامر جهاد


خاص ( ثقافات )
في حديثة عن فيلمه المثير للجدل (أشباح غويا) إنتاج العام 2006 يقول المخرج التشيكي ميلوش فورمان “لم أكن راغبا بتقديم بورتريه عن فنان عبقري، بقدر ما أردت ان أقدم شيئا أكثر شمولية”، وقد يكون فورمان محقا في سعيه هذا، حيث تبدو الصورة السينمائية عاجزة عن إضافة برهان آخر لعبقرية فنان بحجم فرانشيسكو غويا، ألهم وما زال يلهم المئات من التشكيليين في شتى بقاع العالم.
لذا سيبدو مهما واستثنائيا لو وضع إبداع الفنان ذاته في إطار أحداث عصره التي كانت معينا أساسيا لمجمل لوحاته ومواقفه. هاهنا سنرى وبشكل صريح كيف كان غويا الفنان الأول المقرب للبلاط الأسباني أواخر القرن الثامن عشر.حتى وإن أغضبت لوحاته شخصيات القصر الملكي بما تخفيه من تلميح ساخر ورسائل جريئة.
وكغيره من المبدعين كان غويا فنانا يرتزق من فنه لكنه في الوقت عينه مخلص لأسلوبه ورؤيته، فما اعتبر نورا بالنسبة للآخرين كان ظلاما في حدقتي غويا الحادتين،لا سيما أن الإسبان كانوا ضحايا لأحداث قرن الإطاحة بالرؤوس؛ الذي يقول عنه الروائي الشهير كارل فونتيس في قراءته لأعمال غويا “إن مفارقة القرن الثامن عشر تكمن في احتفائه بوعوده،وكان عليه في الوقت نفسه أن ينتقدها. ذلك أن الحرية في الانشقاق كانت أيضا القاعدة لثورة التنوير ضد العقيدة السياسية والدينية”.
خلال الفيلم الذي يمزج بمهارة سينمائية السرد والدراما والتشكيل، تقدم الحياة الأسبانية بقسوتها ومرارتها وزيف ادعاءاتها، حيث أن أشباح غويا في النهاية هي أشباح كل عصر، وأن التاريخ كما يذهب ميلوش فورمان غير رحيم ويعيد نفسه دائما. من هنا يقدم المخرج رؤية مبرهنة عن التاريخ والثقافة والسلطة من خلال دراما شديدة التأثير تضع غويا في نسيج دراماتيكي يتلخص في حملات محاكم التفتيش سيئة الذكر التي أزهقت أرواح آلاف الأبرياء لمجرد قراءة كتب فولتير أو السخرية من زيف ادعاءات رجال الكنيسة الكاثوليكية.
في غمرة هذا المناخ يرسم فورمان لوحته السينمائية التي تتمحور قصتها حول مصير الفتاة( أنيس) إحدى الشخصيات التي ألهمت غويا فنيا ولاقت مصيرا قاسيا وسط بلبلة الأفكار وحملات رجال الدين الأجلاف وملوك البلاط الفاسدين.
منذ المشاهد الأولى نتعرف على ضجر رجال الدين من تخطيطات غويا الشهيرة المعروفة بـ(الكابريخوس) لما فيها من سخرية مقذعة لمفاهيم ورجالات الكنيسة، ولاحقا نرى غويا يرسم في منزله صورة شخصية للأب لورينزو (الممثل خافير بارديم) الشخصية الرئيسة التي ستتمحور حولها ابرز أحداث الفيلم،في إشارة واضحة يقدمها المخرج لبيان مدى مهادنة غويا كفنان ومثقف وانحيازه لمصالحه الخاصة، رغم إدراكه لما تعنيه محاكم التفتيش التي يعد الأب لورينزو احد أعضائها.
محكمة التفتيش تصل إلى حل يجسد سلطتها التعسفية الهادفة إلى وقف تجاوزات المهرطقين، ويتمثل بإرسال مجموعة من المخبرين السريين يجوبون الحانات والأماكن العامة ويسجلون هفوات الناس في تقارير عشوائية عن المشتبه بولائهم لقيم الكنيسة وتقدم فيما بعد لأعضاء المحكمة.وهنا يرصد احد المخبرين امتناع الفتاة انيس (الممثلة نتالي بورتمان) عن أكل لحم الخنزير في حفلة عامة مما يجعلها ضمن دائرة الشك من ان تكون يهودية.
تتعرض أنيس رغم أنها ابنة أحد النبلاء إلى الاستجواب القسري من قبل أعضاء المحكمة ويطلب منها القسم بكونها غير يهودية وتتبع ديانة آباء الكنيسة. تؤدي الفتاة القسم المطلوب ولكن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد، لأن الكنيسة تبحث أساسا عن كبش فداء تجعله أمثولة للمتطاولين على سلطتها.
وتحت التعذيب تعترف انيس بأفعال لم تقترفها، وتطول فترة حبسها لتتعرض لاحقا للاغتصاب على أيدي الأب لورينزو الذي يزورها في السجن عدة مرات، فيما يفعل والدها النبيل كل ما بوسعه لإنقاذها دونما فائدة، ولم يبق أمامه سوى مفاتحة غويا(الممثل ستيلان سكارسغارد) للتوسط لدى الأب لورينزو لمساعدته في إطلاق سراح ابنته كونها بريئة، لكن لورينزو يهرب من البلاد بعد افتضاح أمره. 
ربما كان احد أجمل مشاهد الفيلم من ناحية المغزى العميق لماهية الحقيقة ومدى صمود الإنسان أمام التعذيب ذاك المشهد المؤثر الذي يلبي فيه لورينزو دعوة والد الفتاة انيس بالقدوم إلى منزله فتدور مناقشة حامية بينهما حول معنى البراءة والاعتراف تحت ضغط التعذيب.الكاهن لورينزو يعتقد أن الرب في مواقف كهذه يكون إلى جانب الإنسان المؤمن ويعينه على تحمل الألم والصمود أمام قسوة معذبيه. فيقوم والد الفتاة بحركة مباغتة لإخضاع الكاهن إلى تجربة لها دلالتها، ويربطه بحبال تمنع حركته ويعلقه بمساعدة أبنائه في سقف الغرفة ويأخذ باستجوابه في حين يطلب من غويا عدم التدخل.
سنرى هنا كيف تقلب الأدوار حيث تكون معتقدات الكاهن تحت الاختبار الواقعي،والأهم ان لورينزو الذي يؤمن بأن الله لن يتخلى عن أمثاله، يعترف تحت وقع الألم الشديد بأشياء مضحكة منافية للحقيقة والعقل.هاهنا يبرهن والد الفتاة على المغزى الذي يرمي إلى إظهاره وهو أن المرء تحت التعذيب قد يعترف بأشياء غريبة لم يقترفها.
يقفز الفيلم إلى فترة الغزو الفرنسي لأسبانيا عام 1808،حينها تتغير أوضاع البلاد، إذ تعصف بها للمرة الأولى المبادئ العلمانية للثورة الفرنسية التي توقف محاكم التفتيش وتحاكم أعضاءها الذين منهم من يودع السجن ومنهم من يقتل، والمفارقة أن لورينزو الذي خلع ثوب الكهنوت في منفاه بفرنسا، يعود مع المحتلين الفرنسيين هذه المرة بوصفه أحد رجالات الثورة الفاعلين في الأحداث السياسية الجارية والنافذين في تقرير مصائر أعضاء محكمة التفتيش والحكم عليهم؛ إنها بلا شك نشوة الثأر وتصفية حسابات الماضي المرير.
وفي حمى الفوضى التي ضربت البلاد كلها تفتح أبواب السجون وتخرج أنيس أسوة بالعشرات، فتاة نصف مجنونة تهيم في الطرقات بحال مزرية.تتجول في المدينة الخربة وتكتشف أن جميع أهلها قتلوا خلال أحداث الغزو الفرنسي وتتعرف على منزل غويا الذي تستعين به للوصول إلى الأب لورينزو كونه والد ابنتها التي سلبت منها في السجن من دون أن تعرف مصيرها بعد مرور هذه السنوات كلها.
في لقائهما ينكر لورينزو أمام غويا صلته بأنيس لكنه يرتب خدعة مع الحرس لإعادتها إلى مصح المجانين كي لا يؤثر وجودها غير المرغوب به على منزلته الجديدة، كما ينفي ابنته التي تمتهن البغاء مع أخريات غيرها إلى خارج أسبانيا، ولكن الوقت لم يكن كافيا حينذاك لتنفيذ تلك الخطة، إذ تلوح على الحدود الأسبانية طلائع الجيش الإنكليزي الذي يطرد الفرنسيين ويعيد أوضاع البلاد إلى سابق عهدها، فيخرج كبار الكهنة من سجونهم وتعاد لهم السلطة ثانية،فيما يقع الأب لورينزو مجددا تحت رحمة أعضاء المحكمة الذين سبق لهم أن أصدروا عليه حكما بالإعدام.
يطلب كبير الكهنة من لورينزو الاعتراف بذنوبه وطلب المغفرة للعودة إلى دين الكنيسة الكاثوليكية مقابل إطلاق سراحه والعفو عنه، لكن لورينزو حليف المبادئ العلمانية والمهووس بفكرة الدفاع عن قضية عادلة يرفض الاعتراف وطلب الغفران ويقاد إلى منصة الإعدام صامتا غير نادم فيما تتلاقى من حوله صرخات العامة الناقمة عليه بوصفه رمزا للشيطنة المنبوذة والفكر المهرطق.
وسط فوضى الأحداث المتسارعة ولا منطقها الجارف يصاب غويا بالذهول، ويفقد حاسته على سماع صرخات أبناء جلدته المفجوعين بالجوع والوحشية التي جلبتها الاحتلالات المتتالية على بلادهم،لكن عين الفنان أقوى من أذنيه في تسجيل كل ما يرى من مآسي، دماء على الطرقات ودموع أسفل النوافذ. 
في خاتمة الفيلم نرى عربة خشبية بائسة تحمل جثة لورينزو وتسير في زقاق ضيق موحش لا نهاية له وخلفها جوقة أطفال يتراقصون على أغنية شعبية تطلقها حناجرهم.
إذا أعدنا النظر في قطبي شخصية غويا: فنان البلاط الملكي من جهة، والرسام المحرض للشعب الأسباني عبر رسومات مجموعته الشهرية (لوس كابريخوس) أو مجموعة الملذات من جهة أخرى، سنرى أن المخرج ميلوش فورمان يلمح بقوة إلى أن مصائر النخب المثقفة رغم اختلاف الزمان والمكان قد تبدو متشابهة في تناقضاتها وانتهازيتها كما كان الحال مع غويا، لكن في المقابل لم يكن غويا من النوع الذي يساوي بين القيمة الأيقونية للوحات الزاهية التي زينت جدران الكنائس والقصور الملكية وشكلت علامة من علامات الفن الأوربي الحديث إلى يومنا هذا وبين قلقه الذاتي الذي حملته تخطيطات الكابريخوس الجريئة التي كانت سببا رئيسيا في نقمة الكنيسة عليه لما تضمنته من نقد لاذع لعيوب السلطة الدينية والسياسية في أسبانيا عبر رموز وشخصيات شيطانية وأخرى كاريكاتيرية تخاطب الشعب وتنقل همومه المؤبدة بين الصلب على المشانق أو ملاقاة الأقدار الغريبة لمسوخ بشعة برؤوس بشرية.
ميلوش فورمان المهموم على الدوام بالسياسة ومستقبل الفرد والمجتمع يبدو في فيلمه هذا ناقدا أخلاقيا يائسا من مصير الليبرالية في عصرنا الراهن، واأه يقر بانتصار دسائس القوى المحافظة وخبثها في مقابل ضعف القوى التحررية بالعالم.وليس بعيدا عن مواقفه الرافضة لغطرسة العسكريتارية الأمريكية في احتلالها للعراق يلمح فيلم (أشباح غويا) إلى راهننا السياسي بكشفه عن مقدار الوهم الذي يمكن للمرء أن ينساق إليه إذا ما تصور أن شعبا ما سيستقبل غزاته بأكاليل من الزهور، قبل ان ينقلبوا عليه بأسلحتهم المحررة.
ولد ميلوش فورمان عام 1932 في بلدة صغيرة خارج مدينة “براغ” تسمى (كاسلاف). فقد والديه في معسكرات النازية خلال الحرب العالمية الثانية.وهو أحد مخرجي الموجة التشيكية الجديدة في السينما العالمية.
من أبرز أفلامه : 
غراميات شقراء- 1965،كرة الاطفائي- 1967، رجل فوق القمر- 1999والذي رشح عنه لجائزة أفضل مخرج في حفل الأوسكار،كما حصل على جائزتي اوسكار للإخراج عن فلميه ” احدهم طار على عش المجانين” عام 1975 عن رواية للأمريكي كين كيسي صدرت عام 1962،و” اماديوس”عام 1984.

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم ” أخبار العالم” The News of the World

أخبار العالم: فيلم درامي أميركي من بطولة توم هانكس والممثلة الطفلة الألمانية هيلينا زنغل. * …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *