عجائب الدنيا السبع القديمة

عجائب الدنيا السبع القديمة

حاتم السروي

يسمع كثيرٌ مِنَّا عبارة “عجائب الدنيا السبع” وقد لا يعرف البعض ما هي هذه العجائب، وربما لا يعرف البعض ما هو الفرق بين (عجائب الدنيا السبع القديمة) وبين (العجائب السبع الجديدة) ولنا أن نبدأ بذكر العجائب الجديدة حتى إذا تكلمنا عن القديمة زال الالتباس.

فعجائب الدنيا السبع الجديدة توافقت عليها هيئات ثقافية على مستوى عالمي وأعلنت عنها عام 2007، وتشمل: سور الصين العظيم، ومدينة “البتراء” في الأردن، وهي مدينة وردية منحوتة في الصخر، واشتهرت بها الحضارة النبطية، والأعجوبة الثالثة هي “مسرح الكولسيوم” الروماني العملاق الكائن في قلب روما؛ أما الرابعة فهي مدينة أثرية في دولة “بيرو” اسمها “ماتشو بيتشو” والخامسة هي ضريح “تاج محل” بالهند وهو مبني من الرخام الأبيض، وقد أقامه الإمبراطور المغولي المسلم “شاه جهان” تخليدًا لزوجته. والعجيبة السادسة في (العجائب الجديدة) هي تمثال “المسيح الفادي” في دولة البرازيل، وهو تمثال ضخم يطل على مدينة “ريودي جانيرو”. العجيبة السابعة – وهي الأخيرة-  فهي مدينة “تشيتشين إيتزا” الأثرية في المكسيك، وتعود إلى عصر حضارة المايا في شبه جزيرة “يوكاتان”.

وإذا أردنا الحقيقة فإن آثار العالم القديم الباقية حتى الآن تُعَدُّ من العجائب؛ ولاسيما تلك التي بُنِيَت بحسابات هندسية دقيقة، والآثار التي تتعامد عليها الشمس في يوم معين من السنة، والأهرامات الثلاث المرتبطة بعلم الفلك مما يبهر العقول ويبعث على احترام بُنَاة الأهرام.

غير أن عجائب الدنيا السبع (القديمة) التي اتفق عليها المؤرخون والعلماء هي: “ضريح موسولوس” رمز الحب والوفاء وتمثال “زِيُوس” و”حدائق بابل المُعَلَّقَة” و”تمثال رودس” والهرم الأكبر أو “هرم خُوفُو” ومعبد “ديانا” و”منارة الإسكندرية”.

وإذا أردنا أن نذكر هذه العجائب واحدةً بعد الأخرى؛ فإن أول عجيبة منها هي “ضريح موسولوس” رمز الحب والوفاء. وقصة هذا الضريح أن مدينة “بودروم” التركية الواقعة في منطقة الأناضول وتحديدًا في ولاية “موغلا” واسمها القديم “هاليكارناسوس” كان يحكمها في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد ملكٌ يوناني يُدعَى “موسولوس” وقد عٌرِفَت عنه الحكمة والعدل والنزاهة، وكان وَفِيًّا لزوجته “أرتميزا” أو “أرتميسيا”.

فلما مات “موسولوس” حَزِنَت عليه زوجته “أرتميسيا” حزنًا شديدًا، واعتزمت أن تبني له ضريحًا لم يُشَيَّد مِثْلُهُ لأحد، على أن الحزن أقعد الأرملة الوَفِيَّة إلى أن لحقت بزوجها قبل أن يتم بناء الضريح؛ فصمَّم المشرفون على البناء وأصرُّوا على استكماله، وشجعهم الشعب على هذه الرغبة لأن “موسولوس” كان محبوبًا من رَعِيَّتِه وكذلك زوجته “أرتميسيا” أيضًا.

وضريح “موسولوس” كان يجمع في تصميمه المتميز بين الفنون اليونانية والفارسية والمصرية، وقد صَمَّم بناءه مهندسان كبيران وهما “ساتيروس” و”بيتيس” من اليونان، وعاونهما آخرون.

ومن أسَفٍ أن الضريح العجيب تعرض لسلسلة من الزلازل في القرون الوسطى فانهار؛ إلا أن فرسان القديس يوحنا استخدموا أجزاءً منه لبناء قلعة في “بودروم” وجديرٌ بالذكر أن كلمة Mausoleum  في اللغات الأوروبية وتعني (الضريح) مشتقة من اسم الملك “موسولوس”.

وأما العجيبة الثانية فهي “تمثال زيوس” المُشَيَّد في مدينة “أوليمبيا” اليونانية حيث قرر مجلسها تمجيدًا للمعبود الإغريقي “زيوس” كبير آلهة اليونان أن يبنوا له تمثالًا ضخمًا عام 438 قبل الميلاد، وعهدوا بأمر بناءه إلى النَّحَّات اليوناني الشهير “فيدياس”.

وتمثال “زيوس” يمثل رجلًا جالِسًا على عرش وفوق رأسه غصن زيتون وبيده اليمنى تمثال النصر في صورة امرأة، وفي يده اليُسرَى صَوْلَجان يجثُم فوقه نسر. وقد كانت نعال التمثال وكِسوَتُه من الذهب الخالص؛ أما العرش فكان من العاج والأَبَنُوس المُطَعَّم بالذهب والجواهر الثمينة، ونظرًا لجماله الفائق فقد قال الفيلسوف “ديوجينيس”: “أعتقد أن من أثقلته هموم الحياة وأحزانها وأصابه الأرق؛ إذا رأى هذا التمثال نَسِيَ همومه وأحزانه وزَايَلَهُ الأرق”.

وثالثة العجائب هي “حدائق بابل المعلقة” التي بناها ملك بابل ليكرم بها زوجته؛ ففي عام 606 قبل الميلاد نالت مدينة بابل العراقية استقلالها بعد كانت خاضعة لمدينة عراقية أخرى وهي “نينوى” وأراد الملك البابلي بمناسبة تحرر مدينته أن يُهادِي زوجته المحبوبة بهدية لم يسبق لها مثيل؛ فأمر الفنانين أن يقدموا له ابتكارًا لتصميم حديقة عجيبة لتتنزه فيها زوجته المُدَلَّلَة؛ فابتكروا الحدائق المُعَلَّقة، وهي في الواقع حديقة واحدة كبيرة جدًا؛ ولكن لأنها تتألف من طبقات فقد أصبحت “حدائق” وكل طبقة فوقها مقدار من الطَّمْي الخصب يكفي لإنبات الأشجار والأزهار؛ حتى إذا أقبل الربيع الطلق يختالُ ضاحِكًا من الحُسنِ حتى كادَ أن يتَكلَّما وازدهرت النباتات الرائقة الرقيقة بدت الحديقة للناظرين وكأنها معلقة في الفضاء لتأخذ بألبابهم وتجعلهم في اندهاش من هذا الجمال الرائع.

والعجيبة الرابعة هي “تمثال رودس” وقصته أن أحد ملوك البطالمة الذين كانوا يحكمون مصر – وهو بطليموس الأول- خرج عليه “ديميتريوس بوليوركيتس” فحاصر جزيرة”رودس” بأسطول ضخم صمد له أهل الجزيرة، حتى هبَّ لنجدتهم بطليموس ردًا لجميلهم لأنهم كانوا حلفاءه وأنصاره فأطلقوا عليه لقب “سوتَر” ومعناه: المنقذ، وبعد انكشاف الغُمَّة أقام حاكم الجزيرة تمثالًا من البُرُونْز لإله الشمس حسب المعتقد اليوناني القديم “هيليوس” في مدخل مدينة “رودس” احتفالًا بفك الحصار وتخليدًا لذكرى الانتصار، وقد استغرق صنعه اثنتي عشرة سنة، وقد أمر حاكم “رودس” واحدًا من أمهر النحاتين في جزيرته بصنع التمثال، وهو النحات “كارِس” فصنعه من هيكل حديدي وصفائح برونزية، وقد بلغ ارتفاعه 33 مترًا؛ فهو بذلك يقترب من ارتفاع تمثال الحرية الشهير الموجود في “نيويورك”.

 وفي عام 226 قبل الميلاد تعرض “تمثال رودس” لزلزال مُدَمِّر بعد أربعة وخمسين عامًا فقط من إنشاءه، وظلت أنقاضه على الأرض عدة قرون، وبعد أكثر من 800 عام فتح المسلمون جزيرة “رودس” وبيعت أنقاض التمثال بوصفها خردة معدنية.

ونصل الآن إلى الأعجوبة الخامسة وهي “الهرم الأكبر” في مصر، وكان الفراعنة أو “المصريون القدماء” يسمون هذا الهرم بـ “ياخيث خوفو” أي “أُفُق خوفو” أو مدفنه؛ مما يدل على أنه بني ليكون قبرًا. والعجيب أن الهرم ليس فيه ما يدل على أن “خوفو” أمر ببناءه سوى نقش وحيد على أحجار إحدى الغرف الداخلية، ويظن بعض علماء المصريات أن أحد العمال كتبه على الحجر قبل نقله من محاجر منطقة “طُرَه” وهذا الهرم الضخم الذي يشبه الجبل كان المقصد الوحيد من بناءه هو حفظ جثة الملك “خوفو” ليس إلا! والأعجب من بناء هذا الصرح الكبير لمجرد أن يكون مقبرة أن جثة الملك لم يعثر عليها أحد حتى الآن! حيث يوجد فقط تابوت فارغ من الجرانيت في غرفة الدفن الرئيسية بالهرم.

أما العجيبة السادسة فهي “معبد ديانا” إلهة الذكاء والقوة عند الإغريق، وهو الذي بُنِيَ في القرن السابع قبل الميلاد بمدينة “أَفَسُس” اليونانية، وقد تهدَّم وأعيد بناؤه عدة مرات، وحين مر “الإسكندر الأكبر” على “أفسس” كان المعبد مُهَدَّمًا فأراد إعادة بناءه وإهداءة للإلهة “ديانا” فقيل له: لا يجوز لك وأنت الإله أن تهدي معبدًا لإِلَهَةٍ آخر! وأعيد بناء المعبد بالفعل دون إهداءه لـ “ديانا” لأن الإسكندر كان قد أعلنه بعض الكهنة في مصر إلهًا وهو الأمر الذي أثار سخرية اليونانيين الذين رفضوا السجود له لأن لديهم عزة نفس، وما عزز من سخريتهم أكثر أن الإسكندر أصيب في إحدى غزواته بمدينة “بابل” بالملاريا  وهذا هو القول الأشهر في وفاته، ويقال إنه مات بحمى التيفُويِد، وبعض النظريات تقول أنه أفرط في شرب الكحول والطعام الدَّسِم في سلسلة من الولائم والاحتفالات فأصابه التهاب البنكرياس الحاد؛ والمهم أن حالته الصحية تدهورت سريعًا ليصبح غير قادر على الكلام ويستولي عليه الشلل ثم يدخل في غيبوبة ويموت كما يموت كل الناس، فكيف يكون إلهًا؟!

وفي عهد ملك مصر اليوناني “بطليموس الثاني” – ويُسَمَّى: فلادِلفيُوس-  وتحديدًا في عام 280 قبل الميلاد بُنِيَت منارة الإسكندرية وهي الأعجوبة السابعة؛ حيث اتسع نطاق التجارة بين الإسكندرية والبلاد الأخرى؛ فأقام الملك منارة بالغة الارتفاع لتهدي السفن بضوئها، وكانت تنبه السفن حتى لا تصطدم بالمناطق الملاحية الخَطِرَة وترشدها إلى نواحي الموانئ المختلفة، ويقال إن ارتفاع المنارة بلغ 600 قدمًا أو 130 مترا.

وفي عهد الخليفة الأُمَوِي “الوليد بن عبد الملك” حدثت “حكاية الكنز” حيث تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن ملك الروم كان يحقد على العرب والمسلمين جدًا، وكان يحسدهم لوجود منارة الإسكندرية في أراضيهم؛ فأرسل إلى الخليفة رجلًا محتالًا زَيَّن له هدم المنارة زاعِمًا أن تحتها كنوزًا؛ غير أن الوليد بعد شروعه في هدم المنارة تنبه إلى المكيدة فحاول أن يعيد بناء ما هُدِم ولكن هيهات؛ على أن السبب الرئيسي في هدم المنارة بالكُلِّيَّة هو الزلزال الشهير الذي ضرب مصر عام 1303م في عهد “الناصر محمد بن قلاوون” وقد حاول بعض حكام مصر السابقين على “الناصر محمد” ومنهم “أحمد بن طولون” و”ركن الدين بيبرس” أن يُرَمِّمُوا المنارة إلا أن الترميم لم يكن كافَيًا.

لكن المنارة لم تذهب سُدَىً؛ ففي عام 1477م أمر “السلطان الأشرف قايتباي” ببناء قلعة مكانها وباستخدام حجارتها في البناء، وكانت حجارة المنارة في مكانها عبارة عن أطلال؛ فاستخدمها “قايتباي” في بناء قلعته الشهيرة بالإسكندرية. وفي العصر الحديث اكتشفت بعثة أثرية من البعثات المتخصصة في مجال (الآثار الغارقة) أجزاء كبيرة جدًا من المنارة، وبعد دراسة شكل المنارة وارتفاعها كما جاء في الكتب أعاد بعض العلماء تَصَوُّر شكل المنارة والتماثيل المقامة أمام أبوابها بل والأحجار التي استُخْدِمَت في البناء، وهذا الاكتشاف من أهم الاكتشافات في العصر الحديث.

شاهد أيضاً

فشل أنظمة كشف الذكاء الاصطناعي: طلبة ومهنيون وكُتّاب يدفعون الثمن

فشل أنظمة كشف الذكاء الاصطناعي: طلبة ومهنيون وكُتّاب يدفعون الثمن مولود بن زادي تزايدت المخاوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *