الرئيسية / نصوص / بهذا تحدثني رأسي: لا تتنكري للخطيئة

بهذا تحدثني رأسي: لا تتنكري للخطيئة



سناء ناصر


لا تتنكّري للخطيئةِ كلهم تملؤهم الخطايا، مولعةٌ بالصدق، بكرسي الاعتراف لكنكِ الكرسي والقِس والستارة والخطيئة، تعلمين أن الاعتراف لا يعني البوح، تعلمين أنه ليس طريقك إلى الخلاص، تروين ما حدث كقصةٍ مسلّية، تجمّلينها كمسخٍ لا يشبه أصله، فيزداد رصيدك من الخطايا!


ما زال في الصدقِ متسعٌ لكذبك، كي تعترفي بأنك لم تعترفي قطّ، لم تروي حقيقة ما حدث حتى لنفسك، لم تعتذري عن موعدٍ مهملٍ عن مقعدٍ فارغٍ، عن قلبه المتقد وقهوته الباردة، لم تعتذري عن أنك لم تنوي المجيء أصلاً، لم تعتذري عن أنصافِ قصائد، عن قصصٍ مبتورة، عن حكاياتٍ تخبئينها بين أسطرٍ فارغة، عن رهبة الاكتمال، عن فزعِ أن تبدئي صباحك دون مساحةٍ شاغرةٍ للمفاجأة، يخيفك الثبات، تتقنين لعبة الاختفاء حين تباغتك السكينة، تنصُبين الضجر أشرعةً تأخذك في اتجاه الصخب، عن التبدل والتقلب وأمزجتك التي تعتنين بها كالفساتين، عن تصنع الاكتراث عن سؤالٍ يرافقكِ كالظل: لمَ أنا هنا؟


احصي خطاياك، علّك تدركين أن جميعها تافهة، تضخّمينها كسببٍ للهروب، احصيها ثم انثريها للريح، لن تُثقِـل الريح مهما ثَقُلت.
بعيدة عن الصدقِ بصدقك، يكبّلك الخوف، يدلّيكِ كالعرائس المعلقة، يوهمك بالحرية والحركة والرقص، وقرار الخلاص معقودٌ بإحكامٍ في نهايات أطرافك، تضيئين بالأمنيات عتمة الثبات، كقنديلٍ لم يبرح زاويته المهجورة، لو أصخت السمعَ لسمعتِ سؤاله: و لمن أضيء؟ امضي، احملي قنديلك وامضي، لا تأبه الزوايا بالظُلمة؛ الزوايا لا يقطنها أحد، والطرقات يسلكها الجميع، ستذيب الشمعة عتمة خطواتك لو أن القنديل لا يبرح يدك، تحملينهُ ويحملك نوره، نوره الذي لا يتجزأ، لا يُبقي شيئاً منه في طريقٍ هجرته أقدامك؛ و-كالنور- لا تُبقي شيئاً منكِ في طريقٍ هجرته أقدامهم، اجمعي أجزاءك من ذكرياتهم، اجمعي ما تناثر منك في المأمول والمنتظر، استردّي ما اختطفته منك يد التوقعات، واختزلته الذاكرة والتجربة، والقصص في أذهانهم؛ سيتسع الطريق لاكتمالك.


كفّي عن السماح لهم باقتسامك، ما تتقاسمه الأشياء ينضب، لا الشمس نتقاسمها، لا الأكسجين، لا النور؛ ينتشر نأخذ منه حاجتنا، نشرع له نوافذنا، فيتضاعف، اخترعوا فكرة النضوب كي نكفّ عن العطاء فوقعنا في الفخ، خذي من الحب كله فيفيض. إنه العطاء بالأخذ، لا تكتفي بكفايتك، خذي من الأشياء أكثر، خذيها كلّها، اركني إلى من فاض بهم قلبٌ أو صمتٌ أو أغنية أو بكاء أو ضحك ودعي سواهم، دعي أولئك المصطفّين على الأرصفة يلتحفون خوفهم، الرصيف آمن والمضيّ يخيف من لا وجهة له، يكتنزون الشموع لأن البقع المضيئة مؤقتة، يقتلها ذوبان الشمع، لكن ذلك ليس مسوّغاً للثبات، الشمعة للمضيّ ليست للمكوث، إن كنت ستطيلين الجلوس أطفئيها.
كفّي عن الإنصات لي، دورك في الفعل الآن، ما أقوله محض إنشاء، وعبارات منمقة، الاعتراف لا يخلقه الكلام، تعلمين أنك لا تملكين من الصدق سوى صوتي الذي لا يكفّ عن الدوران في رأسك، سواي أنا، أنا، الصوت الذي لا يحدثك بما تريدين ولا يحدثك بما تكرهين، أنا خارج رغباتك، ويؤرّقكِ أنني في منطقة محايدة أقف، لكن قدري المضي لا الوقوف -كإياكِ وكالقنديل تماماً-، قدري الطواف والحركة والانطلاق، وكل مأزق يعتريك سببه أنّك تصرّين على إبقائي حبيس رأسك، قولي لي ما الجدوى إن لم تتلقفني أذنٌ أو يعكسني حائط؟ لا يمكنك إبقائي مجمداً هكذا، أيعرف غيرنا عن إتقانك تجميد الصوت؟ عن أنك بارعة في إخضاع الصوت لقوانين الكتلة والكثافة؟ لذا ربما عُدتِ لا تؤمنين بالفيزياء الكلاسيكية؟ تتحاشين القوانين حتى تعثري على مخرجٍ منها؟ ماذا لو أن القانون برمته، بشواذه ومخارجه لا يعنيكِ؟ ماذا لو أنك لست بحاجة لهذا القانون؟ لمَ تحاولين جاهدة إضاعة وقتك في كسره؟
كفّي عن افتعال الفكرة، أتعبني التخبط، لم أكن لأقول ما أقول لو لم تأذني لي، كفّي عن خديعة ذاتك، تُطمْئنين ضميرك بمعارضتي، وأنا صنيعتك، لم يفت الأوان، يمكنك إخراسي، لخلاصك الأبدي، لأتحرر من تناقضك وتتحررين من صراخي، لأتخفف مما تكنينه في صدرك وتُحملينني مسؤوليته؛ أسرارك تضج في رأسي -أيخفيكِ إن أخبرتكِ أن لي رأس أيضاً؟-، صمتك ليس سوى حجاب تسدلينه على حنجرتك أحدٌ لا يراه، لكنني، وحدي، أسمعه، أعرف له لحناً ونغمةً وطنيناً، سكوتك لا يخصك وحدك! كفي عن التفكير، أرهقني الكلام!
قبل أن تفكري في اغتالي -ماذا لو علمَ الآخرون بأنكِ تُخْفين أفكاراً عنيفة خلف هذه الرأس الوديعة؟، دعي هذا الأمر بيننا، لا شأن لأحدٍ به- سأعود للحديث في القصة ذاتها، في أنك لا تنوين الاعتراف لكنه لا يخيفك، ما يخيفك: من ستكونين بعده؟.. أنتِ لا أحد، بعد التخلي عن هوس الغموض، سيشاع سرك، سيتظاهر الأصدقاء بالاهتمام وتريْن في أعينهم انشغالهم بضجيج أفكارهم الخاصة، لن تسمعي منهم عتباً -أحدٌ لن يكترث بما ليس له- ستتجلى حقيقة أنّ ما كنت تحملينه في داخلك من خوفٍ كان وهماً، ستفقد أسرارك الصغيرة بريقها، لا عتب، لا لوم، لا اكتراث، -لن تغير مجرى الحياة قصص ميتة- ستدركين أنك خبئتِ الحقيقة عن نفسك قبل أن تخبئيها عنهم، لأنك موقنة إن تتخلي عنها ستؤول إلى سلة المهملات!
سيمر السر كقصةٍ عابرة يقتلون بها الأصدقاء فراغهم، لست الأهم في الحادثة، الحادثة جلّها ليست مهمة، ستأتي اللحظة التي طالما خشيتها، سينتهي الخبر إليه، سيشعر بوكزة في القلب -لم يعد ذاك القلب متقداً، الوكزة ليست سوى وكزة- لكن الجملة كخبر عابر -وكل الأخبار عابرة- ستضيع في اكتظاظ ذاكرته، يسترجعها في دقائق خلوته في السيارة، قبيل النوم، أثناء فقرةٍ مملةٍ على التلفاز..، سيسترجعها بوكزة أقل إيلاماً، وفي ذهابها ومجيئها ستتلاشى.
وهكذا إذن سرك الذي اختلقته شاع في نسيان الآخرين، وحاملة السر –أنتِ- فقدته، وغدوتِ لا أحد. يمكنكِ اقتلاع حنجرتي الآن!
__________
*شاعرة من السعودية
المصدر: العرب

شاهد أيضاً

ثلاث قصص قصيرة لخلود المومني

بيت العائلة   فتحت الباب، استقبلتني رائحة الحنين. لبيوت الأمهات حميمية لا يعرفها إلا من تجرع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *