الرئيسية / مقالات / حين يستعمرك النص

حين يستعمرك النص


فوزية شويش السالم


مضى شهر على قراءتي لرواية “مدام بوفاري” ومنذ ذاك اليوم إلى الآن لم تتوقف عن مراودتي بتلك المشاهد الخرافية المذهلة التي لم أقرأ لها مثيلا من قبل، ولو كان كل إنتاج جوستاف فلوبير قد انحصر في هذه الرواية لكانت وحدها تكفيه مجدا وخلودا، فهذه الرواية جاءت بتقنية المشاهدة السينمائية ومتعتها قبل وقتها وأغلب المشاهد تتحرك الصور فيها حتى ليخال أنها بالفعل صور متحركة أمامه وليس كتابا يقرأ فيه.

هذه الرواية أثرت في أجيال وأجيال، من بينهم كتّاب كثيرون، لعل أشهرهم الكاتب البيروفي ماريو فرغاس يوسا، فهذه الرواية بالفعل تنشب فعلها في روح القارئ ولا تتركه بمشاعر محايدة، بل تستولي على كامل أحاسيسه وتستعمرها ربما إلى الأبد، وهو الأمر الذي حصل مع المبدع ماريو فرغاس يوسا، وغيّر مسار حياته، كما قال في المقابلة التي نشرتها مجلة لوبوان: “اكتشاف فلوبير بالنسبة لي كان عاملا حاسما، حين جئت إلى باريس خلال صيف 1959، اشتريت روايته (مدام بوفاري) ضمن سلسلة متعة القراءة، من مكتبة فرانسوا ماسبيرو شارع سانت سيفران، وبانخراطي في فعل القراءة قررت أن أصبح كاتبا”.
أن تقوم رواية بفعل تغير وتقرير مصير إنسان وتدفعه إلى تحديد واختيار مصيره، يجب أن نعرف مقدار قيمتها ومدى قدرتها وفاعليتها في إحداث مثل اختيار هذا القرار.
وحين تسأله المجلة لماذا قرر أن يصبح كاتبا يرد على السؤال بالآتي: “لأن ما أعجبني في أعمال فلوبير الأسلوب الواقعي وفي نفس الوقت الأسلوب المحكم الصنع، لا شيء في أعماله عديم الجدوى، البناء الغني برمته ملتصق بأحداث القصة، لقد تطلب الأمر منه خمس سنوات لكتابة مدام بوفاري، بعد ذلك قرأت جميع أعمال فلوبير. انه حالة فريدة من نوعها، كان في البداية كاتبا لا يتمتع بأي موهبة، كان ينسخ، يقلد، كان مهذارا وكثير الحشو وبدون شخصية، لقد شق لنفسه طريقا بفعل الانضباط، العمل، المثابرة، الزهد، الالتزام الحماسي، وأصبح في نهاية المطاف كاتبا عبقريا، كان فلوبير مثالا مشجعا بالنسبة لشخص مثلي كان يعتقد أنه عديم الموهبة ويفتقر للنبوغ، آنذاك قلت لنفسي: هذا هو النموذج الكاتب الذي يجب أن أحذو حذوه”.
كاتب كبير مثل يوسا يشكك في قدرته الذاتية في الإبداع، وهو الذي كتب أروع الروايات التي حصد بها جوائز عديدة لعل أهمها جائزة نوبل للآداب، ويرى أن فلوبير كان مثاله الذي دفعه إلى الكتابة وأن يتخذ حياته كمثال له ليسير على دربه، فكم من الكتّاب العرب يعترف بفضل وتأثير كاتب آخر عليه؟
وفي تحليله ورؤيته لشخصية مدام بوفاري حين سألت المجلة إن كان لايزال يعتبرها امرأة قتلها الأدب، فأجاب: “لا إنها قصة امرأة جعلها الأدب متمردة، امرأة غير راضية عن الحياة، والحب والعاطفة، امرأة تثور ضد الرداءة والخمول، ثمة استعارة رائعة في شخصيتها، كانت ترغب في أن تكون الحياة على شاكلة حياة الكتب التي تقرأها، وذلك ما خلق نوعا من الطلاق بينها وبين العالم المحيط بها”.
شخصية مدام بوفاري محيرة، وهي كما وصفها فولتير، كانت ترغب بحياة تماثل الحياة في الكتب التي قرأتها، والغريب عندما عاشت الحياة التي ترغبها أصابها الملل منها، فهي امرأة لها زوج يعشقها وابنة متعلقة بها، ومع هذا لم تكتف بهما، وكان لها عشيقان عاشت معهما الحب الفاحش بكل ما رغبت به، ومع هذا لم يرو ظمأها الغرام المحرم وزهدت به، ولم تعرف ما تريده بالضبط. لديها عطش غامض غير محدد ولا مفهوم، لا شيء يبقيها على حال من السعادة فكل مشاعرها وأحاسيسها وقتيه تفور وتجتاح كل ما يقف عقبة أمام ما تريده ثم ينطفئ بعد المنال، وأنا أحلل شخصيتها من تصرفاتها أحسست أنه كان ينقصها معرفة وجودها ذاته، فذاتها الحقيقية غائبة عنها.
ولو كانت في زمن آخر غير زمنها الذي عاشت فيه لربما وجدت ذاتها في الكتابة أو الفن، فكل هذا التناقض والجموح والشغف اللامتناهي ما هو إلا انعكاس للروح الفنية التي ربما لو كانت في زمن آخر لحققت وجودها فيه، وقد يكون تحليلي خاطئا وتكون مدام بوفاري ليست إلا امرأة طائشة لا تعرف ماذا تريد.
الجريدة الكويتية

شاهد أيضاً

العلم كلمة سرِّ عصرنا

*لطفية الدليمي كثيرةٌ هي المرّات التي سمعنا فيها عبارة ( العلمُ نورٌ ) وهي تجري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *