الرئيسية / فنون / الأصدقاء الطيبون والمتوحشون حضارة تعشق الجريمة

الأصدقاء الطيبون والمتوحشون حضارة تعشق الجريمة




مهند النابلسي

خاص ( ثقافات )
من أراد أن يفهم سياسات النظام العالمي الجديد، الذي تهيمن فيه أمريكا والغرب عموما على العالم بشرقه وغربه، عليه مشاهدة فيلمين نموذجين لكافة أنواع الإجرام وممارسات العصابات المتوحشة، ولنبدأ بفيلم “الأصدقاء الطيبون” لمارتين سكوسيزي، فبعيدا عن التزويقات السينمائية لـ”ماريو بوزو”، والتي أبرزها عبقري السينما كوبولا بمنتهى المهارة والرومانسية في تحفته الخالدة “العراب” بأجزائه الثلاثة، نشاهد في شريط “الأصدقاء الطيبون” مشاهد واقعية للقتل بلا سبب أو لأسخف الأسباب، وبسادية غريبة مقززة، حيث يسرح ثلاثة من أشرار المافيا، ويمارسون السرقة والمتاجرة بالمخدرات والقتل اليومي ببرودة أعصاب رهيبة ولا نجد إلا ظلا خفيفا للشرطة ورجال الأمن “حماة المجتمع في فردوس العالم الجديد”!

لا يكتفي مارتن سكوسيزي بإخراج فيلم عصابات مرعب يستند لقصة حقيقية لممارسات إحدى عصابات المافيا، بدون تزييف وتجميل وبواقعية شبه تسجيلية، لكنه يدين بطريقة مجازية بارعة المجتمع الذي يتشدق بالحضارة والإنسانية وحقوق الإنسان، فأي مجتمع يسمح بإطلاق يد “القتلة والمجرمين والزعران والبلطجية” إلى هذا الحد الذي يبعث على الاشمئزاز والتقزز، وبلا حد أدنى للرقابة الأمنية، حيث نرى الجثث مبعثرة في كل مكان !
يلخص الفيلم المنتج في العام 1990 والذي يتناول القصة الحقيقية لإحدى عصابات الجريمة المنظمة منذ نشأتها وحتى القضاء عليها. يقوم تومي بمساعدة جيمي بقتل بيلي باتس (فرانك فنسنت) بوحشية بسبب إهانته له “لكونه كان صبي تلميع أحذية في بداية شبابه”، ويسعى القتلة الثلاثة جيمي وهنري وتومي للتغطية على عملية القتل، وينقلون الجثة بصندوق سيارة هنري، ويجبروا بعد ستة أشهر لإخراج الجثة المتحللة وإعادة دفنها في مكان جديد!. 
وفي السجن يقوم هنري ببيع المخدرات لإعالة أسرته، وبعد إطلاق سراحه، يشترك مرة أخرى مع تومي وجيمي وآخرين بالسطو المسلح على طائرة لوفتهانزا، ويتم قتل جيمي والمشاركين الآخرين لعدم التزامهم بأوامر “عدم الإقدام” على شراء أشياء باهظة السعر لكي لا ينكشف أمر السرقة للمباحث الجنائية. 
يتحول هنري بحلول العام 1980 لحطام عصبي وإنسان محبط بسبب إدمان الكوكايين والأرق المزمن، ويحاول جاهدا تنظيم صفقة مخدرات جديدة في بيتسبيرع، ويكتفي بالحصول على مبلغ زهيد قبل أن يُنهي علاقته مع المافيا، ليشارك طوعا ببرنامج حماية الشهود شاعرا بغبائه وأنانيته وعبثية حياته! طلب سكوسيزي من الممثلين الثلاثة قراءة مذكرات القتلة والانغماس بنمط حياتهم اليومي وطريقة كلامهم ، وأصر على رفع سقف الارتجال والتلقائية لتحقيق درجة عالية من الواقعية والإقناع، وقام لاحقا بمونتاج ذكي لإبقاء روح الأداء الأصلي، مما ساعد على نجاح الفيلم وتحقيق شعبية كاسحة، وتم ترشيحه لست جوائز أوسكار حصل منها على جائزة أحسن ممثل مساعد ذهبت لجو بيشي (بأداء استثنائي لدور تومي ديفيتو)، ومثل الأدوار الأخرى كل من روبرت دي نيرو (بدور جيمي كونويه) وراي ليوتا (بدور هنري هيل).
الفيلم الذي يضاهي فيلم العراب الشهير يتعرض بالتفصيل لقصة حياة زعماء العصابات وأسلوبهم وكيفية تحقيقهم لأهدافهم، يستند لرواية شبه- واقعية كتبها نيكولاس بيلييجي بعنوان 
“الرجال الحكماء”. 
فكرة التلاعب بالقدر وتناقض النهايتين !
الصديقان الحميمان كوهن وبن (قام بالأدوار تايلور كيتش وآرون جونسون) يتقاسمان حب فتاة واحدة “أوفيليا” (بلاك ليفلي)، ويعملان كمزارعي ومنتجي نوع فاخر من الماريغوانا المهجنة، مما حولهما لأثرياء، وجذب الكارتل المكسيكي الإجرامي للرغبة بالعمل معهما غصبا، وحيث تقود إيلينا (سلمى الحايك) هذه العصابة المكسيكية بتجبر وانفراد وبأسلوب كاريزمي فريد وخاصة أنها امرأة، ويساعدها مجرم وحشي لا يرحم بأداء المهمات واسمه لادو (قام بالدور ببراعة فائقة الممثل بينشو ديل تورو)، مما أجبرهما للجوء لدينيس ضابط الشرطة الفاسد (قام بالدور جون ترافولتا) لإنقاذهما من هذه الورطة، وبالرغم من تنسيب دينيس بالموافقة إلا أنهما يماطلان ويرفضان العمل مما يؤدي لاختطاف حبيبتهما الجميلة أوفيليا وتظهر على السكايب تستجدي مساعدتها وتنفيذ أوامر إيلينا بالموافقة على التعاون مع العصابة، عندئذ يقومان كرد فعل غير متوقع بمهاجمة شاحنة المنظمة وإيقاعها بكمين محكم أدى لمصرع سبعة من رجال إيلينا، ويتم بمهارة وبمساعدة الضابط دينيس وخبير معلومات وبواسطة تزوير أدلة مقنعة إلصاق التهمة بأحد رجال إيلينا واسمه بيشير، وتصل الأدلة للمجرم لادو الذي يعذب الرجل بضراوة قبل أن يقدم على إحراقه حيا. ويستمر الشابان بخطتهما فيختطفان ابنة إيلينا الشابة التي ليست على وفاق مع أمها وفي حالة قطيعة معها، ويرسلون صورتها وهي معتقلة بواسط سكايب لأمها، مقترحين مقايضة الفتاتين في منطقة صحراوية نائية وبالتنسيق الخفي مع دينيس، وبالفعل تتم الصفقة وتخضع النهاية لمسارين متناقضين: الأول “درامي مأساوي ودراماتيكي” ويقتل فيه جميع الأبطال تقريبا. أما الثاني فتوفيقي ومنطقي، حيث يتم تبادل الفتاتين بالحد الأدنى من الخسائر مع تدخل دينيس (وكيل مكافحة المخدرات) في اللحظات الأخيرة بالقبض على إيلينا وهروب الخائن الواشي لادو ناجيا بنفسه. وحيث يذهب الثلاثة للعيش بسعادة والإقامة في إحدى الجزر الإندونيسية الخلابة! هذا الفيلم لم يعجب الكثير من النقاد ولكني وجدت فكرة النهايتين جذابة ومثيرة للاهتمام، وخاصة إن كانت القصة بالأساس تستند لرواية، فالقدر والتفاصيل وسوء التصرف باللحظة المناسبة هي التي تقود أحيانا لنهايات غير متوقعة ومأساوية من الناحية الفلسفية، وكل النهايات ترتبط بطريقة تصرفنا الدقيق كبشر في اللحظات الحاسمة. كذلك تعرض أداء البطلين الرئيسيين “كيتش وجونسون” للنقد لسوء وسذاجة أسلوبهما ولكثرة تنميق الكلام والانغماس الذاتي ولثقتهما غير المبررة بنفسيهما، وخاصة بطريقة مواجهة العصابة المكسيكية الضارية، بالرغم من كونهما مسالمين ويعتنقان البوذية، حيث بن شخص مثالي مختص بالزراعة ويريد مستقبلا تزويد الفقراء حول العالم بتجهيزات تنقية المياه، فيما الآخر كوهن جندي سابق في أفغانستان، وقد عملا سابقا في البحرية ثم كمرتزقة! بالمقابل فقد قدم الفيلم (المنتج في العام 2012) تفاصيل مدهشة لكيفية استخدام “تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات” في أعمال العصابات الإجرامية، كما تناول مفهوم “التوحش” من جانبين أحدهما إجرامي كريه والآخر بمعنى “البساطة والفطرة والعودة لأجواء الطبيعة الساحرة”، وذلك عندما حدثتنا الفتاة الجميلة (بعد نجاتها في نهاية الشريط) عن هرب الثلاثة للإقامة في جزيرة إندونيسية خلابة والاستمتاع بأجوائها بعيدا عن منغصات الحياة المدنية وعن تهديد العصابات! 
كان يمكن لمخرج مخضرم مميز كأوليفر ستون أن يقدم عملا لافتا كأعماله السابقة وأهمها فيلميه الشهيرين “الوول ستريت والمال لا ينام أبدا”، وأن يقدم مزيجا فريدا من “بالب فيكشن والمرور لستيفن سودربيرغ”، ولكنه انغمس ربما بتفاصيل الرواية ونمطية الشخصيات وفقد بصمته المستقلة كمخرج بارع متخصص في الوثائقية- الواقعية المدهشة، هكذا أغرقنا أحيانا بالملل والتكرار وبسرد متدفق يفتقد للطرافة والإثارة، ولكنه نجح في اعتقادي بإظهار لقطات مشهدية بارعة للممارسات الوحشية والقتل، وأتحفنا بمناظر خلابة، وأطلعنا ربما لأول مرة على تفاصيل وآلية عمل العصابات الميكانيكية، التي تؤكد سمعتها الوحشية وافتقادها لأي لمسة إنسانية!.

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم “حرب باردة”

* هاني يارد عام 2015 فاز البولندي بافل بافلكوفسكي بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *