الرئيسية / فنون / جوني ديب رفض أدواراً صنعت مشاهير

جوني ديب رفض أدواراً صنعت مشاهير


نديم جرجورة


لا يُقدّم الكتاب الجديد عن الممثل الأميركي جوني ديب (1963) إضافات تمنح قارئه مزيداً من الاطّلاع على مخفيّ ما في السيرة الحياتية له، أو عبر تحليل يفتح أفقاً مختلفاً، أو يطرح سؤالاً غير مطروح سابقاً. فأسلوب الكتابة مائلٌ إلى مفردات العمل الصحافي الاحترافيّ، مع أن معطيات أساسية غائبة، كمصادر أقوال ممثلين ومخرجين ومنتجين وكتاب سيناريو يعمل ديب معهم أو بإدارتهم. فالأقوال تبدو كأنها مخصّصة للكتاب، لكن إشارات واضحة تفيد أنها مستلّة من صحف أو مجلاّت أو لقاءات إذاعية أو تلفزيونية متفرّقة غير محدّدة بتواريخ أو عناوين. وبالتالي، فإن السرد السلس، الشبيه بقراءة قصّة لذيذة وهادئة وجميلة، يجمع معلومات ويولّفها في إطار يقترب قليلاً من التشويق البصريّ، لكنه يبقى على مسافة من البناء المتكامل والمطلوب لنصّ أدبي ـ تحليلي ـ سرديّ متكامل، يمزج مفاصل من الحياة اليومية للشخصية المختارة، بمحطّات من سيرته السينمائية.

مفاصل وحكايات
يحمل الكتاب عنوانين اثنين: «جوني ديب، متمرّد هوليوود ـ الوجوه المختلفة للسيّد شلينغ»، لواضعه جون غريفن. يتألّف من 8 فصول ومقدّمة. هناك لائحة بأفلام حديثة الإنتاج لجوني ديب، مُنجزة بين العامين 2007 و2015 فقط. المقدّمة اختزال لمضامين متفرّقة في الكتاب، الحامل ملاحظتين إيجابيتين مهمّتين: أولى معقودة على تكثيف المعلومات في إطار سرديّ متماسك، ما يمنح المهتمّ خلاصات عديدة للحياة الخاصّة بالممثل قبل دخوله عالم التمثيل والفن السابع، مع معطيات متعلّقة بعائلته وأصدقائه وزيجاته إلخ. من دون تناسي آليات اشتغاله مع مخرجين وممثلين، وكيفية موافقته/ رفضه المشاركة في هذا المشروع أو ذاك (لو أن الكتاب مُحصّن بتحديد علميّ وواضح للمراجع، لقيل إنه خلاصة موثّقة تريح المهتمّ من البحث عن مصادر تدعم ما يصبو إليه من قراءة أو تحليل). ثانية مرتبطة بأسلوب الكتابة بحدّ ذاته، إذ إن بساطته وسهولته كفيلتان بتحويل النصّ إلى حكاية، والحكاية إلى نوع من تواصل قد يكون مهمّاً بالنسبة إلى من لا يعرفون العوالم المتفرّقة الخاصّة بجوني ديب، لكنه تواصل ممتع لمن يعرف العوالم هذه.
العالم الموسيقيّ أساسيّ في السيرة الحياتية لجوني ديب. علاقته بجدّه مهمّة للغاية، إذ يمضي جزءاً أساسياً من طفولته برفقته: «وفاته أمر رهيبٌ جداً بالنسبة إليّ. كنتُ في السابعة من عمري. لكنّي، من ناحية ما، أؤمن بأنه لا يزال قريباً منّي. أؤمن بالأشباح. أتمنّى أن أُصبح واحداً منها، ذات يوم» (ص. 33). والداه يتنقّلان دائماً. لم يشأ التمثيلَ مهنةً. أول فيلم يجعله ممثلاً هو «كابوس في شارع إِلم» (1984) لوس كرافن. يريد مالاً كمصروف يومي: «أُشارك في أفلام تافهة في بداياتي من دون أن أنزعج، لأني لم أفكّر في الاستمرار في مهنة التمثيل. أحاول الحصول على بعض المال» (ص. 59). في فترتي المراهقة والشباب، يُشارك في حفلات موسيقية مع فرق يُشكّلها أو ينتسب إليها. التمثيل معينٌ ماليّ له، قبل أن يتحوّل إلى عالم متكامل من العطاء والاختبار والمواجهة: «أحتاج إلى شعورٍ بأن القصّة تحفّزني على العمل، كي أعطي أفضل ما فيّ. لن أوافق على تأدية دور شخصية مملّة في مقابل شيك بمبلغ كبير» (ص. 103).
براعة أداء
يحتوي الكتاب على تفاصيل مفيدة، وإن لم تكن جديدة كلّياً. تفاصيل عن أشياء ذاتية وفنية ومهنية وثقافية. يكشف أن للممثل جانباً مرتكزاً على قراءة ومتابعة، مع أن الممثل يعترف بعدم اطّلاعه على ما يحدث في عالم الصناعة السينمائية مثلاً. يمارس مهنة لم يكن يريدها، لكنه يُتقن تحقيق براعة أدائية في أدوار مختلفة، إن لم تكن متناقضة أحياناً. في بداياته، يتخلّى عن أدوار يتلقّفها آخرون فتمنحهم إما شهرةً دولية، وإما مزيداً من الحضور المتين في المشهد السينمائيّ. جون غريفن يُعدّد بعضها في المقدّمة (ص. 7): «سرعة» (1994) ليان دو بونت، الذي يضع كيانو ريفيز في قمّة الشهرة. شخصيتان ليستا في «حوار مع مصّاص دماء» (1994) لنل جوردان ودراكولا في «دراكولا برام ستوكر» (1992) لفرنسيس فورد كوبولا، اللتان يستفيد منهما توم كروز وغاري أولدمان. يتخلّى ديب عن «أساطير الخريف» (1994) لإدوارد زفايك، وعن دور الـ «جيغولو» في «تيلما ولويز» (1991) لريدلي سكوت، اللذين يمثّلهما براد بيت، ويتنازل عن دوريّ روبن هود في «روبن هود: أمير السارقين» (1991) لكيفن رينولدز وشارلي شابلن في «شابلن» (1992) لريتشارد أتنبوروه لمصلحة كيفن كوستنر وروبرت داوني جونيور. ينتبه جوني ديب لاحقاً إلى هذا كلّه. يقول إنه يرفض أدواراً عديدة، لكنه يؤكّد أنه نادم على رفضه هذا (ص. 86).
يختار جون غريفن بعض أفلامه ـ المحطات، فيروي تفاصيل متعلّقة ببدايات المشاريع، وبالتواصل بين جوني ديب ومخرجيها مثلاً. بدءاً من وس كرافن، وصولاً إلى شخصية القبطان جاك سبارو في سلسلة «قراصنة الكارايبي»، بين العامين 2003 (غور فيربنسكي مخرج الحلقات الثلاث الأولى) و2011 (روب مارشال)، علماً أن الإيرادات الدولية للأفلام الأربعة هذه تساوي 3 مليارات و729 مليوناً و577 ألفاً و967 دولاراً أميركياً، في مقابل ميزانيات تبلغ 915 مليون دولار أميركي. أما الحلقة الخامسة، فيتوقّع إطلاق عروضها التجارية في العام 2017، ويُخرجها يواكيم رونينغ وإسبان ساندبيرغ. هناك أيضاً تعاونه مع تيم بورتون في أكثر من فيلم، ومع أوليفر ستون وفرنسيس فورد كوبولا ورومان بولانسكي وغيرهم.
التنويع قليل، لكنه مرويّ بلغة سلسة، ومُوَلّف بطريقة متماسكة. حكاية جوني ديب، المكتوبة في مؤلّفات عديدة سابقة، لا تزال قابلة للسرد. إنه أحد أبرز ممثلي جيله، وأقدرهم على الجمع بين براعة الأداء والإنتاجات الضخمة.
«جوني ديب، متمرّد هوليوود. الوجوه العديدة للسيّد شلينغ» لجون غريفن، منشورات Pages Ouvertes، باريس، الطبعة الفرنسية الأولى، 2015، 175 صفحة.
السفير

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم “حرب باردة”

* هاني يارد عام 2015 فاز البولندي بافل بافلكوفسكي بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *