الرئيسية / فنون / الفنّ الإفريقي تجسيد لروح الطبيعة

الفنّ الإفريقي تجسيد لروح الطبيعة


*بن يونس عميروش


الجزائر- يُعدّ الفنّ الإفريقي من أهم أنماط التعبير الإنساني وأعرقها (غرب ووسط إفريقيا من المحيط الأطلسي إلى منطقة البحيرات، ومن جنوب الصحراء إلى روديسيا وأنغولا)، لكونه لا يمس “الجمال”، في حَدّ ذاته، بمعزل عن المعتقد، بل يظلّ الفنّ الإفريقي انعكاساً لصور الهويّات ذات الصلة بقوى الطبيعة ومواجهة قوى الشر، وكذا بممارسات العيش المتمثلة في الحِرَف والصيد والقنص وغيرها من الأنشطة الإنسانية المرتبطة بجوهر الطبيعة. ولذلك، تتضاعف قيمته ضمن أصناف الفنون “التراثية” المتماهية، بشكل جذري، مع الثقافة المحلّيّة التي تتداخل فيها الأبعاد الدينية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية عموماً في (أنغولا، غرب السودان، غينيا، نيجيريا، البينين، السينغال، الكاميرون، الغابون، الكونغو كينشاسا…). مما يجعل أية قراءة للفنّ الإفريقي “التراثي”، من حيث الشكل والمضمون، موازياً لمقاربة ميثولوجية تستحضر مدارك المعتقدات والشعائر والهويّات إضافة إلى مبادئ علوم الآثار.
تُختَزَل قوة الفنّ الإفريقي في النحت بالأساس، وضمنه الأقنعة التي تنحدر إلى حوالي خمسة قرون قبل التاريخ، بوصفها وسائل تجمع بين الوظيفة الرمزية والسحرية الرامية إلى حماية القبيلة، والوظيفة التعبيرية المتوغلة في الطقوس والتقاليد الشعبية التي تُعَدُّ ضرورة بشرية تتأرجح بين عالمي الأحياء والأموات، تنمو وتتطوّر وتتفاعل بحسب السياق والوضع والحاجة. من ثمة، وجد القناع، كغلاف “عَظْمي” يحاكي الوجه (إنسان أو حيوان) في شكله البنيوي والعام، مما يتيح إفراغه من الجزئيات “الحية” كالعَيْنَيْن والأسنان، ويضفي عليه طابعاً رمزياً ينزاح عن النقل التشخيصي الصرف، بينما يتخذ القناع كيانه من مواد الطبيعة: جلود الحيوانات، أوراق الشجر، الورق، الخشب، الحجر، العاج، البرونز والخامات اللونية المحلية. كأن القناع الإفريقي ينتصر لـ”الجمال” الكلي في مقابل “الجمال الجزئي”، لذلك ترتسم “الوجوه” في الثقافة البصرية الإفريقية عبر تجسيدية تتنوّع عبرها الأنماط والأساليب بحسب التجمعات والإثنيات، فيما تتأسْلَب إلى حد التجريدية الهندسية كما لدى قبائل “بامبارا” و”بوبو” في الغرب الإفريقي باعتماد تماثل أشكال هندسية بسيطة كالمربع والمثلث. وكل مادة تثبت على القناع- يوضح غازي انعيم (2007)- لها دلالاتها الرمزية سواء من حيث قيمتها المعنوية في القدرة الإيحائية أم من حيث موقعها، مضيفاً أن مرتدي القناع “يشعر بأن إنسانيته ليست بأكثر من مظهر من مظاهر الروح الكونية التي تتغلغل عميقاً في كل الكائنات الحية وفي كل الأشياء التي تفرزها الطبيعة (…) وباستحضار الحيوانات وظواهر الطبيعة عبر القناع الذي يرتديه يؤكد حضوره في العالم الشامل، لا كمركز له بل كجزء لا يمكن أن يكون العالم من دونه”.
يبقى تحوُّل (النِسب) مقارنة بالجمالية الإغريقية، من بين أهم مميزات النحت الإفريقي الذي أقام نِسَبَهُ الخاصة بالتركيز على تمفصلات الجسد الرئيسَة والكامنة في الرأس والجذع والرجلين بمعيار التساوي عموماً. علماً بأن القطعة النحتية، وبترخيصِ حاكم القبيلة، تُصاغ من لدن الفنان الذي يحظى بمرتبة اجتماعية راقية، مما يخوّل له تحوير النموذج التقليدي طبقاً لتلاقح الثقافات المجاورة، دون المساس بجوهره التقليدي الذي يستجيب لمقومات العرض وطبيعته الشعائرية على وجه الخصوص، فيما تتضاعف قيمة التمثال في الملحقات المادية كالشعر والعظام والريش والدم، إضافة إلى أشياء دخيلة كالدبابيس التي تُستعمَل لوَخْز الأرواح الساكنة، بينما ترتبط قيمة الصنم بالأبعاد العقائدية والأسطورية، بقدر ما ترتبط بالمادة التي صُنعت منها، كالحديد والبرونز والطين والعاج والصخر، وضمنها يحتل الخشب مركز الصدارة لكونه مشتقاً من روح الشجرة وسلطان دائريتها (جذوع أسطوانية). من ثمة، يمكن أن نخلص إلى أن الفنّ الإفريقي يتوق إلى التماهي المطلق مع الأرواح ومع الطبيعة وقواها الخارقة لتحقيق التوازن النفسي، و”تحقق هذا الانسجام عن طريق الشعائر المناسبة التي كان للفنّ فيها مهمة فعالة، ليس من خلال إضفاء صفة الواقع على الروح، بل من خلال إعادة انسجامها من أجل الإسهام في فعاليتها وقوتها. وبالنسبة للعمل الفني، فإن الانسجام هو الإعادة المتساوية للأجزاء”، كما يقول حسين هداوي (1982) الذي يعدّ الفنّ الإفريقي تجسيداً لروح الطبيعة بخلاف الفنّ الإغريقي بوصفه محاكاة للطبيعة.
ما موقع الفنّ الإفريقي من تاريخ الفنّ، لا سيما أن مهندسي الإبداعية الغربية، ظلوا يصنفونه ضمن خانة التحف الإثنوغرافية؟ باتت نظرتهم كذلك، رغم حدوث تبادلات بين الأفارقة والأوروبيين، إلى حدود القرن التاسع عشر، حيث نتجت عن الحركية الاستعمارية، عملية استحواذ لأجود القطع الفنية الإفريقية التي جلبت أنظار المهتمين والسماسرة والمتحفيين، مما دفع فناني القارة الشقراء إلى الاعتراف بقيمها الجمالية أخيراً، بعد أن استنفدت أساليبهم المتأنقة والحديثة. وسرعان ما تَمّ الاستناد إلى تبسيطية واختزالية الفنّ الإفريقي لتوليف أسس التكعيبية من لدن براك وبيكاسو وآخرين، إذ أدركوا البعد التعبيري في عملية هدم وتكسير “النموذج”، وإعادة بنائه باعتماد مبدأ (التنضيد) والأشكال الهندسية البسيطة، متجاوزين بذلك قواعد المنظور من خلال مستويات الأشكال التي صارت تمثل لديهم جوهر الجمالية في اتجاه التجريد، على نقيض الانطباعية التي اهتمت باللون. وإذا كانت هذه الأخيرة قد مجدت ألوان الطَّيْف الصافية (الأساسية والثانوية) في ارتباطها بالنور الشمسي، فإن التكعيبية ردت الاعتبار للونيْن المحايِدَيْن، الأبيض والأسود الذي يرسم إحاطة الشكل، وكذا الألوان الرمادية (البُني والأوكر)، ما يشي باستثمار ألوان فنّ القارة السمراء المقرونة بتربة الطبيعة وأرواحها، فيما تم تسجيل نزوع التكعيبية نحو الطوطميات في تعبيراتها النحتية. ولَعلّ هذا (التناص) الجلي بين الفنّ (العالِم) والفنّ (التراثي)، هو ما سيقلب موازين الفنون الحديثة والمعاصرة، ويدفع الدارسين إلى إعادة النظر في مفاهيم من قبيل الفنّ (البدائي)، (الساذج)، (الفطري)، (الخام)، (الفولكلوري)، والأخذ بتفعيل الأحكام المعيارية بالنظر إلى القطعة الفنية كونها عملاً مستقلاً في حَدّ ذاته.
بعد استقلال الدول الإفريقية، عملت نخبها على تجميع قواها الفكرية والإبداعية لتثبيت الهوية الإفريقية وتراثها النابع من المَعيش، فتم الاعتزاز الواعي بـ(الزنوجة) كمفهوم تأصيلي يؤكد على أن المبدع والفنان الإفريقي ليس فناناً فطرياً بقدر ما هو فنان بالفطرة. في هذا المنحى سيعمل الشاعر ليوبولد سيدار سنغور على دعم “مدرسة السينغال” لتنمية الإبداع التشكيلي. وتماشياً مع هذه الأخيرة، ستلعب “مدرسة داكار” دوراً مهماً في تطوير وانفتاح الإبداعية الإفريقية والاحتفاء بالذاكرة الجماعية، إلى أن أمست داكار من بين أهم عواصم الفنّ المعاصر الذي بات الفنّ الإفريقي من بين مراجعه الأساسية، بل من أوثق الآفاق التي ما زال يتيحها لاستكشاف الأساليب والأنماط التعبيرية الجديدة.
على مدار القرن العشرين، تمكن الفنّ الإفريقي من التوغل عميقاً في الحداثة العالمية، كونه من أقوى الجماليات البصرية المحكومة بالذائقة الإنسانية المنذورة لقوانين الشكل واللون والحجم وللانزياحات النفسية والشعورية والأسئلة الوجودية. في زمننا المعاصر، وكما هو الشأن بالنسبة للأدب والسينما الإفريقييْن، والموسيقى التي ارتقت معها إيقاعات القارة السمراء (الروك، الجاز، البلوز…)، برزت طاقات تشكيلية إفريقية مواكبة للحساسية المعاصرة بمعارفها وأدبياتها، دون الانسلاخ من جلدها (كينفاك، تشيبيتشو، جويل مْبادو، ساليفو لينْدو، إيرفي يامغيم، كازادي سيكاسو..).
مع أمَهيكر بايْسَمبي دولو (مالي) يقوم النحت (خشب بأحجام عضوية طبيعية) على استكشاف الذات والطبيعة والعائلة والثقافة المحلية. مع هنري كْويدي (الكاميرون) يتحقق الحلم بالأشياء الملونة، عبر كولاجات وتصاوير مُحَوَّرة ومُدْمَجَة داخل رسوم وألوان طفولية مفعمة بالتعبير الذي يُحوِّل غرفته إلى علبة مشاعر. فيما يعمل غابرييل تاتْسينكو على تجميع أشكاله المنحوتة في الفضاء العمومي لإشراك الجمهور في الفعل الإبداعي. ومن خلال تركيباته، يمنحنا كافين يونغ (إفريقيا الجنوبية) نظرة طريفة لحالة الأمكنة والوضعية النفسية لبلده الذي يعيش أقصى تحوّلاته. أما تشيف بنين (البنين- كوتونو) الوفي لـ(“مدرسة داكار)، فيشكِّل قماشاته من التراب وقصاصات الجرائد ومن العلامات والرموز التقليدية الإفريقية، لـ”تأليف سرد يعكس حكاية”، وقد سبق أن عرض (حكاية) بعنوانة (نقد ذاتي). وحول (المعاناة)، يشتغل جيرار كينوم (البنين) انطلاقاً من أشياء مسترجعة وخاصة الدُّمى المهملة التي يُغَذّيها بحياة ثانوية. بينما تقترب أجساد نْداري لو (السينغال) النحيفة من السويسري ألبرتو جياكوميتي، غير أن منحوتاته السَّلْكِية/ الحديدية تعكس خَطِّية الجسم الإفريقي بوضوح من خلال حركة العنق وانحناء الرأس، انطلاقاً من سؤال الأصل، كأنه يقيم مغايرة تعبيرية بين الإنسان الإفريقي ونظيره الغربي ضمن المفارقات الشكلية التي تحدّد، بدورها تباينات العالم.
هي، إذاً، أمثلة من الأسئلة والمنجزات البصرية الإفريقية المعاصرة، التي تؤكد- بجلاء- مدى وعي فنان القارة السمراء بقيمة تراثه وحضارته التي تمنحه إشباعاً ذاتياً، يُمَكِّنُه من الانفتاح على الآخر، ومن ثمة، الانخراط السلس في صنع سحر الفنّ الكوني الذي ذابت فيه معالم الحدود الجغرافية.
_____-
*الصباح الجديد

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم ” أخبار العالم” The News of the World

أخبار العالم: فيلم درامي أميركي من بطولة توم هانكس والممثلة الطفلة الألمانية هيلينا زنغل. * …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *