الرئيسية / نصوص / شـــــــــــهى

شـــــــــــهى


*ليلى نصراوي



خاص ( ثقافات )
الإهداء
: إلى غابي التي ظلت وشما في ذاكرة الغريب
وقف يهز رأسه للوطن و هو بعيد عن أروقته الضبابية و صباحاته المعتمة و هي تماوجت بين ذراعيه كزبد طفى ذات مساء حزين فوق أمواج تكسرت على الصخور.
حين التقت الشفاه في قبلة محمومة بدأت الشمس تنطفيء تدريجيا و لم يبق منها إلا قبس من نور يدفع بالرغبة إلى أوجها، التفت الشعرات بعضها ببعض، مد يده إلى بعض الخصلات يداعبها، أصبحت تهمس له و هو يعصر جسدها الرقيق و تلومه عن تركه لها رغم نداءاتها المتناثرة حوله.
كانت يداه تفكان أزرار الثوب بخفة و إتقان بينما تحاول هي أن تنزع عنه بدلته العسكرية، تساقطت عنهما الألبسة و التحم الجسدان في ثورة مجنونة. أغلقت عينيها مقاومة الإغماء و بين يديه كانت كالفرس الجامحة تحاول التملص من اللجام الذي كان بين فكيها. و بين الوصال و الصد تولدت حالة ثالثة لم يختبر ماهيتها غيرهما.
كانت تلهث يكاد نفسها ينقطع و قلبها يتوقف عن النبض و هو يعوي كذئب بترت خصيتاه للتو. حين وصلا إلى قمة النشوة استلقيا على الأرضية الباردة يلتقطان أنفاسهما، عندها انطلقت اشارة النهاية.
شيء ما تكسر داخلي حين انتهى الفيلم، أغلقت التلفاز و خلدت إلى النوم و قد تولد بين ضلوعي احساس مرير.
*************************************************
كنت أحاول أن أرتق وجه صباحي عندما سقط الفنجان من يدي و لطخت القهوة السجاد.
لم أستطع طرد مشاهد الفيلم من رأسي و أنا أنظف البقعة التي بدت مستعصية أول الأمر ثم سرعان ما زالت.
رن الهاتف و أنا بصدد التهيؤ للخروج. كان منير يقترح أن نلتقي بعد ساعة في المقهى.
عبرت المدينة العتيقة و كل أنهجها تكتظ بالأبواب المغلقة. باب يتلوه باب و خلف الأبواب قصص مختلفة حزينة حينا و سعيدة حينا آخر و لا شيء خلف بابي غير الرتابة و الخراب.
ينبعث من أحد الأبواب صوت مذياع يصدح بأغنية تقول كلماتها: عيش وقتك عيش أيامك دي الدنيا براح قدامك.
فكرت : يجب أن يكون هذا اليوم يومي.
البارحة احتفلت بسنتي الرابعة و الثلاثين لأكتشف أنني قضيتها كالأرض الجدباء لا تنبت غير الصبار.
بدت سماء المدينة كئيبة كسماء المدن التي تعيش تحت وقع الحروب و كانت تشتعل داخلي نيران حرب باردة تمتص مني القدرة على الحياة و التنفس.
مررت بزقاق ضيق غير سكانه اللافتة الذي وضعتها البلدية و وضعوا لافتة كتب عليها “زنقة عنقني مروا بسلام” مررت و قد طرق سمعي صوت لم أتبين أهو مواء قطة أو بكاء رضيع. إلى أن وصلت إلى مصدره. وددت أول الأمر أن أرمي هذين الوقحين بحجر إلا أن عطشي لم يسمح لي بذلك، مررت بجانبهما و أنا ألعق شفتي بألم.
بدأ المطر بالنزول و بدأت البرك الصغيرة بالتكون و مع نزول المطر بدأ احساسي بالعطش يتزايد .
منذ زمن بعيد و أنا أعيش على وصية جدتي، يجب على المرأة أن لا تسلم نفسها لرجل دون عقد رسمي .
اعترض طريقي سائحان يتبادلان قبلة تحت قطرات المطر، انتابني شعور بالتلاشي و الضياع.
فكرت: لم يفعل الله بنا هذا؟ يجعل لنا غرائز ثم يطلب منا كبتها؟
ابتسمت لهما ثم أكملت طريقي.
في المقهى وجوه اعتدت على رؤيتها، شعراء و فنانون كبار و رسامون و عشاق تواطؤوا على صبري بعناقهم المبالغ فيه.
اتخذت طاولة محاذية للباب و جلست في انتظار أن يأتي منير.
جائني النادل بقهوتي المعتادة قبل أن أن أطلبها، سألني عن حالي ثم ذهب يلبي طلبات حرفاء آخرين.
فكرت: لماذا يرهق الآخرون أنفسهم بالسؤال عن أحوالنا طالما أنهم لن يغيروا شيئا إن كنا بخير أو بسوء؟
موحش فصل الشتاء و مخدعي لا يؤوي غيري فيزداد إحساسي بالبرد و الوحدة. 
أخيرا جاء منير و حول وجهه هالة مشرقة و كأنه كان يعلم مقدار الشوق الذي يحملني إليه. جلس و بعد عتاب شديد على عدم سؤالي عنه و دون مقدمات حدثني عن سبب اتصاله بي الأمر الذي شكل لي صدمة جديدة في حياتي. لقد أتى يطلب مني أن أعينه على تغيير ديكور شقته لأنه يستعد للزواج.
اعتراني برد شديد و كأنني كنت أمشي حافية على الجليد. أحسست بالمهانة، لقد كنت طيلة الصباح أهيء نفسي للارتماء بين ذراعيه ، فيما فكرت و أنا أعتقد أنه سيعاود طلب وصالي بعدما صددته بعنف آخر مرة.
عبارة واحدة استطعت التفوه بها. قلت “لا “حرف نفي واضح المعالم. تركته وسط ذهوله و رحلت.
عدت إلى منزلي و أطبقت الباب ورائي بعنف و أنا ألعن جدتي و وصاياها الصدئة.
فجأة غطت السحب السوداء السماء و غابت الشمس و رغم أنني أغلقت بلور النافذة و أشعلت المدفأة إلا أن شعوري بالبرد لم يتقلص. 
________
*كاتبة من تونس 

شاهد أيضاً

ثلاث قصص قصيرة لخلود المومني

بيت العائلة   فتحت الباب، استقبلتني رائحة الحنين. لبيوت الأمهات حميمية لا يعرفها إلا من تجرع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *