الرئيسية / فنون / حكـاية وجــع

حكـاية وجــع




*هشام ناجي

خاص( ثقافات )

كل منا يعرف أو سمع عن الأسطورة الإغريقية “سيزيف”؛ ذلك البطل المأساوي الذي خدع إله الموت تانتوس حين طلب منه أن يجرب الأصفاد والأقفال، فكبله ظنا منه أنه ينقذ البشرية من الموت ويمنع هذا الإله من أن يسلب حياة الآخرين، لكن الإله زيوس أصدر حكمه القاسي على سيزيف بأن يعيش حياة أبدية في عمل شاق؛ عقابا له لجرأته على الآلهة، حيث كتب في صك الحكم، بأن يحمل سيزيف صخرة ويصعد بها إلى قمة الجبل، إلا أن الصخرة لا تلبث أن تقع بمجرد خطوات من هذا الصعود، فتبقى حياة سيزيف تكرارا تراجيديا بين السقوط ومحاولة النهوض من جديد .
سيزيف ليست مجرد أسطورة؛ إنها حكاية ابدية أزلية تعكس مصير البشرية، فلكل منا صخرة تجثم على أنفاسه، قد تخلق فينا التحدي وروح المقاومة أو تخنق إرادتنا وتصل بنا إلى موت رتيب.
بعض المفكرين والأدباء والمبدعين حياتهم أشبه وأقرب إلى سيزيف؛ حملوا الصخرة برضى أو سخط، لكنهم في النهاية صعدوا الجبل وتفوقوا على ذواتهم ليحولوا مسار وجعهم إلى قصة صعود نحو القمة؛ من هؤلاء شارلي تشابلن ذلك المبدع الذي غالبا ما أضحكنا حتى البكاء بشكله الساخر وسرواله الفضفاض وقبعته التي كان يخبئ فيها بقايا الخبز وأشياء أخرى.
قصته فيها عمق التجربة وتراجيدية الحياة التي لا تطاق، فقد ولد لأبوين فقيرين بأحد أحياء لندن سنة 1889، ولتربية ابنهما اضطرا إلى الاشتغال كممثلين ومغنيين بفرقة موسيقية تقليدية، لكن العائلة سرعان ما تفككت وانفصل الزوجان وتشارلي لم يكمل سنته الثالثة، ما جعل الطفل يختار العيش في البداية مع والدته بحكم أن علاقته بأبيه كانت سطحية، خاصة وأن الاب كان مدمنا للكحو،ل لكن رفقته لوالدته انتهت بسرعة بعد أن عانت من مرض عقلي، احتجزت على اثره في مستشفى للأمراض العقلية، فعاد الطفل إلى أبيه ليعيش وإياه رفقة اخيه غير الشقيق وعشيقة الأب، إلى أن توفي هذا الأخير جراء مرض تشمع الكبد .
لم يكد تشارلي يتجاوز الثالثة عشرة حتى وجد نفسه في الشارع، خاصة وأن عشيقة الأب قد تخلصت منه وبعثت به إلى إحدى المدارس ليعيش حياة قاسية وينضم إلى سيل الاطفال المشردي،ن لكنه في نفس الوقت اختار مجال الإبداع والتمثيل المسرحي لعله يجد فيه مبتغاه، فكان يُرفض بحجة ادائه الضعيف والبسيط إلى أن اضطر إلى الهجرة للولايات المتحدة الامريكية، فعانى في البداية إلى أن ظهر أول أفلامه “لقمة عيش”، تلاه فيلم “أطفال يتسابقون في فينيس “سنة 1914، وهو الفيلم الذي شكل انطلاقة فعلية لتشارلي شابلن حيت تقمص دور الصعلوك المشرد الذي لا يفتقر للشهامة والأخلاق رغم فقره المدقع.
سوء الطالع ظل ملازما لشخصية تشابلن رغم نجاحاته المتتالية في مجال السينما، حيث ادعت إحدى السيدات بأنها وضعت ابنا غير شرعي منه، مما جعل الممثل يدخل في سلسلة من القضايا انتهت بفرض المحكمة تبني الطفل، رغم أن تحاليل الدم أثبتت عدم وجود أية علاقة بين الابن والأب .
في 25 ديسمبر من عام 1977 توفي شارلي تشابلن، تاركا وراءه تاريخا من الأعمال الدرامية التي لا تنسى، لكنه حتى بعد وفاته لاحقه البؤس حيث فوجئت زوجته بعد دفنه باتصال هاتفي من مجهولين يخبرانها بأنهما سرقا جثة تشابلن مطالبين بمبلغ مليون فرنك فدية، لكن الزوجة رفضت مما جعلهما يطلبان من الدولة السويسرية الفدية، فتم الإيقاع بهما إلى أن استرجعت جثة تشارلي، وصبت على التابوت كتل خرسانية خوفا من تكرار الواقعة.
_____
*كاتب من المغرب

شاهد أيضاً

“ماتيس أشبه بالرواية”.. معرض استعادي لفنان الألوان

  بعد أن اضطر المتحف الوطني الفرنسي للفن المعاصر إلى تأجيل معرض عن الرسام الفرنسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *