الرئيسية / إضاءات / إضراب مدرسة الحقوق الخديوية.. صفحات منسية من تاريخ الحركة الطلابية المصرية

إضراب مدرسة الحقوق الخديوية.. صفحات منسية من تاريخ الحركة الطلابية المصرية


*عماد أبو غازي


تواكب تأسيس نادي المدارس العليا في ختام سنة 1905 وافتتاح مقره وبداية ممارسته لنشاطه في أبريل 1906 مع ميلاد الحركة الطلابية المصرية، ففي الوقت الذي ظهر فيه النادي إلى الوجود كأول تنظيم طلابي مصري، شهد شهر فبراير من عام 1906 أول إضراب طلابي شامل في مصر تشارك فيه مدرسة من المدارس العليا بأسرها، وفقًا لمؤرخنا عبد الرحمن الرافعي المعاصر لتلك الأحداث.

هذا وترجع البدايات الأولى لذلك الإضراب إلى شهر يناير من عام 1906، عندما وضعت نظارة المعارف نظامًا جديدًا لمدرسة الحقوق الخديوية بهدف التضييق على الطلاب ومحاصرة أنشطتهم، وبمقتضى ذلك النظام تحولت مدرسة الحقوق العليا في أسلوب معاملتها لطلابها إلى ما يشبه أسلوب معاملة تلاميذ المدارس الثانوية وربما الابتدائية، وكان مستر دنلوب الذي شغل منصب السكرتير العام لنظارة المعارف في ذلك الحين وراء هذا النظام الجديد، وأخذت احتجاجات الطلاب تتصاعد إلى أن وصلت ذروتها في فبراير من نفس العام عندما قرر الطلاب الإضراب عن الدراسة إلى أن تتراجع النظارة عن النظام الجديد وتعود إلى اللائحة القديمة.
ويذكر عبد الرحمن الرافعي الذي شارك في الإضراب أن الطلبة أجمعوا على الانقطاع عن الدراسة، وشكلوا لجنة تمثل جميع فرق المدرسة لتنظيم حركة الإضراب، الذي كان موجها ضد سياسة التعليم التي وضعها الاحتلال وفرضها دنلوب على المدارس العليا المصرية، وكان الهدف الأساسي من وراء تلك السياسة الحيلولة دون ظهور نخبة مصرية مثقفة تستطيع قيادة الأمة في سعيها نحو الدستور والاستقلال، وقد أشار سعد زغلول الذي كان ناظرًا للمعارف في مذكراته إلى أن نظارته عرفت سياستين متقابلتين ومتعارضتين تعارضًا تامًا سياسته التي تسعى للتوسع في التعليم الوطني وسياسة المستشار دنلوب التي “ترمي إلى تضييق دائرة التعليم حتى لا تشمل إلا عددًا محصورًا من المتعلمين، ومقدارًا محدودًا من المعلومات، وإلى أن تكون وظائفه محصورة في الإنجليز خاصة، وإلى منع مواهب المصري من الظهور والنمو، حتى يبقى على الدوام ضعيفًا، قاصرًا عن إدارة شئون بلاده”. وبالمناسبة فإن تلك المذكرات التي بدأ تحقيقها ونشرها نشرًا علميًا الدكتور عبد العظيم رمضان وأصدرتها وزارة الثقافة من خلال مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، على أجزاء متتابعة منذ عام 1987 في الذكرى الستينية لوفاة سعد باشا، تعد عملًا علمًيا مهم يستحق التحية والتقدير، وقد شكل صدورها إضافة للمكتبة التاريخية المصرية وخدمة لكل المشتغلين بدراسة تاريخ مصر الحديث والمهتمين به.
ولنترك سعد ومذكراته لنعود لإضراب الطلاب، عقد الطلاب اجتماعًا في حديقة الأزبكية، التي كانت في ذلك الوقت مركزًا للنشاط الثقافي والفني والسياسي في القاهرة، عقد الاجتماع يوم 26 فبراير سنة 1906 وألقيت فيه الخطب الحماسية، وقرر الطلاب في الاجتماع الاستمرار في الإضراب إلى أن تجاب مطالبهم.
وفي مواجهة حركة الطلاب أصدر اللورد كومر أوامر مشددة إلى نظارة المعارف لمواجهة الإضراب بالشدة، فأعلنت النظارة تعطيل الدراسة لخمسة أيام وأنذرت من يتخلف عن الانتظام في الدروس بالفصل النهائي، وقد أبدى طلاب المدارس العليا الأخرى تتضامنهم مع طلاب مدرسة الحقوق، لكن الأزمة انتهت يوم 3 مارس بعد وعد من المستشار القضائي للنظارة بالنظر في مطالب الطلاب.
ورغم انتهاء الإضراب وانتظام الدراسة إلا أن آثار الأزمة تعددت في أكثر من اتجاه، فمن ناحية تمت مكافأة دنلوب بترقيته مستشارًا لنظارة المعارف، ومن ناحية أخرى أدى الإضراب إلى ارتباط لم تنفصم عراه لسنوات بين الحركة الطلابية والحركة الوطنية، فقد كان تأييد جريدة اللواء لسان حال الحركة الوطنية المصرية لحركة الطلاب وتبنيها لمطالبهم جسرًا ربط بين الحركة الوطنية والحركة الطلابية في مصر، وسرعان ما أصبحت قيادة الحركة الوطنية المصرية في يد الطلاب الأمر الذي استمر حتى سبعينيات القرن العشرين، أما النتيجة الثالثة فكانت عزل الأستاذ جرانمولان ناظر المدرسة بنهاية العام الدراسي، وقد حل محله ناظر جديد هو إدوار لامبير الفرنسي الذي أحبه الطلاب واحترمه المجتمع المصري لذلك لم يعمر كثيرًا في منصبه، حيث استقال مع نهاية العام الدراسي 1906 ـ 1907 احتجاجًا على سياسة المستشار دنلوب. 
وقد وصف الناظر لامبير ما حدث في مقال نشره بالفرنسية بجريدة لطان الباريسية عقب استقالته احتجاج على سياسة دنلوب فقال: “إن المستر دنلوب وضع لهؤلاء الطلبة الذين بلغوا سن الرجال نظامًا من النظامات الموضوعة لصغار تلاميذ المدارس الابتدائية، وأخذ يعاملهم بقسوة متناهية، ويستعمل معهم سياسة وخز الإبر، سياسة اضطهاد دنيء، فكانت نتيجة ذلك أن انضم إلى الحزب المعارض للإنجليز فئة متعلمة راقية، وأن يسود على أفئدة الشبيبة الحقد والبغض للإدارة الإنجليزية، وأن تتحول مدرسة الحقوق معقلًا للوطنية المصرية بحيث لا تكاد ترى بين الأربعمائة تلميذ الموجودين بها الآن عشرة لا يؤمنون كل الإيمان بمبادئ مصطفى كامل باشا”.
ويذكر لامبير في مقاله كذلك أن دنلوب كان يضغط عليه لاتخاذ مواقف مضادة لسعد زغلول ناظر المعارف في سياسته للنهوض بالتعليم الوطني، وقد أشار سعد في مذكراته إلى أن دنلوب فتح معه موضوع هذا المقال الذي وثق فيه لامبير دسائس دنلوب ضد سعد محاولًا تكذيب لامبير والاستعانة بسعد في الرد عليه، لكن سعد زغلول تهرب منه.
لم يكن إضراب طلاب مدرسة الحقوق الخديوية نهاية المطاف لحركة الطلاب بل بداية قوية لتلك الحركة الوليدة، وكانت إيذانًا بربط المطالب الطلابية الخاصة بلوائح الدراسة ونظم التعليم بالمطالب الوطنية العامة وفي مقدمتها الدستور والاستقلال.

شاهد أيضاً

عبدُه خال: أتركوني أكتب كما أشاء، ولا تقرأوا لي!

 دعا الروائي السعودي عبده خال إلى ثورة ضد كل الموروث الذي أوقف الأمة عن الحركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *