الرئيسية / إضاءات / جدل المكتوب والشفاهي

جدل المكتوب والشفاهي


*محمد الأسعد



صادفتني ظاهرة غريبة هي الأولى من نوعها، بالنسبة لي على الأقل؛ ظاهرة امتصاص المرويات القبلية الشفاهية، أو الشعبية بعامة، لعناصر من المرويات الكبرى التي ألفناها في الأدب المعتمد رسمياً كأدب معبر عن ثقافة راقية يختلف، لغة وموضوعات، عن ما تعارف الناس على أنه أدب العامة. وعلى هذا النوع الأخير، المستبعد عادة من مجال «الأدب» المعتمد، تطلق بعض الثقافات تسمية «الموروث الصغير»، بينما تحتفظ للنوع الأول بتسمية «الموروث الكبير». ومن الملحوظ أن هاتين التسميتين لاتصفان هذين الموروثين فقط، بل تحملان تقييماً لكليهما، فصفة الصغير تدل على ما هو أدنى في ميزان البحث والنقد، وتدل صفة الكبير على ما هو أعلى. ولستُ هنا بصدد التساؤل عن أسباب هذه الظاهرة، ظاهرة أن يمتص الصغير عناصر من الكبير، ولا تناول الظاهرة المعاكسة الملحوظة أيضاً، أعني امتصاص الموروث الكبير عناصر من الموروث الصغير، وأخذها إلى فضاء الثقافة الراقية، فهذا موضوع يستحق أن يستقل بذاته، بل سأذهب إلى استقصاء ظاهرة امتصاص مدهشة، نظراً إلى أنني وقعتُ عليها، أو وقعت عليّ، أو جاءت إليّ ساعية كما تسعى الطريدة إلى الصياد كما يقول المثل الروسي.


جاء الأمر مصادفة حين وصل إليّ عن طريق صديق من هواة الكتب القديمة كتابٌ لكاتب بريطاني اسمه سي.ج. كامبل عنوانه «حكايات من القبائل العربية» صادر بالإنجليزية في لندن في العام 1949، وأثار العنوان فضولي، وتزايد هذا الفضول وأنا أواصل تصفحه وقراءة حكاياته، خالي الذهن من أي فكرة مسبقة. فإذا به مجموعة من حكايات شفاهية رواها بحضور الكاتب رواة قبليون خلال جولاته بين مضارب قبائلهم في البوادي العربية.
لا أتذكر أنني قرأتُ أو سمعتُ روايات مماثلة، وكان من الواضح منذ الوهلة الأولى أنني أمام موروث «صغير» ذي طابع شعبي شائع يتداوله أبناء القبائل شفاهة، لم يجد من يهتم بتسجيله سوى هذا البريطاني العابر، ربما انطلاقاً من فضوله، أو ربما بدافع من المؤسسة التي أرسلته لمعرفة ودراسة قبائلنا العربية في وقت كانت فيه قوى غربية، والبريطانية منها بخاصة، ترى أن لهذه القبائل دوراً تؤديه في الصراع القائم بين الحربين العالميتين، الأولى والثانية، فلا بد من التغلغل في جغرافيتها الذهنية، والتعرف إلى طرق الوصول إليها. حدث ما يشبه هذا حين تغلغل البريطانيون في إفريقيا الجنوبية وتعاملوا مع قبائل «الزولو» التي هي جزء من قبيل أكبر يدعى «البانتو» تنتشر عشائره في وسط وجنوبي القارة الإفريقية. ومرة أخرى، لن يكون هذا الجانب موضوعي هنا، فهو جانب يستحق أن يستقل بذاته أيضاً. ولكن من المفيد الإشارة، وقبل الدخول في موضوعي، إلى أن هذا الكتاب العتيق اتخذ طريقه إلى اللغة العربية حين قدمته إلى الصديق الباحث والمترجم عطية بن كريم الظفيري، فقام بترجمته ونشره في العام 2010. 



لم يمنح المدوّن البريطاني كامبل لهذه الحكايات مغزى ثقافياً أو اجتماعياً ظاهرياً، واكتفى بملاحظة أنها قد تكون حكايات مستعارة في بعضها أو مختلقة في بعضها الآخر. كما لاحظ أنها لاتنتمي إلى مدرسة أدبية عربية كبرى، بل هي أشياء بسيطة كان القصد منها مجرد استثارة ابتسامة خلال رحلة شاقة، أو الاستعانة بها على عبور ليل صحراوي بارد، وكأن البريطاني هنا يلمح إلى العبارة الشهيرة التي قالها «شنٌّ» لرفيق سفره والتي تزوج بسببها ابنته «طبقة»: «أتحملني أم أحملك؟» ويعني بها «هل تروي لي حكاية أم أروي لك؟». إلا أنني وجدت فيها نموذجاً يكشف عن حالة التناضح المتواصل عبر العصور بين موروثات اللغة الفصحى وموروثات اللهجة العامية، أي امتصاص إحداهما لعناصر من الأخرى، والأكثر من ذلك، وجدتُ فيها امتصاصاً لعناصر من موروثات لغات أخرى، يونانية وهندية وفارسية، وهو الأمر الأشد إثارة للدهشة. 
في هذه الحكايات تختلط الأزمنة والأمكنة تبعاً لمصادر عناصرها، فبعضها أسطوري يمتص عناصر عربية ويونانية وغربية من القرون الوسطى، وأخرى إقليمية. بعضها لايتضح زمنه وبعضها ينطق فيه الزمن، خاصة ذلك الذي يتضح بجلاء أن زمنه هو الزمن العثماني، أو زمن «الرمّان» الذي ناء بكلكله على الوطن، قبل أن يفزع له زمن «الليمون» الإنجليزي الحلو، فيرفض العربي هذا «الحلو» ويطلب العودة إلى أهله كما تقول «بستة» مقام عراقي شائعة بصوت مغني المقامات يوسف عمر. 



بين هذه الحكايات لفتت نظري أربعٌ منها لأن التناضح فيها باهر الوضوح؛ في الأولى يأخذ الراوية موضوعة تتكرر كثيراً في قصص ألف ليلة وليلة، هي موضوعة «المرأة» الشيطانة التي لاتصلح للزواج إلا بعد أن يستخرج درويش ساحر بتعاويذه وأفانينه من فمها «أفعى» هي رمز الشر كما تقول الموروثات الشعبية كلها تقريباً. ويأخذ الراوية في حكاية أخرى موضوعات كاملة من ألف ليلة وليلة، وتمثلها حكاية العاشق جميل ابن التاجر التي تدور أحداثها في العصر العباسي، وبحضور شخصيات مثل الخليفة هارون الرشيد وأبونؤاس. 
على أن حكاية المقداد، البطل المقاتل، ذات شأن مختلف، فهي تمتص عناصر من موروثات القبائل، وموروثات الرحلات البحرية، وعناصر من موروثات اليونان، كل هذا في سرد يبدأ بصورة البطل يتيماً، لايتعرف على أصله إلا حين يبلغ مبلغ الشباب، فتقدم له أمه سلاح أبيه الشهير ليخوض معركة إثبات وجوده، فيخوض معركته مع القوى الخارقة، مع العملاق صاحب الكهف الذي يذكّر بما لقيه السندباد في احدى رحلاته من رعب في كهف عملاق يتغذى على رفاق سفره، ويذكر بالعملاق الذي يسجن أوديسيوس ورفاقه في كهفه، ثم تتيح له قوة خفية فرصة لقاء أجداده، مثلما يذهب أبطال الأساطير إلى عالم الأموات (جلجامش وإينياس وأوديسيوس) فيلتقون بأهاليهم وأصدقائهم. 


كل هذا ونحن ما زلنا نستمع إلى قصص راوية قبلي في صحراء بعيدة عن البحر الأبيض المتوسط وأساطيره، ونائية عن جزر الهند الشرقية والغربية. إلا أن الغرابة لاتتركنا هنا، بل تمسك بنا مجدداً في طرقات قصة عجيبة لامثيل لها إلا قصة د. فاوست التي ورثتها أوروبا من عصورها الوسطى، قصة فاوست الذي استحضر الشيطان، وعقد معه اتفاقاً؛ أن يمنحه الشيطان سلطة المعرفة والثروة والجاه، وأن يتيح له التجوال في التاريخ ومشاهدة أجمل نسائه، لقاء أن يتنازل له عن روحه. وبقية القصة معروفة كما أعتقد، سواء كما صاغها المسرحي الانجليزي كريستوفر مارلو (1593) أو الألماني جوته (1808) أو الروسي بولجاكوف (1940).. وكثيرون غير هؤلاء. ولكن أن تأتي صياغة لها من قلب البادية العربية، فهذا ما لايخطر ببال أحد. 


التغيير هنا شكلي لا يمس جوهر مأساة بيع الروح للشيطان، فبدل الاتفاق مع الشيطان يتفق النجار عبد الرحمن أبو سلطان مع «شيطانة» يجدها في سرداب تحت الأرض جالسة على كومة من الجواهر والذهب، تعده بأن تمنحه «ذهباً لايستطيع حمله، وجواهر لايستطيع عدها، ومعرفة تجعله سيد العالم»، بشرط أن يقبل شفتيها الداميتين. وعندما يفعل ذلك، تتلاشى وتتحول إلى رماد، إلا أنه يكتشف أنه حين قبلها انتزعت لسانه ووضعت لسانها في مكانه، فأصبحت سيدته التي تتحكم به، ينطق بلسانها ويفعل ما تريد، وهنا تتوالى عليه الكوارث فيتسبب اللسان في طلاقه من زوجه ومقتل صديقين له وغرق ابنه في بئر، وأخيراً حين يحاول الخلاص من اللسان عن طريق درويش يقرأ على رأسه آيات قرآنية، يقذف به اللسانُ إلى النهر ويفر مبتعداً عنه، فتقبل عليه سمكتان متوحشتان تنهشان أطرافه، ويخرجه المارة من النهر، ويجلسونه على قارعة الطريق، وهنا تتحقق وعود الشيطانة، فهو لايستطيع حمل المال الذي يتصدق به المارة عليه، ولا عد الجواهر التي يلقون بها إليه، وهو بعد شيء فقد عقله بعد كل هذه المعاناة، فأصبح سيد العالم الذي لاينافسه على السيادة عاقل.
_______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

عبدُه خال: أتركوني أكتب كما أشاء، ولا تقرأوا لي!

 دعا الروائي السعودي عبده خال إلى ثورة ضد كل الموروث الذي أوقف الأمة عن الحركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *