الرئيسية / فنون / مريم نعوم: ليس لديّ حلول بل همّ اجتماعي

مريم نعوم: ليس لديّ حلول بل همّ اجتماعي


ايزيس خليل

في بيت منمَّق هادئ على أطراف القاهرة، تستقبلنا مريم نعوم. يتسم المكان برقّة تفاصيله، وعذوبة ألوانه التي توحي بمناخ من السلاسة والراحة. ساحرة الواقعية على الشاشة المصريّة، ابنة الروائي نبيل نعوم ومصمِّمة الحلي الشهيرة سوزان المصري، أطلّت علينا في شهر رمضان المنصرم بمسلسل «تحت السيطرة»، من تأليفها عن قصّة مخرج العمل تامر محسن وبطولة نيللي كريم مع مجموعة من أبرز الممثلين. أثار المسلسل جدلاً واسعاً بين الجمهور والنقاد، لتناوله قضيّة الإدمان على المخدّرات، وحاز على نسبة متابعة عالية على مستوى الوطن العربي. عن هذا العمل، وأشياء أخرى، تحدّثت مريم نعوم لـ «السفير».

حدّثينا بدايةً عن انطباعاتك حول ردّ فعل الجمهور على مسلسل «تحت السيطرة»، وأي الحلقات كان لها التأثير الأقوى برأيك؟
 أسعدتني ردود الفعل كثيراً، وخصوصاً من قبل المدمنين المتعافين، والمدمنين، وعائلاتهم أيضاً. الرسالة وصلت كما تمنيّت من القلب إلى القلب، وبوضوح. أمّا بالنسبة للحلقات، فمن الضروري أن تكون كافّة حلقات العمل المتميّز، متميزة، لكنّ الحلقة الرابعة والعشرين أثّرت في قطاع كبير من المتابعين وخصوصاً النساء، وذلك ما لاحظته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، مع العلم أنّ هناك من هاجمني، على اعتبار أنّ تلك الحلقة تجسّد كرهي للرجال (تشهد الحلقة المذكورة اختطاف حاتم (ظافر العابدين) لابنته من حضن طليقته المدمنة المتعافية مريم (نيللي كريم)، إلى جانب تقديم المدمن علي (محمد فرّاج) لزوجته المدمنة أيضاً هانيا (جميلة عوض) لتاجر مخدّرات ليغتصبها، مقابل بعض البودرة).
سمعنا من ينتقدون «كرهك للرجال» الواضح في أعمالك خصوصاً «تحت السيطرة»، ما تعليقك على ذلك؟
{ في «تحت السيطرة» تحديداً أنا بريئة من دمّ الرجال، فالمخرج تامر محسن هو شريكي في كتابة القصة، وهي فكرته بالأساس، فالمسلسل مشروع قائم منذ العام 2010، بيني وبين تامر وبين الشركة المنتجة «العدل غروب»، انشغلنا عنه لفترة، ثمّ عدنا لتنفيذه هذا العام. وكانت التيمة الأساسية في المشروع هي علاقة الأبطال بالإدمان. وفي النهاية المسلسل مأخوذ من نسيج الواقع، وما رأيناه هو أفعال تصدر عن الرجال بالفعل.
 كيف أدرت كتابة سيناريو العمل ليقدّم محاكاة واقعيّة لحياة المدمنين؟
 كنتُ والمخرج على اتصال دائم بمدمنين متعافين ومع «زمالة المدمنين المجهولين»، وشاركت في أكثر من اجتماع للزمالة، وزرت مراكز علاجيّة عدّة. وكان الأهمّ لقاء أهالي المدمنين، كي أرى الصورة الكاملة، وأفهم مشاعرهم تجاه القضيّة.
 قلتِ في حوارات سابقة أنّك كتبتِ «تحت السيطرة» لإيصال رسالة. برأيك هل على الفنّ والدراما التلفزيونيّة تحديداً أن تحمل رسالة هادفة؟ وما تعليقك على النقد الموجّه للعمل على أنّه يميل إلى حدّ كبير للعب دور الواعظ.
 من وجهة نظري، أصنّف «تحت السيطرة» كمسلسل واقعي، ذي مسؤوليّة اجتماعيّة. هو خالٍ من الموعظة ولكن لديه رسالة واضحة. والدراما في رأيي المتواضع، هي مرآة للمجتمع، وليست مدرسة. أنا لا أقدّم حلولاً، ولكنّي أضع الجمهور أمام مرآة تعكس الوضع الحقيقي للحياة. أنا أحبّ العمل على مسلسلات يستفيد منها الغير، يسمّونها بالأعمال ذات المسؤوليّة الاجتماعيّة كما ذكرت. وأنا إن عملت على مشروع لمدّة عام كامل من حياتي، أفضِّل أن يستفيد منه المجتمع بشكل أو بآخر. وبالطبع ليست كلّ الدراما صاحبة رسالة، ولكنّي أميل إلى هذه المدرسة بالتأكيد. فأنا أمّ وأشعر بدور ما تجاه المجتمع أحاول تقديمه من خلال أعمالي.
تشكُّل رؤيتك حول الدراما، يأخذنا إلى نقطة البداية، وعودتك من فرنسا حيثُ درستِ الاقتصاد إلى مصر للالتحاق بقسم السيناريو في معهد السينما. حدثّينا عن تلك البدايات.
 درستُ المرحلة الثانوية والسنة الجامعيّة الأولى في فرنسا. كلّ ما كنت أرغب به هو دراسة الرياضيات كي ألتحق بالجامعة، لدراسة الهندسة المعمارية. ولكنّ تعثري في الفيزياء جعلني أصرف نظر عن دراسة العمارة، والتحقت بكلية الاقتصاد. لكنّي كنت أهتمّ بالسينما، وأجمع المقالات المكتوبة عن النقد السينمائي في ملفات للاحتفاظ بها. في العام 1994، عرض «معهد العالم العربي» في باريس سلسلة أفلام قصيرة، تابعتها بشغف، وأدركت يومها أنّي أريد الاقتراب من ذلك الفنّ أكثر، وشجّعني أبي وأصدقاؤه. ثمّ التحقت بمعهد السينما قسم السيناريو في مصر، وكنت أشعر دوماً بأنّي سأعود إلى مصر، للعمل والكتابة.
شكلّتِ مع المخرجة كاملة أبو ذكري ثنائياً ناجحاً بدءاً من السينما، وصولاً إلى التلفزيون وخصوصاً في مسلسل «ذات» (2013)، و «سجن النسا» (2014). كيف بدأ التعاون بينكما؟
 التقينا في العام 2004، حين كانت كاملة تبحث عن سيناريو مختلف، فيما كنت أعمل على كتابة فيلم «واحد صفر». تأخّر إنجاز المشروع إلى العام 2006، للبحث عن إنتاج. كما لم يكن هناك أحداث كروية ضخمة تخوّلنا تصوير مشاهد يحتاجها الفيلم (تدور أحداثه على خلفيّة لعبة كرة قدم). وعندما وجدنا الحدث الكروي المطلوب في العام 2006، تعطّلنا مرّة أخرى لأسباب إنتاجيّة، وأجّل العمل حتى العام 2008. إلى أن قدّمنا العمل لـ «جائزة ساويرس»، و«جائزة جهاز السينما»، وأنتج وعرض في العام 2009. ومن هنا انطلقنا كاملة وأنا.
لذلك الفيلم مكانة خاصة عندي، إذ أنّ رحلته بين الكتابة والإنتاج والإعداد استمرّت لخمس سنوات بالفعل. في العام 2008، ومع فوز مصر بكأس الأمم الإفريقيّة، قمنا بالتصوير في الشارع وسط احتفالات الجماهير، وطلبنا من الممثلين الحضور، وكانت مغامرة واضحة، لأنَّنا كنّا لا نزال في طور البحث عن إنتاج.
 كيف تعاونت مع الروائي صنع الله إبراهيم لإنجاز سيناريو مسلسل «ذات» المأخوذ عن روايته؟
 عرض عليّ العمل على رواية «ذات» من قبل «العدل غروب» في وقت كنت أفكّر بكتابة سيناريو عن رواية مميّزة. طلبت منهم دمج رؤيتي الشخصية الخاصة بالتاريخ الاجتماعي، وليس التاريخ السياسي. كانت مغامرة، إذ أنّني حين عرضت الفكرة على صنع الله إبراهيم، شعر بأنّي سأظلم الرواية إلى حدّ كبير. وكنت أشعر أيضاً بالمسؤولية فهو صديق والدي، ويعرفني جيّداً منذ صغري. كنت أتمنى ألّا أخذله. لكنّه في النهاية قال لي أنّ نصّ الرواية بالنسبة له هو النصّ المطبوع، أما عن المسلسل فهو معالجة لرؤيتي الخاصّة، وكان ذلك لطفا كبيرا منه، شجّعني على إخراج العمل بأفضل شكل ممكن. يختلف الأمر بالفعل بين روائي وآخر، فأنا أعمل على دمج العمل الروائي برؤيتي الخاصّة في المعالجة. ذلك ما فعلته في «سجن النسا» المأخوذ عن مسرحيّة للكاتبة القديرة الراحلة فتحية العسال، إذ أنّي استعنت بالفكرة والعنوان، وقدّمت معالجة خاصّة للواقع الراهن لسجون النساء في مصر.
تعاملت بسلاسة مع صعوبة تقديم حالات واقعيّة في «سجن النسا»، كيف استطعت صياغة ذلك الواقع في سيناريو لمسلسل حصد إعجاباً جماهيريّاً؟
 تمثّلت الصعوبة الأساسيّة في الوصول إلى السجينات، كي أرى حياتهن، وأسمع منهن. فنصّ المسرحيّة كتب في الثمانينيات، وركّز على السجينات السياسيّات، وكنتُ أميل للكتابة عن السجينات الأخريات، بكافّة تفاصيل حياتهنّ الاجتماعيّة. تواصلت مع أحد القضاة، زرت السجن عدّة مرّات، وجلست مع السجينات، وسمعت منهنّ قصص معاناتهنّ الحقيقيّة. اعتمد العمل على الكثير من التفاصيل الحقيقيّة، مثل دور العشماوي الذي يشرف على عملية الإعدام، والذي أدّاه بالفعل شخص كان يعمل في السجن، وساعدنا وجوده على فهم كلّ تفاصيل تلك اللحظة العنيفة والقاسية. ذلك ما ساعد العمل للوصول إلى المشاهد بشكل صادق وصادم وحقيقي.
كنت واعية أثناء العمل على النصّ، لإرادتي التامّة في الكتابة عن السيدات وتجاربهنّ مع السجن، وليس عن منظومة السجون أو الدولة. دخولي للسجن وما سمعته منهنّ ساعدني على غزل الخيال بالواقع. القصّة الحقيقية بالكامل كانت قصّة شخصيّة رضا (روبي) التي تعدم في نهاية العمل، أما باقي القصص ففيها جزء من الواقع، بينما الجزء الأكبر من تأليفي، من خلال مشاهداتي لحياتهنّ.
 في «ذات»، و «سجن النسا»، وفي «موجة حارّة» (2013) عن رواية «منخفض الهند الموسمي» لأسامة أنور عكاشة، عرضت عليك أفكار الروايات من قبل شركة الإنتاج. صرّحت حديثاً بأنّك تعملين على معالجة رواية من اختيارك، حدّثينا عن الأمر.
بالفعل كانت الأعمال المذكورة مبنيّة على اقتراحات من شركات الإنتاج، وقد استهوتني. حالياً أعمل على معالجة رواية «واحة الغروب» لبهاء طاهر، وأتمنّى أن تخرج العام القادم بشكل مختلف، وكما أريد.
 حدثينا عن دور السيناريست يحيي عزمي في مسيرتك؛ وماذا عن دراسة السيناريو؟ هل ترين أنّ لها أهميّة قصوى بالفعل، أم أنّها موهبة حرة قد لا تحتاج لدراسة؟
 أنا ممتنة ومديونة بالكثير للدكتور يحيي عزمي. كان يدرّسنا مادة السيناريو في معهد السينما، وساعدني كثيراً على التعامل مع الكتابة بحنكة، واحترافها. لم يعلِّمنا فقط صياغة الحبكة، بل كيف نكون بشراً وفنانين حساسين تجاه النصوص أيضاً.
وبالنسبة لدراسة كتابة السيناريو، أرى أنّها مهمّة بالفعل لاحتراف هذه المهنة. قد لا يحتاج ذلك لأربع سنوات كما هو الوضع في معهد السينما، ولكني استفدت من تواجدي في المعهد ضمن دائرة السينمائيين، لتوسيع معرفتي في المجال ككلّ.
كيف تجدين دور الرقابة الآن، وهل اختلف بعد الثورة والتغييرات السياسية الحادة في مصر خلال السنوات الماضية؟
 لا أرى أي اختلاف. ما زلنا واقفين عند نفس التابوهات التي تخصّ الدين والمجتمع والجنس. وذلك أمر بائس جدّاً، لأنّ القائمين على تنفيذ الدور الرقابي في مصر ليس لديهم رؤية فنية احترافية حتى لتقديم دعم فني أو نقدي. هم موظّفون يتعاطون مع الأعمال الفنية بجمود لا يرتقي إلى مستوى احترام عقل الفنان والجمهور.
تكرّر التعاون بينك وبين نيللي كريم، هل صحيح أنّك تكتبين لها بالأخصّ؟
{ اختيار نيللي كريم لأداء أدوار البطولة في عدّة أعمال من تأليفي، تمّ عن طريق ظروف إنتاجيّة بحتة لم أتدخّل فيها على الإطلاق. أحب كثيراً العمل مع نيللي، وكنت مرتاحة لأنّها ستجسّد شخصيّات كتبتها، لكنّي لا أميل للكتابة لممثّل بعينه، تلك شائعات تكّررت نتيجة تعاوننا المستمر.
على سبيل المثال، كانت منى ذكي مرشحة لبطولة «ذات» ثمّ وقع الاختيار على نيللي كريم، أمّا في «سجن النسا» فكانت نيللي مرشّحة للدور منذ البداية. عندما ناقشت الأدوار في «تحت السيطرة» مع المخرج تامر محسن، وجدنا أنّ نيللي مناسبة جداً لأداء دور مريم.
 هناك عدّة أدوار حظيت بإعجاب الجمهور في تحت السيطرة لناحية أداء الممثلين، خصوصاً الممثلة جميلة عوض في دور هانيا، والممثل ماجد الكدواني بظهور خاص في الحلقة الأخيرة. كيف تم اختيار الممثّلين؟
 اختيار كل الممثلين هو حق أصيل للمخرج. تامر محسن اختار الجميع، وكانت اختياراته ممتازة ومناسبة جداً.
 في النهاية بعد نجاح «تحت السيطرة»، ماذا تقولين للجمهور ولفريق العمل؟
أشكر كافّة أفراد فريق العمل بشدّة، لإخلاصهم الشديد، وعلى رأسهم المخرج تامر محسن لأنه في الحقيقة وصل بكل الفريق إلى بر الأمان والنجاح، بالرغم من حساسيّة الموضوع، والصعوبات التي واجهت كل صناع العمل أثناء التنفيذ. وأشكر الجمهور على متابعته ونقده وذكائه وأتمنى دائماً أن أكون عند حسن ظنّه.
السفير

شاهد أيضاً

“ماتيس أشبه بالرواية”.. معرض استعادي لفنان الألوان

  بعد أن اضطر المتحف الوطني الفرنسي للفن المعاصر إلى تأجيل معرض عن الرسام الفرنسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *